تونسدراسات

قراءة من الداخل : التيار القومي العربي في تونس من التأسيس الى ما بعد الثورة (جزء 1)

بقلم حبيب رابح   (قومي عربي و عضو مجلس وطني حركة الشعب)

يعتبر التيار القومي في تونس من اعرق التيارات السياسية ان لم يكن أعرقها و تعود أصوله للشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي أسس الحزب الحر الدستوري سنة 1920 لكنه أسس قبله سنة 1896 الحزب الوطني الإسلامي و الذي كان يدعو الى تحرير العالم العربي و وحدته السياسية متماهيا فكريا و سياسيا مع قوميي الشرق و قد كان يكتب في عدة صحف عربية مقالات تدعو للاستقلال و للوحدة العربية كما اصدر عدة صحف مثل المنتظر و المبشر و سبيل الرشاد و قد أصدر مع علي باش حانبة سنة 1904 جريدة التونسي التي حملت لواء يقظة العرب و تحريرهم و انضم سنة 1908 لحركة تونس الفتاة قد مثل الحركة الوطنية التونسية في مؤتمر الصلح بباريس حيث التقى هناك مع الزعيم المصري سعد زغلول و الملك فيصل و نسق معهم للعمل على تحرير البلدان العربية و استقلالها ثم أسس حزب الدستور الذي رفع لواء الاستقلال سنة 1920 و بعد تعرضه للسجن و التضييق من الاستعمار الفرنسي غادر سنة 1923 تونس و استقر بالقدس حيث عمل مع مفتي القدس الحاج أمين الحسيني و قام بتنظيم المؤتمر الإسلامي سنة 1932 و عاد لتونس سنة 1937 و حاول توحيد الحزب الدستوري القديم و الجديد الذي أسسه بورقيبة سنة 1934 لكنه فشل و اعتزل السياسية الى أن توفي سنة 1944 رحمه الله لكن للأسف رغم شعبية الشيخ الثعالبي و نضاليته و غزارة فكره لم يستطع تأسيس تنظيم سياسي قومي عربي بأتم معنى الكلمة نتيجة التضييق و السجن و الترحال و كذلك ميل الحركة الوطنية للقضية التونسية أولا و أخيرا كأغلب الحركات الوطنية تحت الاحتلال في الوطن العربي (سوريا , مصر , الجزائر و غيرها) لكن رغم هذا خرج من رحم الحركة الوطنية عروبيون منهم الشهيد صالح بن يوسف القيادي في الحزب الدستوري (أمين عام) و الذي اصطدم مع بورقيبة لاعتباره اتفاقية الاستقلال الداخلي خيانة لنضال المغرب العربي ضد مستعمر واحد و قد لجأ للقاهرة منذ بداية 56 بعد نشوب حرب أهلية بين أنصاره و انصار بورقيبة المدعوم من فرنسا كذلك كان لأحمد التليلي الزعيم النقابي و الوطني العروبي دور كبير سواء في تحشيد المقاتلين التونسيين لفلسطين او لايصال السلاح من مصر الناصرية للجزائر و كذلك المقاوم الطاهر الأسود و هو من أهم المقاومين التونسيين و كان من أنصار صالح بن يوسف و قاتل لاحقا في الجزائر مع الثوار بالتنسيق مع القيادة المصرية التي كانت تمده بالسلاح كما تولى عدد من القوميين أو العروبيين مناصب في الدولة التونسية و دافعوا عن عروبة تونس في وجه تيار فرنكفوني تغريبي مثل الوزير الأول السابق محمد مزالي الذي تولى عدد من الحقائب الوزارية و كانت له مجلة الفكر مع صديقه البشير بن سلامة الذي تولى بدوره حقيبة الثقافة في الثمانينيات أو وزير الخارجية محمد المصمودي و الذي كان مهندس اتفاقية الوحدة بين تونس و ليبيا سنة 1974 تحت مسمى الجمهورية العربية الإسلامية و التي اجهضت في مهدها و كذلك يوسف الرويسي هذا كأفراد لكن كتنظيمات سياسية لم تعرف تونس تنظيما قوميا عربيا بالمعنى التقليدي للكلمة قبل نهاية الستينيات حيث تم تأسيس تنظيم بعثي نهاية الستينيات بالتنسيق مع القيادة القومية ضم عدد من الشخصيات السياسية مثل مسعود الشابي و أحمد نجيب الشابي و الميداني بن صالح و أبو القاسم كرو و تم اكتشاف التنظيم سنة 1968 من جهاز أمن الدولة و اعتقال اغلب منتسبيه مما أدى لهروب الكثير منهم لاحقا للخارج في أواسط السبعينيات تم تأسيس أول فصيل طلابي قومي بمرجعية ناصرية سمي الطلبة العرب الوحدوييون التقدميون و ظل يعمل في السرية و يرفض العمل ضمن المنظمات الطلابية و كذلك تأسس فصيل طلابي بعثي (الطليعة الطلابية بتونس) و هو موالي لبعث العراق و كذلك يرفض الانخراط في المنظمات القطرية بينما ارتبط عدد آخر من القوميين بنظام العقيد القذافي رحمه الله و فيهم من شارك في عملية قفصة العسكرية ضد نظام بورقيبة سنة 1980 كما تشكلت لجان ثورية جماهيرية موالية له و التحق عدد آخر من القوميين باتحاد الشغل و خاصة نقابات التعليم و آخرون بالمحاماة و على رأسهم العميد بشير الصيد الذي حاول تأسيس أول حزب تونسي بمرجعية قومية تقدمية و ذلك سنة 1981 و كان أسمه (التجمع القومي العربي) لكن السلطة رفضت منحه التأشيرة على غرار العديد من الأحزاب السياسية الأخرى المعارضة آنذاك و في نفس السنة تم تأسيس حزب الوحدة الشعبية الذي يتبنى الطرح الاشتراكي العربي و أصدر جريدة (الوحدة) و ترأسه محمد الحاج عمر و فيه مجموعة انشقت عن حركة الوحدة الشعبية الذي أسسها المعارض أحمد بن صالح في المهجر سنة 1973 و قد أخذ حزب الوحدة الشعبية التأشيرة سنة و في سنة 1988 تم تأسيس حزب جديد بمرجعية قومية تقدمية و هو (الاتحاد الديمقراطي الوحدوي) و الذي ترأسه عبد الرحمان التليلي ابن المناضل النقابي العروبي أحمد التليلي و ذلك بتوجيه من السلطة الجديدة الحاكمة (بن علي) و قد ضم هذا الحزب عدد من الشخصيات القومية التقدمية ذات التوجه الناصري أساسا و بعضهم كان مقربا للجان الثورية و قد شارك الحزبان ذوا المرجعية القومية في جميع الانتخابات التشريعية من سنة 89 الى 2009 و نجحوا في تصعيد نواب و مستشارين كما شاركا في الانتخابات الرئاسية بداية من سنة 99 لكن لم يشاركوا في الحكم لأن النظام بقي يهيمن عليه حزب التجمع الديمقراطي الدستوري التسمية الجديدة للحزب الاشتراكي الدستوري بعد انقلاب بن علي على بورقيبة و قد كان الحزبان يقودهما خط موالي للنظام (محمد حاج عمر ثم محمد بوشيحة بالنسبة لحزب الوحدة الشعبية و عبد الرحمان التليلي ثم أحمد الاينوبلي في الاتحاد الديمقراطي الوحدوي) رغم وجود العديد من المناضلين القوميين داخلهما و هذا ما جعلهما يصنفان كمعارضة ديكورية و موالية و هذا ما يفسر تراجعهما بعد الثورة التي قامت على نظام بن علي سنة 2011 رغم محاولات التجديد و المراجعة هذا على الساحة السياسية قبل الثورة أما في الساحة الطلابية فقد نشأ فصيل قومي جديد سنة 1994 (طلبة قوميون) كامتداد للفصيل القديم (الطلبة العرب) الذي انتهى عمليا بعد اقتحام الجامعة من نظام بن علي و تصفية الأنشطة النقابية فيها سنة 91 بعد احتجاجات كبيرة قادها خاصة الطلبة الإسلاميون من خلال منظمتهم النقابية (الاتحاد العام التونسي للطلبة ) و قد انخرط الفصيل الطلابي الجديد ذو المرجعية الناصرية في المنظمة النقابية الطلابية التي بقيت (الاتحاد العام لطلبة تونس) و التي سيطر عليها اليسار الماركسي منذ السبعينيات بمختلف توجهاته و هذا الانخراط يعد سابقة في تاريخ التنظيمات الطلابية القومية حيث كانت ترفض الانخراط في منظمات قطرية كما تأسست منذ سنة 2005 مجموعة الوحدويين الناصريين و التي انظمت لهيأة 18 أكتوبر للحقوق و الحريات المعارضة هذا واقع التيار القومي التقدمي في تونس قبل ثورة 2011 و التي ساهم فيها القوميون كافراد سواء بصفتهم النقابية او الحقوقية او كطلبة او بصفتهم الشخصية أما بعد الثورة فتم تأسيس عدد من الأحزاب و التنظيمات القومية في ظل طفرة في الحريات السياسية شهدتها البلاد و أهم هذه الأحزاب هي حركة الشعب (ناصرية أسسها محمد البراهمي ) الحركة الوحدوية التقدمية (ناصرية أسسها البشير الصيد) حركة البعث و حزب الطليعة العربية كما تأسست جمعية الوحدويين الناصريين و العديد من الأحزاب الأخرى بمرجعيات قومية تقدمية مختلفة لكن التجربة الأهم تنظيميا كانت حركة الشعب و التي كانت نتيجة توحد حركة الشعب و الوحدوية التقدمية بداية 2012 و التي نجحت في تصعيد نائبين للمجلس التأسيسي منهم الشهيد البراهمي رحمه الله و استضافت المؤتمر الناصري العام سنة 2012 بينما فشلت الأحزاب البعثية في تصعيد نواب بمفردها لهذا خيرت الالتحاق بالجبهة الشعبية مع الأحزاب الماركسية لكي تصعد نائب (أحمد الصديق) بينما رفضت هياكل حركة الشعب الالتحاق بالجبهة لطبيعتها السياسية مفضلة مواصلة توحيد و تجميع التيار القومي فيها و هذا رغم خروج الأمين العام البراهمي و تأسيسه لحزب التيار الشعبي الذي التحق بالجبهة الشعبية و قد تمكنت حركة الشعب من مراكمة التجربة و تجويدها تنظيميا بعقد مؤتمرها الأول سنة 2017 ثم تصعيد 100 مستشار بلدي في الانتخابات البلدية 2018 و 15 نائب في الانتخابات التشريعية 2019 و شاركت في الحكومة سنة 2020 بوزيرين (محمد مسيليني و فتحي بالحاج) قبل أن تسقط الحكومة باستقالة رئيسها الفخفاخ بسبب شبهة تضارب مصالح و كانت هذه أول تجربة حكم للقوميين في تونس كتنظيمات و ليس أفراد مما أكسب الحركة تجربة و خبرة سياسية لا تكتسبها بقية الحركات السياسية القومية في تونس و هي أيضا أول حزب قومي عربي يصل للحكم بالانتخابات في ظل نظام ديمقراطي تعددي منذ نشأة التيار القومي أواسط القرن التاسع عشر و هذا ما يجعل حركة الشعب اليوم مثال و قاطرة للعمل السياسي القومي في تونس و الوطن العربي و من هنا تأتي أهمية تجربة حركة الشعب السياسية و ضرورة تجويدها و مراكمتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق