المغربتحاليل

العلاقات المغربية الإسبانية.. قضايا شائكة وتدخل أميركي

تمهيد

 

إذا أردنا عنوانا واحدا يوجز كل أوجه التوتر التي تكابدها العلاقة بين المملكتين المغربية والإسبانية، يمكننا أن نوجزها في “قضية الحدود”. هذه القضية لا تقتصر على وضع مدينتي “سبتة” و”مليلية” السليبتين من التراب المغربي، واللتين لم يمنع احتلال إسبانيا لهما من تطور العلاقات الودية بين البلدين، وإن تخللت هذا الإطار الودي فترات توتر بين الفينة والأخرى.

وتعد اللحظة الراهنة من لحظات التوتر بين البلدين بسبب تراكم عدد من الملفات غير المغلقة التي تراكمت عبر الزمن، وتزامن فتحها معا خلال الفترة الأخيرة، تصادف أن تجمع كل هذه الملفات تحت عنوان واحد هو “الحدود المغربية”، ويمكن أن نضع تحت هذا العنوان الكبير قضيتين رئيستين تتفرع عنهما عدة قضايا فرعية.

القضيتان الرئيستان هما “قضية ترسيم الحدود البحرية بين البلدين” والقضية الثانية تتمثل في تحرير مدينتي “سبتة ومليلية”. غير أن تفريعات هاتين القضيتين تأخذ أبعادا أكثر اتساعا، تتمدد إلى نطاق التطور الدبلوماسي المغربي اللافت الأداء، والرؤية الاقتصادية المستقبلية الواعدة، فضلا عن قدرة عالية على المناورة السياسية، واستثمار التفاوتات الدقيقة في المصالح المغربية.

نجحت حكومة “حزب العدالة والتنمية” في فتح الباب نحو تطوير أداء دبلوماسي متعدد الأوجه، مكنها من تشييد بناء من السياسات التي من شأنها أن تفضي إلى تحرير الأراضي المغربية التي سبق أن سلبت منها، أو كانت محل نزاع.

وبعد توقيع اتفاق لتطبيع العلاقات مع إسرائيل قد يفضي إلى نموذج سلام بارد كالذي يلف علاقات القاهرة وعمان بتل أبيب، فإنها قد اكتسبت اعترافا إستراتيجيا بسيادتها على إقليم الصحراء الغربية، فيما استبقت بعض الملفات العسكرية لتتمكن بها من مساومة النسر الأميركي على المساندة في قضيتي الحدود البحرية وسبتة ومليلية.

وفي هذا الإطار، تحاصر المغرب إسبانيا من خلال نمط علاقات متباين مع كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وفيما تسعى لتحرير “سبتة” ومليلية”، فإنها قد اتجهت لاعتبار المدينتين أوروبيتين، تمهيدا لخنقهما عبر إجراءات جمركية صارمة تقضي على “التهريب المعيشي” الذي يضر اقتصاد المغرب فيما ينعش الاقتصاد الإسباني، وقامت بمحاصرة المدن المحتلة بسلسلة من البنى التحتية التي من شأنها أن تبخس القيمة الاقتصادية والإستراتيجية للمدينتين في أعين القوى السياسية الإسبانية، تمهيدا لتحويل المدينتين إلى عبء اقتصادي، ما يفضي في النهاية إلى تسليمهما.

وفيما تنضج كعكة “سبتة” ومليلية”، اتجهت الدبلوماسية المغربية نحو تعيين حدودها من طرف واحد، شاقة طريقها نحو حماية ثرواتها، والشروع في استغلالها بما يعزز الاقتصاد المغربي في المستقبل القريب.

ما هي ملامح إستراتيجية التأزيم التي تتبعها المغرب مع إسبانيا؟ هذه الورقة تقدم اجتهادا في تقدير موقف حكومة العدالة والتنمية المغربي.

ملفات أشعلت التوتر الأخير

كثيرة هي ملفات الخلاف التي تثار بين الفينة والأخرى بين الدولتين، غير أنه لم يحدث أن أخذت هذه الملفات مجتمعة كل هذا الزخم، في إطار من تكثيف التعاطي داخل فترة زمنية وجيزة.

ومن أبرز الملفات التي ستركز عليها الورقة في هذا الإطار 4 ملفات رئيسة، هي: ملف تحرير مدينتي “سبتة” و”مليلية”، و”ملف ترسيم الحدود البحرية”، و”ملف المعابر المرتبطة بالأراضي المغربية المحتلة”، وعلاقة هذا الملف بتطوير المغرب مينائي طنجة والناظور، وأخيرا نصل إلى ملف العلاقات الاقتصادية مع المملكة المتحدة.

ولا يمنع الاقتصار على هذه الملفات الأربعة الهامة من أن نشير في عجالة لملف الهجرة غير النظامية.

  1. قضية تحرير سبتة ومليلية: رغم أنه لم يسبق أن تمت إحالة قضية سبتة ومليلية على اللجنة الخاصة بإنهاء الاستعمار في منظمة الأمم المتحدة، المعروفة باسم “اللجنة الرابعة”، ورغم أن الأمم المتحدة لا تعترف بالمدينتين كمنطقتين محتلتين، لم يتخل المغرب في أي مرحلة من تاريخه المعاصر عن إعلانه أن المدينتين مجتزأتان من التراب المغربي، وظل يرفض الاعتراف بالأمر الواقع لصالح إسبانيا، حتى بعد منح البرلمان الإسباني إياهما الحكم الذاتي عام 1995.

كانت القوات البرتغالية قد احتلت المدينة في أغسطس /آب 1415، ولم تلبث إسبانيا أن ضمت البرتغال في 1580 بعد وفاة ملكها “سيباستيان الأول”، وبعد إعلان استقلال البرتغال عن التاج الإسباني، أعلنت في 13 فبراير /شباط 1668 اعترافها بسيادة إسبانيا على المدينة المحتلة.

وأما عن مدينة “مليلية”، فقد قام الدوق “خوان ألونسو بيريث دي جوثمان إي دي ريبيرا” بالاستيلاء عليها في 17 سبتمبر /أيلول 1497، وأعلن ضمها إلى المملكة الإسبانية، وفي 18 سبتمبر/أيلول 1509، أعلنت البرتغال اعترافها بالسيادة الإسبانية على المدينة وفقا لـ”معاهدة لشبونة” الموقعة بين البلدين.

وقبيل رحيل العام 2020، عادت قضية سبتة ومليلية، المدينتين الواقعتين على ساحل البحر الأبيض المتوسط، إلى واجهة الأخبار، إثر مقابلة تلفزيونية خصها رئيس الوزراء المغربي د. سعد الدين العثماني لإحدى القنوات العربية.

كان الأبرز في المقابلة هو تصريح العثماني نية المغرب فتح ملف المدينتين مع إسبانيا بعد حسم قضية الصحراء، لإنهاء ما يزيد عن 5 قرون من الاحتلال. وكانت إسبانيا ضمن القوى التي تعمل على إطالة أمد النزاع حول قضية الصحراء الغربية، واعتبر ساستها أن إطالة عمر النزاع الصحراوي أكثر مما مضى، سيشغل المغرب عن الالتفات إلى الشمال وسيحول دون تطلعه لاسترجاع منطقتي سبتة ومليلية الرازحتين تحت السيطرة الإسبانية من قرون.

وثارت في 13 مارس/آذار 2021، دعوة دشنها ناشطون مغاربة، وطالبوا فيها بتخصيص يوم 13 مارس/ آذار من كل عام يوما وطنيا للمطالبة باسترجاع المدينتين، والتذكير بأنهما “مناطق محتلة يجب تحريرها”، واعتبر ناشطو “الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان” أن “سبتة” و”مليلية” جزء لا يتجزأ من التراب المغربي، بدليل الوقائع التاريخية والجغرافية، وشنت المنظمة حملة إدانة واسعة ضد ما أسمته جهود “طمس المعالم الإسلامية” و”الزيارات المتكررة للمسؤولين الإسبان بهدف شرعنة الاحتلال الإسباني للمدينتين المغربيتين”.

  1. قضية ترسيم الحدود البحرية: من الملفات ذات الطابع المستقل، لكنها لا تنفصل عن الملف السابق المتعلق بتحرير جزيرتي “سبتة” و”مليلية”. وتعد قضية ترسيم الحدود البحرية بين المغرب وإسبانيا أحد أبرز الملفات العالقة المثيرة للتوتر بين البلدين.

وتعد هذه القضية جزءا من طموحات التنمية القومية في المغرب، بالنظر للثروات الكامنة في قاع المتوسط، وإمكانيات تأثيرها على خطط التنمية في بلد ما زال الحراك فيه يتجدد دوريا منددا بالأوضاع الاقتصادية السيئة.

وتعد قضية تعيين الحدود البحرية بين إسبانيا والمغرب، من الملفات الأكثر تعقيدا بين البلدين، وذلك بسبب السيادة الإسبانية على مدينتي “سبتة” و”مليلية”، الساحليتين شمالي المغرب، وأيضا على “جزر الكناري” (منطقة تحت السيادة الإسبانية راهنا، وتتمتع بالحكم الذاتي) في المياه الأطلسية المتاخمة لإقليم الصحراء، محل النزاع الأممي بين المغرب و”البوليساريو”. وإزاء هذه التعقيدات، تركت عملية ترسيم الحدود بين البلدين معلقة حتى مطلع عام 2020.

في الأسبوع الأخير من يناير /كانون الثاني 2021، لم يلبث السجال الدبلوماسي بين البلدين أن يعود مجددا، وذلك بعد تصديق البرلمان المغربي رسميا، في 23 يناير/ كانون الثاني 2020، على قانون ترسيم هذه الحدود من طرف واحد، وهو القرار الذي لم تعترف به إسبانيا التي صرحت وزيرة خارجيتها “أرانشا جونزاليز لايا” بأن إسبانيا والمغرب متفقان على ضرورة تعيين الحدود البحرية التي “لا تزال معلقة”.

ونتيجة لضغوط الملف الاقتصادي، أصر المغرب على الترسيم من جانب واحد، وأعلن وزير خارجيته ناصر بوريطة، عقب المصادقة على مشروع الترسيم، أن “تحديد المجالات البحرية للمغرب هي مسألة داخلية وعمل سيادي، يحتكم بأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار سنة 1982”.

وهكذا أدرجت المملكة المغربية المنطقة الاقتصادية الخالصة ضمن المنظومة القانونية المغربية، ليصبح المجال البحري المغربي من مدينة “السعيدية” شرقا إلى “الكويرة” غربا، بدلا من انحصاره في مدينة “طرفاية” كما في السابق، وأضحت تسيطر على مساحة واسعة واعدة بالثروة، أهمها “جبل تروبيك” الذي يعتبره الخبراء كنزا مغريا يحتوي على قرابة 2670 طنا من المواد الأرضية النادرة، مثل الكوبالت، والتيلوريوم، والباريوم، والنيكل، والفاناديوم، والليثيوم، وهي عناصر حيوية في صناعة الإلكترونيات، وتوربينات الرياح، والبطاريات.

غير أن عدم اعتراف إسبانيا يمثل مصدر توتر دائم، وينذر بإشعال فتيل مواجهة عسكرية بين البلدين، وهو الأمر الذي قد يؤدي لتوحيد موقفي الجزائر والمغرب في مواجهة الأطماع الإسبانية.

  1. قضية المعابر ومينائي طنجة والناظور: خلال السنوات الماضية، تمكن المغرب من إنشاء ميناء الناظور ذي الطاقة الاستيعابية الضخمة، هذا علاوة على ميناء “طنجة 2” الذي يقع على مضيق جبل طارق، ويرتبط لوجيستيا بأكثر من 186 ميناء عالميا، ويتحمل قدرة استيعاب تصل إلى 9 ملايين حاوية، و7 ملايين راكب، وقرابة 700 ألف شاحنة، إضافة إلى مليون سيارة، كما تحمل توسعاته إمكانيات صناعية اتسعت لأكثر من 900 شركة عالمية ناشطة في مجالات مختلفة، من صناعة السيارات والطائرات والنسيج وغيرها من المنتجات بحجم تبادلات تفوق 7.3 مليارات يورو سنويا.

واتخذت سلطات مغربية إجراءات لإغلاق المعابر التي تصل مدينتي “سبتة” ومليلية” بباقي التراب المغربي، من أجل الاستفادة من عوائد التجارة ورسوم رسو السفن. حيث أغلقت السلطات المغربية معبر مدينة “سبتة” عقب تقرير صدر عن البرلمان، في فبراير /شباط 2019، ورد فيه إن “المغربيات الممتهنات للتهريب المعيشي بالمعبر، يعشن وضعا مأساويا، وينمن ليومين وأكثر في العراء”. ومرت معابر “ميليلية” بظروف مشابهة، ودام الإغلاق لأكثر من 6 أشهر.

ولم تلبث السلطات المغربية، تحت وطأة الضغوط الدبلوماسية، أن أعلنت في سبتمبر /أيلول 2020، اتجاهها لفتح المعابر بشروط خمسة، أولها يبدأ بتقليص عدد المعابر في كل من سبتة ومليلية إلى معبر واحد فقط في كل منهما، وإغلاق المعابر الأخرى، كمعبر “تراخال 2” في سبتة، ومعبر “باريو تشينو” في “مليلية”، وستسمح بفتح معبر واحد يخصص لعبور المسافرين فقط والموظفين والعمال القانونيين، وإزالة الجمارك التجارية في كلا المعبرين من أجل منع التهريب، وتحويل تدفق السلع إلى ميناء بني نصار، أو ميناء طنجة المتوسط، بعد اعتبار المدينتين أوروبيتين، ويتمثل الشرط الثالث في منع نشاط التهريب المعيشي، ومهنة حمل البضائع في المعبرين بشكل نهائي، تعديل قانون العمل في المدينتين بحيث يتضمن “إقامة قانونية”، بالإضافة لشرط التزام المغرب بإيقاف تدفقات المهاجرين السريين على “سبتة” و”مليلية”، بما يفيد استحداث تعزيزات أمنية حيال المعبرين، وعملت على توفير فرص عمل بديلة لمن وقعوا أسارى البطالة بعد هذه القرارات.

واعترف خبراء إسبان في الشأن المغربي أن المغرب نجح في خنق اقتصاد المدينتين بهذه الإجراءات. وتعد هذه السياسة خطوة لبناء ثقافة زهد إسباني في المدينتين، لكنها ستؤتي ثمارها بعد حين، ما لم تفكر إسبانيا بتطوير المدينتين بشكل يتصور الباحث أنه يفوق قدراتها.

  1. العلاقات الاقتصادية مع المملكة المتحدة: من أبرز مصادر التوتر في العلاقات بين البلدين، وبخاصة من الجانب الإسباني ذلك التعاون الاقتصادي القوي بين المغرب والمملكة المتحدة، وهو أحد المسارات التي تسعى من خلالها بريطانيا لتعويض المغانم التي فاتتها بسبب الخروج من الاتحاد الأوروبي.

ويأخذ هذا التعاون أحد شكلين أساسيين، أولهما اتفاق التجارة الحرة بين البلدين، وهو إجراء ضمن سلسلة إجراءات تتخذها المملكة المتحدة مع عدد واسع من البلدان، كبديل لاتفاق التجارة الحرة الذي كان يميز الاتحاد الأوروبي الذي غادرته المملكة المتحدة عمليا مطلع يناير من هذا العام.

ويرتبط بهذا المسار عدة مسارات فرعية، أبرزها تسيير خط بحري جديد بين البلدين، تدشنه الشركة البريطانية “يونايتيد سيوايز”.

أما المسار الثاني، وهو الأكثر واعدية بالنسبة للطرفين البريطاني والمغربي فيتمثل في إنشاء جسر أو نفق تحت البحر المتوسط يربط بين جبل طارق، الواقع في جنوب إسبانيا، والخاضع للمملكة المتحدة، وبين شمال المملكة المغربية، وهو المشروع الذي سبق طرحه عام 1979، وأجريت بشأنه عدد من الدراسات التقنية.

الطريق المزمع، سواء أكان جسرا مائيا أو معلقا أو نفقا، يضيف هواجس إضافية إلى السلطات الإسبانية، القلقة من تطور السياسة الاقتصادية المغربية، والتي يراها مراقبون إسبان التفافا حول الأدوار والأوضاع الاقتصادية لمدينتي “سبتة” و”مليلية”، وهو ما قد يؤدي لفقدان إسبانيا لأي شعور بأهمية الجزيرتين، فضلا عن احتمال تحولهما عبئا إضافيا عليها خلال الفترة القادمة.

هذا فضلا عما يمكن لهكذا طريق أن يسديه للتجارة الأوروبية مع إفريقيا، وهو ما يمثل مصدر دخل قوي لكلا البلدين اللذين يمر بهما الطريق الذي يبلغ طوله 14 كم فقط، هي كل المسافة التي تفصل “جبل طارق” الخاضع لسلطة المملكة المتحدة عن مدينة “طنجة” المغربية.

ويمكن بعد هذه الملفات الأربعة الرئيسة إضافة ملف الهجرة غير النظامية، والتي يبدو أن المغرب يعمل عليها من خلال إحكام قبضته على الشريط الساحلي الممتد من طنجة شمالا إلى الناظور جنوبا، ويدخل في هذا الإطار كذلك تلك الإجراءات المتعلقة بالمعابر الخاصة بمدينتي “سبتة” ومليلية”، وغيرها من المدن الساحلية.

ويرجع تأخير هذه القضية في مدرج الاهتمام في هذه الورقة إلى تحولها نسبيا إلى ما يشبه العصا التي تلوح بها إسبانيا بين الفينة والأخرى للمغرب، علاوة على الدور الإسباني في تأجيج الحراك واستغلال التوزيع الجغرافي المتفاوت لعوائد التنمية في المغرب.

الدور الأميركي في العلاقة المأزومة

العلاقات الأميركية المغربية ليست وليدة اليوم، بل تعود بجذورها إلى الحرب الأهلية الأميركية، وموقف المغرب المؤيد لقضية استقلال الولايات المتحدة، ويمكن القول بأن البلدين كانا أول من يعترف ببعضهما البعض، حيث كان المغرب أول بلد يبادر إلى الاعتراف بأميركا بعد استقلالها عام 1776، عقب حرب الست سنوات ضد بريطانيا العظمى في ذلك الوقت، كما واجهت الانفصاليين الأميركيين.

وفي الجهة الأخرى، وبعد تحرير وثيقة المطالبة باستقلال المغرب سنة 1944، أرسلت نسخة إلى الولايات المتحدة الأميركية للاطلاع عليها. وفي سنة 1956، كانت الولايات المتحدة تحت رئاسة “دوايت إيزنهاور” أول دولة تعين سفيرا لها بالمغرب. ولهذا يحتل المغرب مكانة خاصة ذات بعد تاريخي بالنسبة للولايات المتحدة، بالإضافة – بالطبع – للرؤية الأميركية حول ضرورة إنهاء فكرة مناطق النفوذ السابقة على الحرب العالمية الثانية، وتوثقت علاقة الولايات المتحدة بالمغرب رغم محدودية الاهتمام الإستراتيجي الأميركي بالمنطقة حتى نهاية الحرب الباردة.

ولهذا لم يكن مستغربا أن تعمل الولايات المتحدة على دعم المغرب على نحو كبير في مواجهة مشكلاته الإقليمية. وآخر المساندات الأميركية تلك التدريبات المشتركة بين البلدين، والتي جرت في 14 مارس/آذار الجاري، بالتزامن مع تصاعد الأزمة بين المغرب وإسبانيا، حيث أجرى كلا البلدين مناورة عسكرية حملت اسم “مصافحة البرق 2021”. وتأتي هذه المناورة في إطار الاتفاق الموقع بين البلدين خلال العام الماضي، إبان زيارة وزير الدفاع الأميركي “مارك إسبر”، آخر وزراء دفاع “إدارة ترامب”، وهو الاتفاق الذي يمتد لعشر سنوات، حيث تشكل المناورات الأخيرة جزءا من الشراكة بين البلدين.

ونشرت السفارة الأميركية بالرباط بيانا مقتضبا في حسابها الخاص على شبكة التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، جاء فيه أن “السفن والطائرات المقاتلة الأميركية والمغربية تدربت جنبا إلى جنب، اليوم في “مصافحة البرق 2021”. وأرفق منشور السفارة التدوينة بصورة للمدمرة ذات الصواريخ الموجهة “يو إس إس بورتر” والفرقاطة البحرية الملكية المغربية “طارق بن زياد”، حيث أشير لالتقاط هذه الصورة من فوق سطح حاملة الطائرات “يو إس إس دوايت دي أيزنهاور”.

ورغم أن التدريبات مدرجة في أعمال حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلا أن إسبانيا ادعت أنها شكلت مفاجأة لها، وعبرت عن غضبها في عدة مسارات. ومثار الغضب الإسباني أن هذه المناورات أجريت على بعد يتراوح بين 12 إلى 50 ميلا شمال جزيرة “لا غراسيوسا”، وهي إحدى مناطق “جزر الكناري” التي تتمتع بالحكم الذاتي تحت السيادة الإسبانية.

وكشفت صحف إسبانية أن المناورات شاركت فيها بالإضافة إلى الطائرات العسكرية والسفن الحربية الأساسية في التدريبات، حاملة للطائرات “دوايت دي أيزنهاور”، و5 مدمرات بحرية تابعة للولايات المتحدة الأميركية.

رد الفعل الإسباني تجاه التدريبات المشتركة لافت، خاصة وأن البنتاغون أعلن أن هذه التدريبات مدرجة في جدول حلف شمال الأطلسي، إلا أن إسبانيا تتصرف وكأنها متفاجئة من هذه التدريبات.

إن طبيعة الموقف الإسباني المرتبك له دلالته، خاصة وأن إسبانيا تستضيف “قاعدة روتا”، والتي تعتبر من القواعد الأميركية الرئيسة في العالم، ويعود وجود “البنتاغون” في هذه القاعدة التي تقع في إقليم قادش أقصى جنوب غرب إسبانيا إلى خمسينيات القرن الماضي بموجب اتفاقية وقعتها واشنطن مع نظام الجنرال “فرانكو”.

ورغم انسحاب “البنتاغون” من قواعد عسكرية عدة في إسبانيا، إلا أنه ما زال يحافظ على وجوده في قاعدتين الأولى هي “مورون دي لفرونتيرا” الجوية في إقليم “إشبيلية”، وقاعدة “روتا” البحرية، التي تعود أهميتها إلى موقعها الجغرافي كنقطة جنوبية للغرب ومراقبتها لأحد أهم المضايق البحرية في العالم وهو مضيق جبل طارق، وهو أحد أهم أسباب تحولها إلى قاعدة إستراتيجية دائمة.

وخلال العقد الماضي، دار جدل إستراتيجي حول أفضلية إسبانيا أو المغرب كمضيف للقاعدة العسكرية الأميركية الرئيسة في المنطقة، وثارت تكهنات حول اتجاه الولايات المتحدة لنقل قاعدة “روتا” من إسبانيا إلى المغرب، حتى أعلنت واشنطن عدم نقل القاعدة، لكنها لا تستبعد إنشاء قاعدة جنوب المغرب استعدادا لسيناريوهات متعلقة بإفريقيا الغربية أساسا وتحسبا لنفوذ صيني مستقبلا علاوة على النفوذ الروسي.

قرار إقامة هذه القاعدة قيد الدراسة بتأن بالنظر لحصول “البنتاغون على موافقة سنغالية بالفعل في 2016 لإقامة قاعدة عسكرية مؤقتة لمواجهة القرصنة. وكانت الولايات المتحدة قد عرضت في عام 2008 على المغرب استضافة مقر قوة القيادة الأميركية لإفريقيا (أفريكوم) على أراضيه لحظة إنشائها، وهو الطلب الذي رفضه المغرب لحظتها بسبب التدخل العسكري الأميركي المشوه في كل من العراق وأفغانستان. وجددت الولايات المتحدة طرحها في 2016، حيث اقترح الخبير الأميركي لدى مجلس السياسة الخارجية الأميركية “جيمس روبنس” على الإدارة الأميركية الاعتراف بسيادة المغرب على الأقاليم الصحراوية بشرط قبول المغرب بنقل قاعدة “أفريكوم” إلى أراضيها.

الهدفان الرئيسان للولايات المتحدة، من نقل مقر “أفريكوم” من ألمانيا إلى المغرب يرجع لتزايد الاعتماد الأميركي على مصادر الطاقة في القارة الإفريقية، إذ تشكل حوالي 25 بالمئة من المخزون العالمي، إضافة إلى استمرار وتنامي الأزمات السياسية في الشرق الأوسط.

كما أن التوجه الصيني نحو إفريقيا أيضا أحد أبرز العوامل، حيث تعتبر بكين المستورد الرئيس للنفط الإفريقي، وثالث شريك تجاري بعد واشنطن وباريس، وتخشى الولايات المتحدة من أن تفكر الصين في تدشين قاعدة عسكرية لها في غرب إفريقيا أسوة بقاعدتها في الشرق الإفريقي (جيبوتي).

وفي هذا الصدد، فإن تعزيز العلاقات بالمغرب سيكون على حساب إسبانيا في هذا الإطار، وهو الأمر الذي سار على مسارين، أولهما دبلوماسي، تمثل في الاعتراف بسيادة المملكة المغربية على الصحراء، وثانيهما عسكري، يتعلق باتفاق الشراكة العشرية الذي وقعه وزير الدفاع الأميركي السابق “مارك إسبر”، والذي لا يمكن تمريره بدون وجود داع إستراتيجي غير معلن، يرجح أن يكون القاعدة العسكرية لأفريكوم، خاصة وأن هذا الاتفاق شهد ضغطا أميركيا لا تخطئه العين من خلال توقيع اتفاق شراكة قبله بساعات مع “تونس”، ثم زيارة الجزائر.

وفي هذا الإطار، يكون الإعلان عن تدشين القاعدة مسألة وقت، وبخاصة مع ضمان عدم معارضة “حزب العدالة والتنمية” الذي اجتاز اختبار اتفاق التطبيع المغربي مع الكيان الصهيوني. وفي هذا الإطار، كان عمليا أن تجري التدريبات مع المغرب وفق جدول تدريبات الناتو، رغم التهاب العلاقات المغربية – الإسبانية.

الدلالة المهمة الثانية للتدريبات الأميركية المغربية الأخيرة أنها تعكس تطورا إيجابيا في الموقف الأميركي من قضية الصحراء المغربية. فمع مراوحة المراقبين تشريح مستقبليات قرار إدارة الرئيس الأميركي “جوزيف بايدن” من قرار سلفه “دونالد ترامب” حيال الاعتراف بسيادة المملكة المغربية على إقليم الصحراء، وخلوص عدد منهم إلى أن الموقف الأميركي قد يتغير، بما يشكل تراجعا عن إدارة “ترامب”، ويرتؤون أنه حتى لو أرادت الإدارة الحالية التراجع عن قرار الاعتراف، فإن ذلك لن يكون سهلا وفوريا، بل يتطلب منها التفكير والبحث عن صيغة بديلة، حتى لا تكون هناك ارتدادات سلبية على مصالحها القومية.

وفي المقابل، يرى البعض أن قرار الاعتراف أتى في إطار معادلة جيوسياسية تقدر تطور الأوضاع في المنطقة في إطار خطوة إدارة “أوباما” بالقيادة من الخلف، ومع اهتزاز رؤية إدارة “ترامب” لمستقبل الإقليم، ما أدى لنتوج قرار الاعتراف من جانب المؤسسة الأميركية، حيث لم يكن قرارا سياسيا مرتبطا بتطبيع المغرب مع الكيان الصهيوني وحسب.

وفي إطار هذا الجدل، أتت التدريبات المشتركة لتؤكد على إستراتيجية العلاقات الأميركية المغربية من جهة، كما أن التدريبات أتت في “جزر الكناري” المواجهة للتراب المغربي من قبل المحيط الأطلسي، وهو ما حمل رسالة ضمنية لكل من المملكة الإسبانية وكذلك “جبهة البوليساريو”، مفادها أن الاعتراف صدر ليدوم، وأنه لا محل للتراجع عنه بالنظر لأهمية المملكة المغربية ضمن الرؤية الإستراتيجية الأميركية.

ومن جهة ثالثة، وبرغم وضوح هاتين الدلالتين، يبقى السؤال: لمن ستنحاز الولايات المتحدة في حال إثارة قضية “سبتة ومليلية” في ضوء الصراع بين شريكين، أحدهما إستراتيجي (إسبانيا)، والآخر حليف رئيس من خارج “الناتو”، بسبيله لأن يكون إستراتيجيا على الصعيد العسكري في حال إقامة قاعدة “أفريكوم” بالمغرب؟ والإجابة في هذا الصدد تقوم على 3 عوامل رئيسة، أولهما نجاح القاعدة في اجتياز الممانعة الإسبانية.

وفي تقدير الباحث أن هذه الممانعة قد تم تجاوزها بالفعل، وإن بصورة غير معلنة، وهو ما يرجح إنجازه عبر طرح قضية استمرار قاعدة “روتا”. وطالما أعلنت الإدارة الأميركية عن بقاء هذه القاعدة، فهذا يعني أن الترتيبات الأميركية قد تجاوزت الممانعة الإسبانية.

ويتمثل العامل الثاني في مساومات الولايات المتحدة وإسبانيا في هذا الإطار، حيث يمكن للولايات المتحدة أن تساوم إسبانيا بالوقوف إلى جانبها فيما يتعلق بمشكلات ترسيم حدودها البحرية مع الجزائر، وهو ما يبدو حتى الآن، حيث تفضل الولايات المتحدة أن تتجه الجزائر جنوبا، وأن ترسم فيه مجالها الحيوي الرئيس، ولا تصب تركيزها على البحر المتوسط، وهو موقف أميركي عقابي يمكن رده للنفوذ الروسي في الجزائر.

وأما العامل الثالث فيتمثل في خضوع هذه القاعدة لمساومة مغربية. فمن المعلوم أن الاعتراف بسيادة المغرب على إقليم الصحراء جاء في إطار المقايضة بتوقيع اتفاق تطبيع مع تل أبيب ينهي القطيعة التي أعقبت هجماتها على قطاع غزة في مطلع القرن.

هذا الوضع يفتح الباب أمام احتمال خضوع هذه القاعدة لمساومة مغربية موضوعها منطقتي “سبتة” و”مليلية”. وتجدر هنا معاودة التذكير بالقاعدة الأميركية في السنغال، والتي حازتها الولايات المتحدة منذ 2016، حيث تعتبر هذه القاعدة “المؤقتة” أداة للضغط على المغرب.

ففي نفس العام، عرضت الولايات المتحدة على المغرب بالفعل استضافة “أفريكوم”، وتبدو الممانعة المغربية سببا للضغط عليها عبر القاعدة السنغالية. ويبقى تقدير الإدارة الأميركية لإمكانية وأهمية تطويق مضيق جبل طارق من الشمال والجنوب هو العامل الحاسم في الوصول لترتيبات مغربية – أميركية حول هاتين الجزيرتين، ولعل هذا ما يفسر سبب تكرار وإلحاح طرح قضيتهما من الجانب المغربي في هذا التوقيت.

خاتمة

الاتصالات بين المغرب وإسبانيا لم تنقطع برغم التوتر، ويمكن القول بأن مآل القضايا المثيرة للتوتر بين البلدين تحتاج لتكثيف هذه الاتصالات، غير أن الملامح الإجمالية لصورة هذه الاتصالات تمثلت في تدشين حكومة “حزب العدالة والتنمية” المغربي لبناء دبلوماسي وتنموي واتصالي وعسكري محكم، يلقي كرة الاتصالات في الملعب الإسباني، لتأمل إسبانيا بعد ذلك أن تتمكن من توسيع هامش مناورتها مع المغرب.

يتجه المغرب لإثارة قضية “سبتة” و”مليلية” أمام الأمم المتحدة كما صرح مسؤولون مغاربة رفيعو المستوى، لكن التحضير لهذا الملف بدأ بتطوير مينائي “طنجة” و”الناظور” لتوفير بدائل لمينائي المدينتين السليبتين، ثم استثمار مينائي “طنجة” و”الناظور” من أجل تجريد المينائين المحتلين من جدواهما الاقتصادية بالنسبة للمغرب، وقطع المغرب عن المدينتين تدفق التجارة الداخلية الذي كان ينعش اقتصادهما علاوة على الاقتصاد الإسباني، ثم تركت قدر الأراضي المحتلة ينضج على نار هادئة، فيما سارعت لتعيين حدودها البحرية من طرف واحد، وفقا لأطر الشرعية الدولية، وأقر البرلمان المغربي القانون الخاص بتعيين الحدود، لتشرع المملكة المغربية في استغلال أصولها التي كانت عرضة للنهب من جانب رأس المال الإسباني.

وعلى صعيد آخر، يخطط المغرب لتلقين إسبانيا درسا قاسيا عبر تحفيز مشروع الجسر الرابط بين “طنجة” و”جبل طارق”، ما يمثل جسرا بريا يربط أوروبا بإفريقيا عن طريق المغرب والمملكة المتحدة، وهو ترتيب استثنائي في عرف التجارة الدولية، بقدر ما هو ترتيب استثنائي في دعم المنطقتين اللتين تمثلان بداية الجسر ونهايته.

ومع اتجاه الولايات المتحدة لتعميق اهتمامها بالضفة الشرقية للأطلنطي، ادخرت الدبلوماسية المغربية قضية مقر قاعدة القوات الأميركية لإفريقيا “أفريكوم”، وبذلت استعدادها لتوقيع اتفاقية تطبيع مع الكيان الصهيوني، يترك مصيرها بين يدي المغاربة، لتناور لاحقا بورقة “القاعدة العسكرية” من أجل الحصول على دعم الولايات المتحدة في مواجهة إسبانيا، وتترك للأولى مجال المناورة مع إسبانيا عبر تقسيم عوائد المساندة بين المغرب والجزائر، حيث تتجه الولايات المتحدة لمساندة إسبانيا على حساب الجزائر، فيما قد تتجه لدعم حقوق المغرب في تحقيق تكامله الإقليمي، موفرة للولايات المتحدة فرصة محاصرة مضيق “جبل طارق” من الشمال والجنوب، في اتجاه لتجريد الولايات المتحدة من ورقة الضغط الخاصة بالقاعدة العسكرية الأميركية التي وافق السنغال على منحها للولايات المتحدة مؤقتا في عام 2016 لمواجهة القرصنة في سواحل إفريقيا الغربية. شبكة المناورات الدبلوماسية العسكرية تلك تتوفر فيما تجري الولايات المتحدة تدريبات مشتركة مع المغرب حول “جزر الكناري” الواقعة تحت السيادة الإسبانية، والمواجهة لشواطئ الصحراء المغربية، فيما يمكن اعتباره رسالة لكل من إسبانيا و”جبهة البوليساريو” مفادها أن اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء صدر ليدوم، وأن إدارة “بايدن” لن تتجه لما تصوره المراقبون من مراجعة اعتراف إدارة “ترامب” بسيادة المغرب على الصحراء.

هذا البناء محكم بصورة قوية، لكنه ما زال بحاجة إلى ترتيبات اتصالية بين الطرفين المغربي والإسباني، لئلا تؤول هذه الترتيبات المغربية لمواجهة في غرب المتوسط، على غرار المواجهات التي تترقبها تركيا في شرق المتوسط.

صحيح أن الكرة اليوم في الملعب الإسباني، وصحيح أن التباطؤ الإسباني قد يعود بالضرر على إسبانيا، لكن تكلفة المواجهة بين حليف إستراتيجي للولايات المتحدة وحليف رئيس لها من خارج الناتو ليس بالصيغة المحببة لدى الولايات المتحدة.

إن بلورة هذه الصيغة لن يفيد المغرب الذي لن يستطيع اللواذ بالصين أو روسيا مثل تركيا، لأن ترتيبات القطاع العسكري من هذا البناء تقوم على أساس أن يكون المغرب قاعدة لمواجهة النفوذ الصيني والروسي، وهي ترتيبات لا يمكن مخالفتها بحجة الدبلوماسية المغربية بالتوجه لتحقيق “التوازن في السياسة الخارجية”، فالعبارة الأخيرة مكروهة بلغة الإستراتيجية.

المصدر : صحيفة الاستقلال بتاريخ 20 أفريل 2021

لقراءة الخبر من مصدره اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق