تحاليلتونس

وضع تونس المهين وعلاجه بمنطق الأفق المبين

أبو يعرب المرزوقي
تونس في 21.04.07
إن من ينكر أن وضع تونس الحالي مهين لكرامة الآدميين لا يعتد برأيه ولا بعقله, وخاصة إذا كان ممن يزعمون الخبرة في علاج الاقتصاد ومالية ما يسمونه دولة وهو في الحقيقة غطاء على نظام مافياوي بكل مستوياته الحاكمة والمحكومة.
فالبحث عن حل للازمة في بيت الحكمة واحتماع “الخبراء” واحتماع قيادات الحكومة والاعراف والعمال يغطي عن هذه الحقيقة: فلا يمكن للحكم ولا للأعراف ولا للعمال أن يعالجوا أزمة خلقية هم علتها
فهم من يمفيز كل المؤسسات وجعلها تغطية عن كذبة الخبرة التي تهدف لإخفاء هذه الحقيقة. وهم يجهلون أنه لا وجود لعلاقة مباشرة بين الاقتصاد والاجتماع
ولا بين الحاكم والمحكوم(بلغة ابن خلدون أساس العمران وأساس الاجتماع موضوعي اكتشافه العلمي والفلسفي في سياسة الجماعة) من دون وسيطين بينهما.
والوسيطان هما بداية الاقتصادي وبداية الاجتماعية وغايتاهما:
فبداية أثر الاقتصادي في الثقافي وغايته
وبداية اثر الثقافي في الاقتصادي وغايته
يجمع بينها أربعتها أصل هذين الأثرين ببدايتهما غايتهما فتكون هذه المقومات الخمسة متقدمة على الاقتصاد والاجتماع وخاصة على ازمات مالية الدولة وإشكالية انتاج الثروة والتراث وتوزيعهما لأنها هي التي تجعلها دولة وتحول دون تحولها إلى مافية:
فأما الوسيطان:
فأولهما هو بداية الاقتصادي وغايته: والبداية هي أثر الاقتصادي في الثقافي وهو ما سميته كناية بالمائدة أو الغذاء العضوي أو الأكل. والغاية هي أثره فيه وهو ما سيمته كناية السرير أو الغذاء الروحي أو الجنس.
وثانيهما هو بداية الثقافي وغايته: والبداية هي اثر الثقافي في الاقتصادي وهو ما سيمته كناية قيم التبادل العادل. وغاية أثره فيه وهو ما سميته كناية قيم التواصل الصادق.
والأصل هو بداية البدايات وغاية الغايات أي ما يجعل الدولة شرط العيش المشترك السلمي بفضل تحقيق البدايتين والغايتين تحقيقا يجعل الجماعة تعيش بمقتصى قوة القانون وليس بمقتضى قانون القوة وذلك هو الفرق بين الدولة والمافية.
وإذن فأزمة تونس بل وكل جماعة تحولت دولتها إلى نظام مافياوي ليست في علاقة الاقتصاد بالاجتماع مباشرة اذ هما ركح اعراضها وليسا علة دائهما بل الازمة هي ما في البدايتين والغايتينّ
ففساد البدايتين والغايتين (السرير والتواصل والمائدة والتبادل) هو الذي ينقل الجماعة تنتقل من العيش المشترك بمقتضى قوة القانون إلى الحرب الاهلية الباردة الدائمة أي العيش بقانون القوة فلا تبقى جماعة إنسانية بل تتحول إلى جماعة حيوانية متوحشة.
فأزمة البدايات والغايات هي جوهر الأزمة الخلقية التي تجعل الاقتصاد والثقافة ينقلان الدولة إلى الشكل المافياوي الذي تعيش عليه تونس منذ نهايات عهد بورقيبة. فعندما يغيب التبادل العادل يتحول الاقتصاد إلى اقتصاد مافياوي. وعندمايغيب التواصل الصادق تتحول الثقافة إلى ثقافة مافياوية.
تلك هي أزمة تونس وليست ازمة اقتصادية ولا ازمة اجتماعية بل هي أزمة خلقية جعلت الدولة تتحول إلى دولة مافية في الاقتصاد وفي الاجتماع. وهذه الوضعية يسميها ابن خلدون الحالة الأخيرة للجماعة التي يجتمع عندها الترف المطلق والفقر المطلق.
وتلك هي حالة تونس. فيجتمع فيها الفسادان أي جوهر الترف المضاعف: 1-فساد الواجدين وهو تسيب فني المائدة والسرير 2-وفسا المعدمين وهو تسيب بديلي الفنين من فضلاتهما إذ حتى المعدمون مترفون.
لذلك فآية الترف القرآنية لا تميز بين أهل القرية التي يفسق فيها مترفوها واجدوهم ومعدموهم بل هي تعتبرهم كلهم مترفين يحق عليهم القول لأن أفقهم يتحول عين الفساد والفسق أي “فساد معاني الإنسانية” بلغة ابن خلدون.
أعلم أن ادعياء الحداثة يعتبرون ذلك من التوصيف الديني وهم يتوهمون أن ذلك من اكبر الآثام لكأن الفلسفة التي يجهلونها اكثر من جهلهم بالدين يمكنها أن تشخص الداء بصورة مخالفة عند الكبار من مؤسسي الفلسفة العملية من أفلاطون إلى اليوم.
تلك هي ازمة تونس ومن لا يشخصها على حقيقتها لن يعالجها بل سيبحث عن مسكنات لتعطيل مؤقت لمسار الإفلاس بالتداين وبإصلاحات هي مواصلة الماكياج للمافية الحاكمة والمعارشة والأعراق والعمال ولن يتغير شيء في الوضعية المهينة داخليا وخارجيا.
لذلك فكل محاولات “البريكولاج” للخروج من الأزمة المالية لا يمكن أن يعالج الداء بل هو سيكتفي بتنزيل الحمى وهي عرض المرض بسم قاتل هو المزيد من التداين لتدوير عجلة المافيات
وليس لعلاج المشكل الذي جعل الدولة تتحول إلى نظام مافيات تتناحر بالتواصل المغشوش والتبادل الظالم في مجتمع مترف بنوعي الفساد فساد القلة الواجدة والكثرة العادمة. وها أنا سأقترح حلا للداء نفسه دون حاجة للتداين وهو علاج سيزيل الاعراض وأصل الداء إذ حددنا هذا الأصل:
1-فالأخلاق المتعلقة بقيمتي سد الحاجات العضوية أو الاقتصاد (الاستعمالية والتبادلية) إذا فسدت
2-والأخلاق المتعلقة بقيمتي سد الحاجات الروحية أو الثقافة (صدق التواصل وعدل التبادل) إذا فسدت
هي التي تمثل انتقال الدولة من قوة القانون إلى قانون القوة الذي يسيطر على نوعي المترفين في الجماعتين الواجدة والعادمة فتتحول الدولة إلى سوق مافياوين العرض والطلب فيها مداره الأفق المبين السافل الذي هو تجارة المخدرات والجنس وفساد كل معاني الإنسانية بلغة ابن خلدون:
1-فالجماعة المترفة بمعنى ترف الأثرياء وهو كله فساد التبذير على فني المائدة والسرير وغالبا بتجارة المخدرات والجنس الطالب .
2-والجماعة المترفة بمعنى ترف الفقراء وهو كله فساد التقتير على فني المائدة والسرير وغالبا بتجارة المخدرات والجنس العارض.
وكل هذه الحقائق صنفها ابن خلدون في فصل الترف باعتبارها نهاية الدولة غاية لفساد العمران (التبادل الاقتصادي غير العادل) وغاية لفساد الاجتماع (التواصل الثقافي غير الصادق): فساد الاقتصاد والثقافة هما جوهر فساد أخلاق الجماعة وفساد معاني الإنسانية عنده.
وهذه الظاهرة تتجلى في فقدان الأفق المبين المتعالي الذي يعوصه أفق مبين متداني وصفه افلاطون بالجرب ووصفه هيجل باللامتناهي الفاسد وصفه باسكال باللهو “ديفارتيسومون”
إنه تلهي الغيبوبة عن الوجود الواعي بالحرية والكرامة والاخلاد إلى الأرض وعيش الكلاب اللاهثة وهو الهروب إلى فساد قيمتي العمران (الاقتصاد استعمالا وتبادلا عادلين) وفساد قيمتي الاجتماع (الثقافة تواصلا وتعاطفا صادقين).
وهي أزمة روحية بالجوهر وعلامتها فساد تدين الجماعة: فالأثرياء يصبحون عبدة اوثان متخلفة هي الاولياء والزوايا والفقراء يصبحون عبيد عبدة الأوثان: فهم يعبدون
من يستعبدونهم بالمائدة والسرير باعتبارهم هم ونساؤهم وبناتهم خدما يعيشون على فتات موائد الاولين ويسلمون لهم عرضهم وأرضهم سواء كانت المافية داخلية أو خارجية.
وينتج عن ذلك كثرة الفسق والفساد الجنسي والخلقي وبيع المخدرات وكثرة اللواط والزنا وحتى زنا المحارم بسبب طبيعة المساكن الضيقة والاختلاط المجحف وهلم جرا مما يرى في مدن القصدير.
وكثرة الامهات العزباوات وكثرة العوانس واطفال الشوارع وهي ما تزال قليلة في تونس لكن الظاهرة بلغت حجما مهولا في القاهرة مثلا حتى إنك لا تستطيع أن تجلس دقيقة في مقهى الحسين قبالة الازهر من دون أن ترى المتسولين كالذباب.
فما الحل إذا بحثنا في الافق المبين المتعالي والذي هو جوهر الحل القرآني؟ إنه ايسر مما نتوقع: فعندنا في تونس مليون عاطل حقيقي ومليون يعمل لكنه في عطالة متنكرة وهو الزائد على ما تحتاجه شركات الدولة وإدراتها وكلهم لا ينتجون شيئا بحيث إنهم يحولون دون العمل المنتج ويفقرون البلد.
عندنا إذن مشكلتان:
البطالة المقنعة
البطالة الفعلية
ولنبدأ بهذه وعلاجها ينبغي أن يتعامل معها بقسمتها نصفين: حل مشكل السرير قبل مشكلة المائدة. ومن ثم فينبغي أن يكون الحل متعلقا بالعوانس والعزاب من الشباب
ثم تمكينهم من مورد رزق واحد وليس اثنين بتزويجهم حلا لمشكل المائدة والجنس مع فتح مشروعات صغيرة يعيشون منها بمساعدة الدولة حتى يصبح المشروع كافيا لقيامهم.
أما مشل البطالة المقنعة فهي قابلة للعلاج إما يالتسريح مع التمكين من تأسيس مشروعات صغرى أو بالتقاعد الذي لا ينتج عنه تعويض حتى تزول البطالة المقنعة من خلال الحد الضروري والكافي من العمال والموظفين.
والآن مشكل التمويل: وهو أيضا سهل وسهلا جدا: عندنا مليونان يعملون ولهم أجور محترمة: ينبغي استثناء الحد الادنى من الضريبة ثم فرض ضريبة متصاعدة من واحد في المائة إلى عشرين في المائة
وذلك بقسمة سلم الأجورإ إلى عشرين قاعدة كل قاعدة يزاد في مساهمتها بواحد في المائة بشرط أن يجعل ذلك خمس الأجور الحالي موجها إلى هذه العملية
ويمكن اعتبار المساهمات ادخارا للمسهمين يسترجعونه بعد عشرة سنوات هم أو أبناؤهم بعدما تكون تونس قد خرجت من ازمتها وتخلصت من الديون الخارجية: عقد كاف وهو ليس اجل مديد بالنسبة إلى المدخرين.
وطبعا أعلم أن هذا الحل يبدو مستحيلا باحلاق التونسيين الحالية لأن افقهم المبين مطلق الدنيوية والحقارة المايفياوية. لكن إذا اخذ القرار وجند له العمل الاعلامي
بعد اليأس من الحلول الترقيعية التي رأينا ثمرتها ستكون النتيجة المنتظرة حتما.. فما تصوره الهادي نويرة حلا ثم من بعده ابن علي ثم من بعده عقد الثورة فشل
ويثبت أن الافق السافل لا يزيد تونس إلا سفالة فيصح عليها ما قاله ابن خلدون في الترف ومآلها المهين للعالمين. لذلك فمن لم يفهم ما بين الاقتصادي والثقافي من تفاعل في الاتجاهين يكذب إذا تكلم على العلم والخبرة في علاج أدواء المجتمعات البشرية.
وستبقى النخب العربية عامة والتونسية خاصة صماء بكماء عمياء لا تعقل ما ظلت تعتبر الأسماء كافية من دون المسميات: فهم يسمون دولة الكيان الفاقد للسيادة في الرعاية والحماية فيتكلف عليهم وكأنه دولة وليس له مردود الدولة.,
وقس عليه الفكر: يعتبرون فكرا التعامل مع المشكلات بالقياس الشكلي دون اعتبار الفروق المحددة للملاءمة بين العلاج والداء: لكأن الوصفة الطبية فيها ما ينطبق من دون الكشف المناسب على الحالة التي هي خاصة دائما.
وكما يقول أرسطو: الطب ممارسة كلية لكن المريض شخص معينا والمرض حالة معينة تشخيصها ليس كليا ومن القوانين البايولوجية واحدة لكن تطبيقها بعدد الحالات المتعينة وعلاجها لا يكن من دون اعتبار التعين.
لا شيء في تونس يمكن علاجه بالعموميات التي يتعلمها “الخبراء المزعومين” من الكتب من دون اعتبار حالة المريض المعينة وتشخيصها بما يلائم تعينها والكشف عن أعراض المرض:: القوانين عامة والتطبيق معين دائما.
لقراءة المقال من مصدره اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق