تونسدراسات

تونس : هل انتهى حزب التيار الديمقراطي؟ (1من2)

بعد الترنح السياسي والتنظيمي والإمعان في الوظيفية

علي اللافي – كاتب و محلل سياسي

 

عبر الأداء الكارثي للقيادي “محمد عمار” في احدى البرامج التلفزية نهاية الأسبوع الماضي، عن طبيعة وظيفية حزب “التيار الديمقراطي” خاصة في ظل تفكّكُه التنظيمي منذ خروجه من الحكم، ورغم الحديث عن تغييرات في تركيبة المجلس الوطني والمكتب التنفيذي وتغييرات أخرى بالمكتب السياسي خلال اليومين الماضيين مضاف اليها الحديث عن وجود تيارين متبينان  داخله، أحدهما معتدل وكابح لجماح تطرف تيار وفريق “سامية عبو”، خاصة وأن هذه الأخيرة امعنت في الوظيفية والاصطفاف وراء الرئيس “سعيد” ووراء خيارات متكلسة سواء داخل البرلمان أو خارجه)، ولكن ما هي موضوعيا سيناريوهات المستقبل السياسي لحزب “التيار الديمقراطي”؟

 

** فيروس الوظيفية الذي أسَّسه غبوداخل حزب “المؤتمر”وتحول إلى فيروسات عدة في “التيار الديمقراطي”

 

1- تجاهل الدكتور “المرزوقي” تنبيهات البعض من المقربين منه وهم الذين طالما نبهوه ان “بعض قياديين وأولهم “محمد عبو”، هم بصدد زرع فيروس داخل الحزب خاصة وان أولئك المشار اليهم اتسمت ممارساتهم بالوظيفية سياسيا وبتكريس ممارسات أخرى اقرب للزبونيةالسياسية”، بل أن الكارثة التي تجاهلها كل من “الدايمي” و”المرزوقي” (المسؤولين الأوليين للحزب) يومها أن تيار “عبو” ومجموعتهخلق عقلية الاصطفاف الناعم والوظيفي لأطراف اقليمية ودولية في عدد من القضايا الرئيسية إضافة الى إقامة علاقات مع فاعلين في المنظومة القديمة والعمد الى فبركة قضايا وتنمية اصطفاف في بعض ملفات وقضيا داخل وخارج الحزب ولعل وجود “أنس الحطاب” و”الفة الرياحي” وآخرين وقربهم من تلك المجموعة سنة 2012 في تلك الفترة مثال دال ومعبر على ذلك…

 

2- فيروس الوظيفية الذي انتشر مبكرا في حزب “المؤتمر” انتقلت مُخلفاته لأغلب الملتحقين بحزب “التيار”حتىأنهأسس وقام على الوظيفية في كل حراكه السياسي والتنظيمي وفي فعله الاجتماعي ثم لاحقا في الكتلة البرلمانية المشكلة مع نواب حركة الشعب الناصرية، وقد أكدنا في مقالات وتقارير لاحقة قبل[1] وبعد انتخابات 2019[2] على رصدنا لوظيفية الحزبوالتي بينا من خلالها أن “محمد عبو”قد حكم على حزبه بالسقوط الآلي في الدور الوظيفي منذ تأسيسه ان لم يكن أصلا من حيث الأصل قد قام أصلا على وظيفية شخصه ومُحيطه والمُتوفّرة منذ مغادرته لسجن الكاف سنة 2008، ولقد توضح ذلك واقعا أكثر من مرة في ملفات عدة وفي أكثر من اصطفاف ضمن كل ما هو جدلي في الحياة السياسية، ولم يستطع الحزب أن يكون طرفا سياسيا مُتمايزا عن بقية الأحزاب ولا حتى بناء جبهة متماسكة وتقوم على المبدئية أو الواقعية السياسية ومما لا شك فيه أن الخطأ هنا هو خطأ منهجي وتخطيطي واستراتيجي ولعل أسبابه أن “عبو” لم يغادر مربعات أخطائه وخطواته السياسية قبل وبعد الثورة ولكن المؤثر أكثر هو اخطائه القاتلة سنتي 2011 و2012 والتي جعلته ودفعت به ان يكون تأسيسه مع آخرين للحزب قائما ومؤسسا على الوظيفية والدور الوظيفي الخادم لأطراف أخرى بغض النظر عن الوعي أو دونه تخطيطا وتنفيذا ومنهجية…

 

** الوظيفية القاتلة من تأسيس الحزب الى مسلسل التخبط الحالي

 

1- رغم أن نتائج “عبو” كانت أقرب للصفرية في الدور الأول لرئاسيات 2019، الا أن الحزب نجح في الحصول على كتلة نيابية وازنة سياسيا ومعتبرة عدديا (21 نائبا من أصل217)،وعاد ذلك لعاملين رئيسيين هما:

  • بناء على ارث حزب “المؤتمر” (رؤية الباحث في علم الاجتماع “محمد الجويلي”)
  • تموقعه في مربعات يسار الوسط والذي تبحث عليه بعض فئات من الشباب وأيضا فئات من صغار الموظفين والعُمال…

كما أن “التَيّار” استفاد من العطايا المباشرة للماكينة الإعلامية الخادمة له بناء على وظيفيته غير المعلنة أو غير الواعية للمنظومة القديمة وأيضا بناء على تلبسه للدور الوظيفي لبعض السياسات الإقليمية والدولية عبر عدائه المحكم بإتقان للمرزوقي ولحركة النهضة وبعض حلفائها الرئيسيين والسياسيين والاجتماعيين، ذلك أن تعدد الأوجه في القيام بأدوار وظيفية ليس مقتصرا على “سامية عبو” فقط بل أيضا على كل “التيّار” كحزب سياسي باعتبار أن هذا الأخير لا يمتلك أي استراتيجيا في التعامل المرحلي قصير ومتوسط وبعيد المدى، وخاصة في علاقة بالمواقف المعلنة للتيار أو أي حزب سياسي في وضعيته في كل مرحلة…

2- عند مُباشرة حكومة “الفخفاخ” مارس عبو كوزير للوظيفة العمومية منحى وظيفي في التعاطي مع الملفات داخل وزارته وخارجها، ولكن الوظيفية تنامت وتجسدت بشكل مفضوح في أداء نواب كتلته ومواقف حزبه في عدد من الملفات والقضايا المطروحة على غرار موضوع التفويض للحكومة اثناء بداية الحظر الصحي الشامل، كما لم يعلن مواقف صريحة من ممارسات “سليلة التجمع المنحل ونظام الاستبداد”، بل أن الكتلة تعاملت مع الموضوع بانتهازية مقيتة لتتردى الأمور بأكثر ما تردت منه وأصبحت التجاذبات خبز يومي في البرلمان وهو ما عطل الجلسات وأربكها وأصبحت خطة “ترذيل صورة النواب” قائمة ومُجسّدة وضمن خطة وظيفية ومدروسة للدستوري الحر ومن سقط فيها بغض النظر عن العوامل الموضوعية الأخرى والتي ساهم فيها الجميع والتيار أولهم سواء كحزب أو عبر نوابه (طرف من الكتلة الديمقراطية) …

 

3- لم ينتبه البعض مباشرة بعد بداية مشاورات تشكيل حكومة ‘المشيشي” لتماهي تصريحات “عبو” يومئذ مع تصريحات “الطيب البكوش” بعد الإعلان عن نتائج تشريعيات 2014، والتي مفادها في كلا تصريحات الرجلين أن “حركة النهضة” كطرف سياسي مكانها المعارضة وأن ذلك أفضل لها…”، والسؤال هناهو: ما سر التماهى في طريقة إلقائها وفي تفاصيلها وهدفها العام والمباشر؟، وهل الرجلان متماهيان سياسيا وفكريا ونسقيا حتى يطلقان نفس الموقف بتلك الدقة في التماهي؟، أم أن كل منهما كان يلعب نفس الدور بوعي أو بدون وعي في تنزيل سياسات بعض دول غربية وأطراف اقليمية وهي سياسات تتمثل في موقف من التيّار الإسلامي (الموقف الفرنسي/الاماراتي/المصري والذي يختلف عن الموقف الأمريكي/الجزائري/الألماني)؟

 

4- لاحقا وجد “عبو” وحلفائه أنفسهم في ورطة بمجرد اعلان “المشيشي” كرئيس حكومة مكلف فرحبوا به في البداية قبل أن يتداركوا أمرهم في انتقاد بعضهم لخطوة تشكيل حكومة مستقلين وقالوا أنهم رافضين لها، حتى أنهم لما تبينت لهم مرام جديدة انبروا للتصويت ضدها بعد أن قبلوا بها تكتيكيا في مرحلة قصيرة من تلك الفترة وخاصة خلال الأيام الأولى، والغريب أنهم لم يثبتوا على أي فكرة اثناء تلك الفترة ليتحالفوا مع سعيد بعد بدء الخلافات الجزئية بينه وبين “المشيشي”…

 

5- عشية توضّح مُرور حكومة “المشيشي”، سارع “محمد عبو” إلى الإعلان عن استقالته من الأمانة لحزبه وتمسكه بها وجاء ذلك بعد خطوات هتشكوكية اجرائيا واداريا واعلاميا تحت مظلة ولافتة محاربة الفساد بل وتبين للجميع أن الرجل لم يكن الا وظيفيا في كل ممارسة سياسية مباشرة منذ 2012 بغض النظر عن الوعي وعدم الوعي السياسي بما يأتيه وهل هو يتحرك بناء على سلوك سياسي استراتيجي او بناء على ردود أفعال ورغبات سياسية تكتيكية سواء كانت شخصية او حزبية أو بناء على رغبة نواب الكتلة واصطفافتهم الايديولوجية والإقليمية؟، وهو ما يحيلنا الى التساؤل هل أصبح الرجل يبحث عن دور وظيفي جديد في إطار تلك الهستيريا التكتيكية سياسيا واجتماعيا واعلاميا؟

 

6- لم يتخلص حزب التيار الديمقراطي من سلبية أدائه السياسي القائمة على الوظيفية الكاملة في الساحتين المحلية والإقليمية رغم مغادرة “عبو” للقيادة ثم للحزب وطبعت السلبية كل المواقف تقريبا والكارثة ان “حجي”و”العجبوني” و”غناي” و”عمار” عمقوا بأدائهم وتصريحاتهم أزمة الحزب حيث بقي كل رهانه قائما على الاصطفاف مع “سعيد” وهو رهان ظرفي ومرحلي وقائم على الوظيفية الكاملة…

[1]أنظر مقالات الكاتب التي نشرها قبل انتخابات 06 أكتوبر حول الدور الوظيفي لــ “التيار الديمقراطي”

·         “طغت عليه السلبية والانشقاقات والعجز عن تقديم البدائل: المشهد الحزبي في تونس بين 2016 و2017“، موقع “المغاربي للدراسات والتحاليل” بتاريخ  30 ديسمبر 2016

 

·         “المشهد الحزبي في تونس بين حصيلة 2017 وآفاق 2018”، مقال منشور بتاريخ 05-01-2018 في صحيفة “الرأي العام” ص 08

 

·         “المشهد الحزبي في تونس بين ملامح 2018 وآفاق 2019“، مقال منشور بتاريخ 03 -01-2019 في موقع “السياسي”

 

·         “أي مستقبل لأحزاب يسار الوسط في أفق الاستحقاقات الانتخابية القادمة؟“، مقال منشور بتاريخ 07 مارس2019 صحيفة “الراي العام” التونسية ص 09

 

·         “تنظيمات وأحزاب يسار الوسط: ضعف بنيوي وتنظيمي وحصاد التشريعيات سيكون متواضعا“(الحلقة السادسة من دراسة تقييمية لفاعلية ومسار الأحزاب بين محطتي 2014 و2019)، مقال منشور في دورية 24/24 بتاريخ 23-08-2019 ص 7

 

مقال منشور في موقع “السياسي” وعلى صفحات أسبوعية “الراي العام” العدد 105 بتاريخ 24-04-2019 ص 09

 

  • بعد انحسار شعبيته وسُقوطه في أداء أدوار وظيفية مُتعددة الأوجه: حزب التيار الديمقراطي والتخلي العملي عن مقولات ورهانات التأسيس“، مقال منشور في موقع “السياسي” بتاريخ 26-09-2019

 

[2]أما بعد انتخابات أكتوبر 2019 فيمكن الاطلاع على المقالات التالية

 

  • هل يبحث محمد عبو عن دور وظيفي جديد؟” دراسة منشورة على أربع أجزاء بين تاريخي 14 أكتوبر 2020 و11 نوفمبر 2020) في موقع “السياسي” (assiyassi.net)
  • قصة الجسم السياسي B وهوية الأطراف المتصارعة حوله” أسبوعية “الراي العام” بتاريخ 03-02-2021 ص 9-10

                                                                                                                                                                                                                                                                                                       المصدر : الراي العام بتاريخ 11 مارس 2021

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق