تحاليلليبيا

ليبيا : قضايا كثيرة تُطوق”حفتر الشخض” بعد نهاية حفتر المشروع منذ الصائفة الماضية

على غرار المُخلفات الأمنية شرقا وارث المقابر الجماعية في ترهونة غربا

علي عبد اللطيف اللافي – كاتب مختص في الشؤون الافريقية

** تمهيد                     

خطف و”تعذيب” و”تصفية”، و”قتل”،و”مقابر جماعية عديدة” وقبل ذلك “جلب المرتزقة الأجانب” وتبييض “التمويلات المشبوهة”،وهي جميعا تهم وجرائم لا يُمكن لصديق وحليف ومقرب من حفتر أن يُدافع عنه فيها لا عليه ولا على نجليه ولا على مليشياته – أو من يقول أنهم مقاتليه- ، واضافة لذلك تراكمت خلال الفترة الماضية القضايا والملفات الكثيرة والتي أصبحت اليوم في ظل الوضع الأمني المنفلت في بنغازي حديث القاضي والداني بل ويعرفها الكبير والصغير، وها هي اليوم تُطوق الجنرال المتقاعد من كل الجهات وهي قد تقوده موضوعيا الى نهايته السياسية والعسكرية الوشيكة لا فقط كوكيل لمشروع إقليمي حلم ان يحكم ليبيا بقوة الحديد والنار ،ولكن السؤال هو:هل انتهى أيضا كشخص لأن المشروع قد ترنح وقضى نحبه منذ الصائفة الماضية على أوتار نجاح الخطوات الأولى لملتقى الحوار السياسي الليبي بين تونس وجنيف[1]؟

 

** السيناريوهات الخمس لــــــ”حفتر الشخص” بعد قبر “حفتر المشروع”

مباشرة وإثر نهاية جلسات الحوار السياسي في جنيف في بداية فيفري الماضي واختيار ممثلي السلطة التنفيذية، قلنا في احدى دراستنا التحليلية[2]، أن الجنرال المتقاعد قد فقد الأريحية في التحكم في مصيره السياسي والعسكري وان أمامه موضوعيا خمسة “خيارات/ سيناريوهات” وفقا لتطورات الوضاع السياسي المحلي والإقليمي والدوليوأن بعض ملفات أمنية وعسكرية وسياسية وطبيعة تركيبة الحكومة والتوازنات الاجتماعية فيها هي من ستحدد ارجحية أي من تلك السيناريوهات الخمس وهي باختصار:

  • السيناريو الأول: ويتمثلفي الهروب وترك الحبل على الغارب لكنه سيناريو ضعيف الورود لطبيعة ارتباطات الرجل وطبيعة تركيبة شخصيته ونرجسيته وأيضا بناء على أن لا وجهة خارجية متوفرة في افق الأشهر القادمة بناء على وجود قضايا جرائم حرب مرفوعة ضده-كما قلنا يومها أن نسبة حدوثه لا تتجاوز الــــ5 بالمائة…

 

  • السيناريو الثاني: وهو سيناريوقائم على أن يحول الرجل نفسه وبناء على دعممرتقب ومفترض من بعض حلفائه الإقليميين والدوليين الى حاكم ظل يُرتب للغير من الحلفاء الجدد وان يكون هو محور الاحداث وصنعها وتوجيهها، ولكنه أيضا سيناريو ضعيف ولا يتجاوز الـــــ10 بالمائة…

 

  • السيناريو الثالث:ويتمثل في أن يحول نفسه الى حليف ومحتو للسلطات الجديدة في ليبيا داخل الرئاسي وداخلحكومة “الدبيبة”،لكن تركيبته وطبيعته وتكوينه لن يسمحا بذلك ابدا (10 بالمائة)

 

  • السيناريو الرابع، وهو سيناريو الترتيب ولو بعد مدة للانقلاب سواء بشكل جزئي(في شوق ليبيا)أو كليا عبر انشاء/احياء خلايا والتحالف مع أطراف تدعم الخيار في كل ليبيا عبر تماه لوجستي وموضوعي مع تطورات الإقليم (النسبة 25 بالمائة)

 

  • السيناريو الخامس: وهو الأقرب ويتمثل في الخروج من المشهد ولكن عبر مرحلية وآليات ناعمة،أي عبر ترتيب إدارة الملفات والقبول بشخصيات واجهية تسمح له وتمكنه من الخروج من ليبيا في اتجاه منفى اختياريوأيضا مقابل بقاء دخول أبنائه للتراب الليبي وفقا لاختياراتهم ان تعذر اشراك بعضهم في السلطة الترتيبية الجديدة في برقة… (50 بالمائة)[3]

 

** المسألة الأمنية في شرق ليبيا قد تُنهي”حفتر” مثلما صعدته سنة 2015

1- الثابت أن “حفتر” نفسه في الوقت الراهن، قلق مما يجري في مربعاته الميدانية بل هو يستشعر خطورة الانفلات الأمني الذي شهدته وتشهده مدينة بنغازي على مكانته وشعبيته التي حاول بناءها طيلة السنوات الماضية، فقد حاول أن يرتبط اسمه خلال السنوات الماضية بضبط الأمن والقضاء على الإرهاب، ولكن تطورات الأوضاع ما بعد استلام “دبيبة” لمهامه لم تكن في صالح الجنرال المتقاعد حيث أعلنت سلطات شرق ليبيا منذ ايام تشديد الإجراءات الأمنية في بنغازي بعد تسجيل سلسلة من عمليات القتل في المدينة، حتى أن رئيس اللجنة الأمنية الكبرى/بنغازي العميد “عبدالباسط بوغريس”، قد قال في مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي “أجبرنا جميع المحلات على تركيب كاميرات مراقبة وأعطينا مهلا لذلك…”

 

2 – معلوم أن مدينة بنغازي قد سجلت منذ منتصف آذار/مارس الماضي سلسلة من عمليات الاغتيال كان من بينها طبعا اغتيال “محمود الورفلي”- والذي كانت تجاوزاته مظهرا من مظاهر الانفلات الأمني في المدينة بسبب استغلال نفوذه لتصفية خصومه خارج نطاق القانون، بالإضافة إلى تجاوزاته أثناء الحرب على الإرهاب في بنغازي- ومعلوم أنه ظهر في فيديو وهو يقوم بإعدام أسرى من التنظيمات المتطرفة ما دفع محكمة الجنايات الدولية إلى المطالبة بتسليمه، كما تتالت العمليات خلال الأسبوعين الماضيين عبر الخطف والقتل والتغييب المتكرر مما أحرج رأسي السلطة التنفيذية الجديدة أي “المنفي”/”دبيبة” وحدا بهما الى التحرك الأولي …

 

3- قبل ” الورفلي” تم اغتيال الناشطة حنان البرعصي التي عرفت بمواقفها المنتقدة لحفتر وأبنائه وخاصة صدام، ومؤخرا تم اختطاف ابنتها حنين على خلفية ظهورها في فيديو اتهمت فيه شخصا يدعى “صالح المسماري” بالمشاركة في استدراج والدتها لاغتيالها.وكانت حادثة اختطاف سهام سرقيوة، النائب عن مدينة درنة، قد أثارت جدلا واسعا في 2019 بعد ظهورها الإعلامي على قناة “الحدث” القريبة من الجيش الليبي انتقدت خلاله الهجوم على طرابلس. وما زال مصيرها مجهولا إلى الآن في حين تذهب أغلب التكهنات إلى أنه قد تمت تصفيتها على يد مسلحين مؤيدين لقوات حفتر، وفي الفترة الأخيرة تزايدت بين سكان بنغازي الشكوك حول ظاهرة إطلاق جهات مجهولة أعيرةً نارية في الهواء ما يشكل خطرا على حياة الذين يعيشون قرب المناطق التي يتم منها إطلاق النار، وهو الأمر الذي يطرح التساؤل بشأن عدم اتخاذ السلطات الأمنية إجراءات في اتجاه احتكار السلاح وحصره في يد الجيش والأجهزة الأمنية…

4- لا خلاف في أن  معارضيحفتريحاولون تأجيج حالة الانفلات الأمني لإثارة القبائل عليه، ولكن الثابت أن طبيعته وطبيعة رجاله تثبت فعلا يقوم باستهداف معارضيه وهو يثبت كل يوم أنه دكتاتور يصفي كل من ينتقده ويخالفه الرأي، ويقول متابعون إن الجهات المعارضة لحفترتستغل التقصير الأمني الذي بات مؤخرا يهدد مكانته أكثر من أي وقت مضى، وعمليا اكتسبت عملية الكرامة التي أطلقها حفتر سنة 2015 شرعيتها من الدعم الاجتماعي القوي من قبل قبائل المنطقة الشرقية التي تجمهرت أمام بيته مطالبة إياه بمساعدتها في القضاء على الانفلات الأمني الذي شهدته المدينة حينئذ واتهمت مجموعات متطرفة بالوقوف خلفه. ولا يستبعد مراقبون تكرار هذا السيناريو إذا استمر الانفلات الأمني، ولكن بطريقة مختلفة حيث ستطالب القبائل هذه المرة بخروج حفتر وأبنائه من المشهد من أجل السماح للحكومة الجديدة بتولي الأمور، وهو أمر اصبح جليا وواضحا، وكانت مكونات برقة الاجتماعية والسياسية والحقوقية أصدرت بيانا تزامنا مع تولي حكومة الدبيبة السلطة دعت فيه إلى فتح تحقيق في كل الأعمال التي وصفتها بـ”الإرهابية”، وهي الخطوة التي حملت رسالة تفيد برفع قبائل الشرق دعمها عن حفتر، وطالبت المكونات في البيان بفتح التحقيق في كل الأعمال الإرهابية ومنها اغتيال الناشطة حنان البرعصي واختطاف سهام سرقيوة ومقتل شيخ قبيلة العواقير أبريّك اللواطي في تفجير سنة 2017، ودعا البيان إلى “إخراج جميع الكتائب من مدينة بنغازي واستلام وزارة الداخلية (مهمة) تأمين المدينة”.

5- يُقلل مراقبون من جدوى الإجراءات الأمنية التي اتخذتها السلطات شرق ليبيا ويرى هؤلاء أن تصريحات بوغريس تشير إلى أن الوضع الأمني صار خارج سيطرة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والثابت اليوم ان “دبيبة” و”المنفي” لن يبقيا صامتين كما أنهما لن يقولا ما قاله الضابط الأمني في شرق ليبيا “إن على المواطنين تأمين أنفسهم بأنفسهم، وإنه من غير المعقول أن نضع سيارة مصفحة وحماية خلف كل مسؤول”، مشيرا إلى أن “عدم ذكرهم لأسماء المقبوض عليهم يأتي لعدم تعرض ذويهم للأذى وحرق ممتلكاتهم ومنازلهم”.

 

** قضية المقابر الجماعية ارث ثقيل جعل “دبيبة” يتحرك

 

1- اجرائيا أعلنت وزارة داخلية حكومة الوحدة الوطنية الأحد الماضي (04 افريل الجاري) تشكيل لجنة لمعالجة ملفات ومطالب أهالي مدينة ترهونة بشأن المقابر الجماعية، وتم ذلك بعد ساعات من انتهاء زيارة أجراها رئيس الحكومة “عبد الحميد الدبيبة” للمدينة، التي تقع جنوب شرق العاصمة طرابلس، وتعهده بتلبية مطالب أهله، وقال المكتب الإعلامي للوزارة، في بيان، إن اللجنة تشكلت بقرار من رئيس الحكومة، بعد زيارته للمدينة السبت 03 افريل الجاري، وقد اتخذت الوزارة كافة الإجراءات القانونية وفق اختصاصها فيما يتعلق بالبلاغات عن المفقودين وأماكن المقابر المحتمل وجود ضحايا بها

2- وزير الداخلية خالد مازنوالذي كلّف برئاسة اللجنة، تعهد بتكثيف جهود الأجهزة الأمنية وتسريع وتيرة أعمال التعرف على المفقودين وفتح باقي المواقع المتوقع بأن تكون بها مقابر جماعية…

3- لا يمكن تغييب ان رئيس الحكومة قد تعهد بتحقيق العدالة لأهالي ضحايا المقابر الجماعية بترهونة، أي تلك الجرائم التي خلفتها مليشيات الكاني (وهي تابعة لقوات حفتر)
وأوضح المكتب الإعلامي للحكومة أن الدبيبة قام بتعزية أهالي الضحايا، مستمعاً لمطالبهم التي تمثلت في تسريع وتيرة التعرف على المفقودين، واكتشاف باقي الأماكن المتوقع أن تحوي مقابرَ جماعية، إضافة لإنشاء محكمة مختصة بالنظر في هذه الجرائم.
وأكد الدبيبة خلال لقائه بأهالي المدينة أن تلبية مطالبهم مهمة في طريق المصالحة، مضيفاً أن وزارتي العدل والداخلية ستطلعان بمهامهما في هذا الشأن.

4- رابطة أهالي ضحايا ترهونة، عبرت عن استيائها الشديد لصمت الجميع عن جرائم المقابر التي خلفتها العصابات التابعة لمليشيات حفتر، واصفة هذا الصمت بالمخيف، وأعلنت الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين الحكومية عن تسجيل 350 مفقودا من مدينة ترهونة ضمن سجلاتها، مشيرة إلى أن فرقها تعمل بشكل مكثف بالمدينة للبحث عن مقابر جماعية جديدة، وحول المقابر المكتشفة، أوضحت أن أعمال البحث فيها واستخراج الرفات لا تزال مستمرة. وأكدت أنه “تم استخراج 139 جثة من مقابر المدينة”.

 

5- دوليا أعلنت الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي إدراج مليشيات الكاني ضمن قوائم عقوباتها، ويشار إلى أن بقايا مليشيات “الكاني” كانت تسيطر على ترهونة وتعد من أبرز مكونات قوات حفتر أثناء هجومه على طرابلس، قد غادرت ترهونة إلى مناطق الشرق الليبي بعد انكسار الهجوم، ولا تزال تتخذ من المباني العسكرية ومدينة تابعة لحفتر في بنغازي واجدابيا مقرات لها…

 

** قضايا أخرى وعديدة ستزيدُ في عُزلة “حفتر” ونجليه

1- لا أحد يمكنه إيقاف ابراز الوثائق التي تدين قوات حفتر في ترهونة بل وتدينه هو ونجليه خالد وصدام بالذات لا في الشرق فقط بل أيضافي الجنوب وحتى في محاور جنوب العاصمة لأن المسألة مرتبطة بفعل وجرائم ضد الإنسانية وتتعلق بأرواح بريئة ومعلوم أن المجني عليهم بالعشرات والمئات أن لم نقل بالآلاف وهم تمتد أعدادهم في أكثر من قرية ومدينة.

 

2- حلفاء الأمس السياسيين والاجتماعيين من قبائل ومكونات وروافد ممن كانوا محكومين بالقوة أي من طرف سلطة حفتر، سيتحولون لشهود عليه لان القوة لم تعد فوق رقابهم وخاصة في طبرق وبنغازي والرجمة وفي كل مربعات قبائل الشرق والصراعات مع العواقير وقبائل أخرى فتحت ملفاتها وما كان بالأمس يقرب مع حفتر يختلف عن معطيات اليوم وكل ذلك يعني ان قضايا أخرى عديدة تمس اغلبها قضايا الانتهاكات والتمييز وافتكاك الممتلكات والارزاق …

 

3- هوامش حفترتتقلص في كل الاتجاهات وخاصة في مفاوضات تشكيل وتوحيد المؤسستين الأمنية والعسكرية وموقعه سيكون ضعيفا والثابت أنه اقل بكثير مما كان يرى لنفسه ولنجليه وللمقربين منه أمثال الناظوري والمنفور وآخرين خاصة وان حلفائه السبتمبريين لم يعد حفترالمدخل الوحيد لهم للمشاركة في مصالحة وطنية مرتقبة، وعندئذ سيجد حفتر نفيه مجبرا على اختيار مسارات السيناريو الخامس المتحدث عنه أعلاه …

 

[1] نشرت أسبوعية “الرأي العام” التونسية بتاريخ 19-11-2020 مقالاتحليليا للكاتب بعنوان “مُلتقى الحوار السياسي وفوز “بايدن” يُنهيان “حفتر الشخص” ويُربكان “حفترالمشروع” (نشر أيضا بتاريخ 18-11-2020 بموقع افريقيا2050)

[2] أنظر دراسة الكاتب المنشورة على صفحات دورية “24/24″ التونسية بتاريخ 12-02-2021 وأيضا في موقع المغاربي للدراسات والتحاليل” بتاريخ 11-02-2021 وهي بعنوان “ليبيا: السيناريُوهات المُستقبلية والمُتاحة أمام الجنرال المُتقاعد “خليفة بلقاسم حفتر، مع لفت الانتباه أن الكاتب قد قدم الكاتب مداخلة بعنوان “سيناريوهات مستقبل حفتر في المشهد الليبي” في ندوة حوارية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية بتاريخ 20-02-2021

[3]نشر الكاتب رؤيته لتفاصيل السيناريو الخامس وذلك قبل بدء جلسات ملتقى الحوار السياسي في مقال له بعنوان “تحقيقا لهدف الابعاد الهادئ والناعم لــــ”خليفةحفتر” هل يكون “عبد السلام الحاسي” رئيسا مُرتقبا لأركان الجيش الليبي؟”، وهو مقال نشر في دورية 24/24 التونسية بتاريخ 22-10-2021 وأيضا موقع “المغاربي للدراسات والتحاليل”

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق