تحاليل

اليسار الجديد و الدّين و الدّين الاسلامي نموذجا

بقلم مصطفى العلوي

(عشر أطروحات مركزية )

1-

اليسار الجديد هو اليسار الذي يواصل في اعتبار الرأسمالية العالمية مصدر بؤس لعموم الانسانية ويعمل على تجاوزها . ولكنّه ليس ذلك اليسار الذي يجدّد نفسه من باب ‘التكتيك’ لأنّ الرأسمالية تحوّلت فحسب ، بل ذلك اليسار الذي يجدّد رؤيته للعالم بعد فشل/افشال تجاربه السابقة و الذي يتجرّأ على مساءلة ايديولوجياته القديمة (وخاصة الماركسية والفوضوية وغيرهما) وفق مكتسبات الفلسفة والعلوم الحديثة والمعاصرة ووفق مكتسبات الانسانية المعاصرة.

2-

ومن بين ما عليه أن يقرّ به في مسالة العلاقة بالدّين فشل تجربة العلمنة الالحادوية التي اعتمدتها تجارب الدول الاشتراكية من ناحية وتجاوز الفلسفة والعلوم الانسانية والاجتماعية الحديثة والمعاصرة للتصورات اليسارية الكلاسيكية للدين عموما وللدين الاسلامي خصوصا،و التخصيص على الاسلام هنا ينبع من حديثنا عن اليسار عندنا بالأساس رغم خصوصية – ولكن ليس فرادة واستثنائية- الاسلام نفسه حتى داخل الديانات التوحيدية وخصوصيته داخل مجموع الأديان.

3-

ان الأطروحة المركزية اليسارية الكلاسيكية تتمثل في اعتبار الدين أفيونا للشعوب ووعيا زائفا معرفيا وطبقيا لا يجب نقده فقط، بل العمل على الغائه الحاديّا حتى التخلّص منه نهائيّا . وهذه الأطروحة المركزية ناتجة عن فهم خاطئ للدين وتؤدّي الى اضطهاد حرية المعتقد و تتسبب في عزل اليسار عن جماهيره المفقّرة المؤمنة من ناحية و -من خلال التعميم الالحادوي-عن الخصوصيات الثقافية لشعوبه بجعله يبدو متنكّرا لهويّاهتا ولتراثها .

4-

يمكن وصف التصور اليساري القديم للدين بأنّه تصوّر جوهري و ماهوي ثقافوي. فعلى الرغم من اعتبار هذا اليسار الدين منتجا اجتماعيا – ثقافيا مثله مثل الأسطورة والفلسفة و القانون والفن،الخ.، الا أنّه يعتبر الدين وحده وعيا زائفا -بكامله – ويسعى مستقبلا الى الغائه -هو بالذات- دون غيره من كل اشكال ‘الوعي الاجتماعي’. ولكن في الحقيقة، يجب الانتباه الى كون اليسار -الماركسي تحديدا- يسعى ايضا -أو لنقل يعتقد- أن الفلسفة نفسها سيتمّ الغاؤها- بوصفها ‘تأمّلا’ – لتصبح مجرّد نسق فكري يكتفي بتأليف وشرح ما ستصل اليه العلوم. وان هذا الموقف من الدين و من الفلسفة هو موقف وضعي-علموي -الحادوي لا أكثر و لا أقل. وهو موقف هيغلي مقلوب يعتقد بأن تحقق الفلسفة سيلغي الحاجة الى الدين و الى الفلسفة نفسها بوصفها نشاطا تأمّليّا غير علمي و ما- فوق علمي. وهذا الموقف خطير جدّا على كل النواحي الأنطولوجية والابستيمولوجية والأنتروبولوجية و الايتيقية والاستيتيقية في الفلسفة نفسها فما بالك على الموقف من الدّين.

5-

ولنقض هذه الفكرة الجوهرية و الماهوية الثقافوية عن الدين يمكن الاستفادة من طريقة تعامل اليسار التقليدي نفسه من باقي أشكال ‘الوعي الاجتماعي’ كما يلي : ان اليسار التقليدي نفسه يتعامل حتى مع الأسطورة -ناهيك عن الفلسفة والفنّ،الخ- تعاملا ايجابيا بحيث يقرؤها اجتماعيا -تاريخيا ويؤوّلها رمزيا ،الخ. ولماركس مثلا ولع كبير ورائع بالأسطورة اليونانية خاصة. وعموما ،يقبل اليسار التقليدي بما هو ايجابي ويرفض ما هو سلبي -معرفيا واجتماعيا- في ما تراكم و ما هو موجود من أشكال الوعي الاجتماعي كلها سوى الدّين . و قد حان الوقت النظري و السياسي لمعاملة الدين كغيره من تلك الأشكال: اعتباره منتجا ثقافيا يحتوي الايجابي والسلبي النسبيين حسب المجتمعات و حسب المراحل التاريخية كما هو حال الفلسفة والقانون والفنّ…

6-

ويمكن تدعيم هذه الرؤية اليسارية الجديدة للدين بالتنبيه الى ما هو غير زائف في الدّين بوصفه رؤية للعالم من خلال مثال الاسلام عندنا. ان الاسلام عقائد وعبادات و معاملات وآداب. وهو بوصفه عقائد وعبادات يدخل ضمن حرية المعتقد ، و الفكر التي يفترض أن يكون اليسار من أكبر المدافعين عن هذه الحرية -و الحرية عموما- على عكس ما مارسه اليسار التقليدي عندما حكم.

أما من حيث كونه معاملات وآداب فان الاسلام ليس بالضرورة وعيا زائفا. بل ان تطبيق مقولة الوعي الزائف نفسها تصبح خاطئة تماما لأن الدين – بوصفه رؤية للعالم – لا يحتوي فقط على ‘عقائد’ – قد تكون زائفة أو خاطئة – بالمنطق العلمي- لكنها تبقى حرية شخصية وجماعية مضمونة ، بل يحتوي أيضا على ما لا ينطبق عليه مقياس الحقيقة والخطأ أصلا. انّه مثلا يحدّد نظام زواج وقرابة -ورثه عن ‘الزواج العربي’ – لا يمكن لليساري العربي أن يخالفه بحجة زيفه لكونه مسألة أنتروبو-ثقافية الا اذا كان اليساري سيسمح بالزواج من الام و من الأخت مثلا .

كما يحتوي الاسلام على رفض الرّبا الاقتصادي ويتفق في ذلك -استراتيجيا- مع موقف ماركس ، وهو نفس الموقف الذي مدح من أجله ماركس أرسطو في كتاب ‘رأس المال ‘ حيث اعتبر رأس المال الرّبوي أسوأ أشكال رأس المال على الاطلاق. كما أن الاسلام – في المعاملات – يشجع مثلا على اكرام الوالدين وذوي القربى والمسنين و الفقراء و اليتامى و عابري السبيل …و- في والآداب -يأمر – في آداب التحية مثلا – بأن يسلّم ‘الفرد على الجماعة والصغير على الكبير و الراكب على الماشي والواقف على الجالس…’ وهذه أمور لا ينطبق عليها مقياس “الحقيقة والخطأ” وبالتالي “الزيف” لأنّها أمور اجتماعية-ايتيقية ينطبق عليها مقياس “الخير/ الشرّ” الاخلاقي .

وتوجد في الاسلام جوانب جمالية -رغم ضعفها كلاسيكيا- مستحدثة كفنون العمارة و الخطّ و الترتيل و الانشاد وغيرها وهي جزء من التراث الثقافي -الجمالي الذي لا يمكن التعامل معه بمقياس الحقيقة والخطأ -وبالتالي الزيف- بل بمقياس الجميل والقبيح الفنّي و الا فستكون الكارثة التي لا تعادي فقط جزءا من التراث الثقافي للشعب، بل وكذلك الحرية الفنية لتقضي على الجمال و على الحرية في نفس الوقت.

7-

واضافة الى مشكلة عدم وعي اليسار التقليدي بضرورة التفريق بين مباحث ‘ الحقيقة و الخير و الجمال ‘ -اليونانية القديمة – وتطبيقه مقياس ‘الحقيقة والخطأ’ على كل شيء بما يؤدي الى كوارث معرفية سببها نوع من الوضعية- العلموية اليسارية ، فان هذا اليسار يجد نفسه -و ضدّ بعض اجتهادات ماركس و أنجلز الجزئية نفسها- منساقا -بسبب نسق الايديولوجيا- الى التنكر لامكان لعب الدين دورا ايجابيا في الصراع الاجتماعي الحديث و خاصة المعاصر.

ان اليسار التقليدي يعترف بإمكان لعب الدين أدوارا اجتماعية-سياسية ايجابية في الماضي، ولكنه يتردّد كثيرا في قبول ذلك في التاريخ الحديث و خاصة المعاصر بسبب ردّ فعله على السلط و الحركات السياسية -الدينية المحافظة غالبا. وهو مثلا لا يرى مطلقا احتمال -وخاصة ضرورة- وجود حركة ‘اسلامية تقدّمية’ بل ويتعامل حتى مع الحركة القومية العربية تعاملا حذرا عندما تكون اسلامية و- لكن البعض – لا يقوم بنفس ردّ الفعل عندما تكون تلك الحركة -أو قيادتها- مسيحية ! انّ اليسار الجديد لا يمكنه المواصلة في نفس هذا المسلك وعليه أن يثبت أن الدين – مثل الفلسفة و القانون والفن …- بما في ذلك الاسلام ، يمكنه أن يؤوّل تأويلا تقدّميا و أن يستعمل للدفاع عن الطبقات و الفئات و الشعوب المقهورة كما حصل ويحصل في أمريكا اللاتينية .

و عليه أن يعترف أنّ ما كان يمنعه كيسار تقليدي من تبنّي هذه الفكرة لم يكن سوى رؤيته الجوهرية -الثقافوية الخاصة للدين عموما وللاسلام خصوصا ، و ان التخصيص على الاسلام ليس سوى اسلاموفوبيا كولونيالية لا تليق بيسار ديكولونيالي حقيقي في العالم الاسلامي يقدّم جماهير فقراء المسلمين على طبق من ذهب الى أعدائهم الداخليين و الخارجيين.و ان اليسار الجديد -في العالم الاسلامي- عليه أن يعيد استئناف ما تم انجازه جزئيا من قبل بعض مفكري اليسار التقليدي -كحسين مروة و هادي العلوي وغيرهم – ليطوروه و يحولوه الى رؤية جديدة فكريا وسياسيا و يترجموه نضاليّا و تنظيميا.

8-

اضافة الى المشكلين المعرفي و الطبقي العلمويين ، يعاني اليسار التقليدي من أزمة كبيرة في مسالة الحرية عموما و من بينها الحرية الفكرية و الدينية التي تهمنا هنا. ويمكن تلخيص هذا المشكل بعبارة واحدة هي :العلمانوية الالحادية. ويكمن مشكل هذه العلمانوية في تصوّرها للحرّية الاجتماعية الاشتراكية كنقيض ضروري للتديّن و للحرية الدينية. وقد لخّص لينين ذلك في كتابه ‘نصوص حول الموقف من الدين’ قائلا ما معناه أن فصل الدين عن الدولة و حرية المعتقد هما من مطالب الديمقراطية البورجوازية ويجب رفضهما داخل الحزب الشيوعي و تجاوزهما في الدولة الاشتراكية المستقبلية باتجاه الالحاد المادي.

وبهذا فان العلمانية اليسارية القديمة كانت علمانية الحادية ولم تكن علمانية محايدة تضمن حريتي الالحاد و اللاأدرية و الايمان في نفس الوقت وبنفس القدر . ان هذا النوع من العلمانية يؤدّي حتما الى قطيعة – ولو نسبية – بين جماهير المؤمنين و الحزب -وخاصة قياداته – وبينهم وبين الدولة لأنّها لا تضع نصب عينيها تحقيق الحرية الفكرية والدينية، بل الهيمنة الفلسفية المادية -الالحادية ليس فقط داخل الحزب، بل وحتى داخل الدولة. و هذا الأمر لا يجعل من الدولة الاشتراكية اليسارية القديمة منفصلة عن المؤسسة الدينية فقط، بل يجعلها معادية لها وللدين بوصف الأخير أفيونا و الأولى مؤسسة طبقية رجعية بالضرورة.

و نتيجة ذلك كان تحويل الكنائس و المساجد وباقي دور العبادة أحيانا الى اسطبلات و كان التنكيل برجال الدين والتضييق على أتباعهم و على الحريات الدينية . وانّ اليسار الجديد لن يكون جديدا في هذه المسالة الا اذا أعاد فهمه للعلمنة بحيث لا تناقض الحرية الاجتماعية فيها لا حرية الالحاد و لا اللاأدرية و لا الايمان .ولكن ذلك لن يكون له من معنى اذا كان الحزب اليساري نفسه ،عوض التركيز على البرنامج السياسي مع الاستفادة من الفلسفة والعلوم والانسانيات، يبالغ في التركيز على مذهب فلسفي معين فيجعله اقرب الى المثقفين منه الى عموم الشعب. و لا تسل عن الحرية عندما يضيف الحزب الى ذلك كون “دكتاتورية البروليتاريا’ يجب أن تعتمد نظام الحزب الواحد !

9-

وآخر مشاكل اليسار التقليدي ،التي تنتج عمّا سبق، هي بالضرورة ما يمكن تسميته ‘العدمية التراثية و الثقافية’.ان اعتبار الدين -ككل- أفيونا ووعيا زائفا معرفيا وطبقيا و اعتبار الحرية الاشتراكية نقيضا للحرية الدينية يؤدي حتما الى عدمية تراثية ( الماضي) وثقافية (الحاضر و المستقبل) في علاقة بالميراث الديني وبالممارسة (الفكرية و العملية) الدينية.

فرغم محاولات اليسار التقليدي التخفيف من هذا المنحى في الحجاج النظري وفي التأليف الفكري فانّ التطبيق العملي كانت له دائما نتائج كارثية بسبب كون “الطبع يغلب التطبّع” بحيث يغلب “النسق الفلسفي” المجرّد الاجتهاد العملي السياسي خاصة عندما يقود الدوغمائيون اليساريون القدامى الأحزاب و/أو يقودون الدولة لأنّه ،و في أحسن الحالات، لن تجد تعاملا مع التراث الديني و الثقافة الدينية مشابها لكيفية التعامل مع التراث الفلسفي و القانوني و الفني …بل وحتى الأسطوري و الملحمي: ان ملاحم/أساطير جيلجامش و الأوديسا والالياذة وغيرها هي عند اليسار التقليدي كنوز انسانية ساحرة رغم طابعها الاسطوري ولكن التوراة والانجيل والقرآن هي فقط كتب زائفة ورجعية رغم انّها ‘ما بعد -سحرية وما بعد -أسطورية’!

10-

لا يمكن لليسار الجديد أن يكون جديدا في رؤيته للمسألة الدينية ،اذن، الا اذا قطع مع اليسار التقليدي معرفيا و سياسيا وتنظيميا. فالدين -بوصفه منظومة ثقافية وبقطع النظر عن الايمان و الالحاد- لا يجب أن يقيم فقط بمنظور الخطأ/الحقيقة -العلموي – بوصفه زائفا وبمنظور الدكتاتورية – المنعوتة ثورية – بوصفه رجعيا، بل يجب أن يقيم بثالوث ” الحقييقة و الخير و الجمال” ضمن سياق الحرّية .

ان الدين يمكنه أن يؤوّل حتى من قبل المؤمنين أنفسهم تأويلا تاريخيا و مقاصديا ورمزيا …بحيث لا يتعارض تأويلهم مع الفلسفة و العلم و العدل و الحرية. وان العلمانية لايجب أن ترتبط بالدكتاتورية و لا يجب أن تعني الالحادية، بل أن تضمن حرية الفكر و الدين للملاحدة واللاأدريين والمؤمنين .

كما أن اليسارية لا تعني الانزلاق الى نوع أو درجة من العدمية التراثية والثقافية اللادينية بل عليها أن تكون فعلا “الوريث الشرعي لخير ما أبدعته الانسانية” الذي منه الابداع الديني كما الابداع الأسطوري و الفلسفي و القانوني و الأخلاقي و الفني.

وان اليسار الجديد لا يجب أن يبقى حبيس الأنساق الفلسفية اليسارية التقليدية المغلقة، بل عليه أن ينفتح على الحديث و المعاصر من الفلسفة والانتروبولوجيا وعلوم النفس والاقتصاد و الاجتماع والسياسة والثقافة و التاريخ في أفق أنسنية ما -بعد رأسمالية جديدة والا فانّه لن يخدم سوى أعداءه وخصومه الذين من بينهم أنصار الاستعمالات المعرفية و الاجتماعية الرجعية للدين.

واذا كان هذا اليسار الجديد ضرورة عالمية فانّه من باب أولى ضرورة عربية-اسلامية ملحة بسبب وقوع عموم المسلمين بين مطرقة الاسلاموفوبيا غربا وسندان الاسلاموية شرقا .

 

المصدر : جريدة رأي بتاريخ 07 مارس 2021

لقراءة الخبر من مصدره اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق