تحاليلتونسشؤون مغاربية

تونس : ما هي خلفيات وأبعاد تعدد بعث أحزاب جديدة وتحيين أخرى؟

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

 

شهدت الفترة التي تلت انتخابات 06 أكتوبر 2019 تأسيس العديد من الأحزاب السياسية كما تم تحيين لافتات أخرى سواء بإعادة هيكلتها أو تغيير قياداتها ونظامها الداخلي أو إعادة احياء أنشطتها وتغيير تسميتها بعد أن توارت عن الساحة السياسة ما بعد انتخابات 26 أكتوبر 2014، ورغم ان عدد الأحزاب قارب الـ ـــ230 حزبا منذ فترة حتى بعد انصهار أحزاب عدة في أحزاب أخرى إضافة الى قرارات حل أحزاب عدة، فان الغريب هو أن تأسيس البعض من الأحزاب بدا غريبا وخفي الأجندات والأبعاد وله مرام عدة سواء محليا أو هو على صلة بالتطورات الإقليمية والدولية ذلك أن الأحزاب الناشطة إعلاميا وسياسيا واجتماعيا لا يتجاوز الــــــــــ23 حزبا…

 

** ملاحظات أساسية حول الظاهرة الحزبية وعدم فاعليتها في تونس

 

1 – بعيدا عن عقلية ترذيل الأحزاب وتجريم السياسة عبر الترذيلوالتشليك كمحطتين أوليتين لتحقيق ذلك (وهي مهمةأوكلهاالبعض لنفسه عبر الانخراط في غرف مغلقة محليا وإقليميا ودوليا)، يُمكن القول إن الأحزابالتونسية عموما عجزت في اقناع المواطنينفي الانخراط في أنشطتها وبرامجها بل أن تلك الأنشطة بقت أقرب للنخبوية وللظرفية والبعد المناسباتي…

 

2 – البعض من الذين يحنون للمنظومة القديمة أو هم مصطبغين بها، يصفون تعدد الأحزاب بالتخمة وعدم الفاعلية وترذيل كل ذلك، في تفسير جزء من الازمة السياسية الراهنة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية ويُغيّب هؤلاء ان أكبر التجارب الديمقراطية يبلغ عدد الأحزاب فيها المئات فيما لا ينشط وينخرط ولا يظهر الا بعض أحزاب على غرار المثال الفرنسي حيث يوجد 408 حزبا مقننا في فرنسا بينما لا نشط منها الا 25 فقط…

 

3 – بقيت الوسطية حصان طروادة للعديد من النخب ولكن الوسط بقي شاغرا بين اليمين واليسار وحتى أحزاب يمين الوسط ويسار الوسط (أو بالأحرى وسط اليسار) بقيت أحزاب نخبوية وضعيفة وغير ذات تأثير، ورغم وجود عائلات سياسية في تونس منذ بداية القرن العشرين فإنها بقيت كلاسيكية المنزع وبقيت مُرتبطة في فعلها السياسي والفكري بالإيديولوجيبل أنها لم تستطع ان تُغادر مربعاته الرئيسية وهو ما يعني عدم قدرتها على التماهي مع مشاغل المواطنين وآلامهم وآمالهم اليومية وذلك ينسحب على “الدساترة” و”القوميين العرب” و”اليساريين” و”الإسلاميين” وأيضا على “الليبراليين التونسيين”…

 

4 – لا تزال سياسات الحضر والمنع (التي اتبعها “بورقيبة”) والاحتواء والاختراق والتدجين (التي اتبعها المخلوع “بن علي”)، مُؤثرة في تفكير النخب التونسية عموما وفي البنية الفكرية والتنظيمية للأحزاب التونسية، كما هي لا تزال تُلقي بظلالها على تفكير وعمل الإعلاميين والمثقفين عبر غلبة منطق “التيكة” أي أن كل شخص لابد من لصقه بانتماء مُحدد -وهو منطق منبن على عقلية ستالينية أثرت في البورقيبيين وفي كل النخب أي الذي تبناه حتى “بوش الابن” عبر مقولته سنة 2001 والمستوحاة من الستالينية والتي مفادها “من ليس معنا فهو ضدنا”….

 

5 – بناء على ان هناك قاعدة سوسيولوجية تقوم على أنه عندما يدخل مجتمع ما في أزمة فانه يستنجد بنخبته لتجد له الحلول، فان النخبة التونسية وخاصة الأحزاب بكل تصنيفاتها مطلوب منها، أن تغادر مُربع التسلل الذي أوجدت فيه نفسها مقارنة بوعي شعبها وهو ما اثبتته أحداث 1978 و1984 و1986 و2008 و2011 حيث سابق الشعب وسبق نُخبته، وها هي النخب تُراوح نفس المكان مقارنة بطموحات شعب فريد مقارنة ببقية شعوب المنطقة…

 

** تحيين لافتات حزبية واحياء أنشطة أحزاب أخرى

 

شهدت فترة ما بعد انتخابات 2019 تحيين لافتات حزبية كقراءة تقييمية للنتائج المعلن عنها وبناء على فقدان تلك الأحزاب لمواقعها في البرلمان او اخفاقها المتكرر في محطات 2011 و214 و2018 و2019 الانتخابية، وهو أمر طبيعي ولكنه شمل أيضا أحزابا برلمانية عدة وبعضها كان شريكا في الائتلاف الحاكم بين سنتي 2014و2019 على غرار آفاق تونس ونداء تونس والوطني الحر ولافتته الجديدة “الوطن الجديد”

 

1- قلب تونس: وهو الحزب الذي شهد تغييرا في سياسته وقياداتها بنسبة تقارب 80 بالمائة بناء على فشل زعيمه السابق “ياسين إبراهيم” في مواقفه وتحالفاته وفي قيادة الحزب حتى انه غادر الحزب وباعه بسياسة تمليكه عبر الأصل التجاري لرجل الاعمال والسياسي الحالي “محمد فاضل عبد الكافي” والذي يرتقب أن يتبع أحد خيارين:

 

  • الخيار الأول عبر اتباع منطق واسلوب سليم الرياحي أي حزب الشركة وذلك مرتقب بدء من سياسة طريقة دخوله للحزب وطريقة تسلمه الحوب وقيادته

 

  • الخيار الثاني عبر منطق البراغماتية وممارسة السياسة على أصولها بعيدا الايديولوجي وعن الاصطفاف الدولي والإقليمي التي اتبعها “ياسين إبراهيم”، وهو أمر مرتقب أكثر من الخيار الأول بناء على تجربته المالية ومحيطه ورؤيته للساحة السياسية في وقت سابق…

 

2 – حركة الديمقراطيين الاشتراكيين، وهي من أكبر واعرق الأحزاب الوسطية والليبراليةفي تاريخ تونس المعاصر وذلك قائم بناء على ان أول مُؤسسيها هم من أبرز عناصر التيار الليبرالي في الحزب الدستوري نهاية ستينات القرن الماضي والذين انشقوا عنه في منتصف السبعينات، ورغم سقوط الحزب في أخطاء قاتلة تاريخيا وخاصة في حقبة الرئيس المخلوع عبر الانبطاح له ولعب دور حزب الديكور فان شبيبة الحزب بالأمس هي من يقوده اليوم وهي بناء على استقراء مواقفها المعلنة ساعية لتحيينه ودفعه نحو الوسطية الفاعلة ونحو ان يكون حزبا وطنيا وديمقراطيا ومحرارا للمسألة الديمقراطية والاجتماعية، ولعل المؤتمر القادم سيكون محطة رئيسية ومهمة في العودة الكبيرة له للساحة السياسية…

 

3 – أحزاب مُنشقة على “نداء تونس”: وهي أحزاب تكاثرت قبل وبعد انتخابات أكتوبر 2019 وهي حاليا عديدة على غرار حزب “أمل تونس” (بقيادة سيدة الأعمال والوزيرة السابقة “سلمى اللومي”) ولافتة “الائتلاف الوطني” (اليسار الأسبق ناجي جلول) وحزب “بني وطني” (العايدي)،وجميعها يبحث عن ذاته الحزبية ويحاول استقطاب نخب كانت في “النداء” ويستنجد برفاقه في سبعينات وثمينات القرن الماضي للالتحاق به، ويُحاول ان يكون لافتا لأنظار الغرب وخادما لليبرالية المتوحشة وبعض اذرعها المتنفذة، ولكن فعل هذه “الحزيبات” او بالأحرى الدكاكين الندائية هو ربما العودة لفكرة “النداء التاريخي” رغم ان السبسي2 صعب ان يتفقوا عليه وربما أيضا قراءة الساحة بمعطياتها الجديدة فليتفون حول النابلي او الزبيدي…

 

4- مشروع تونس، رغم ان الاسم لم يُغير الا ان الحزب تقلص حضوره السياسي والإعلامي إضافة الى ضياعه التنظيمي، وخاصة في ظل وجود كتلة الإصلاح والخلاف الحاصل والمتكتم عليه بين الناصفي ومرزوق والذي عبر عنه البيان الأخير، وبالتالي فان مستقبله مقتوح على كل الخيارات ولكن الأرجح هو النهاية الموضوعية او الالتحاق كليا بلافتة جديدة وسيحدد ذلك الإقليمي قبل المحلي ….

 

5 – لافتات حزبية أخرى:تم تحيين لافتات حزبية أخرى من حيث قيادتها او من حيث قانونها الاساسي ومواقفها السياسية بسبب الصراعات والتناحر التنظيمي، وهي أكثر من عشرة أحزاب علىغرار “حركة وطن عادل” المحين لـــ “حزب الحركة الوطنية” (الذي أسسه سنة 2013 الجامعي “التهامي العبدولي” والمقيم حاليا في الخليج)، وتم تحيينه بعد الانتخابات من طرف بعض رفاقه وتحديدا “الصحبي بن فرج” وآخرين ولكن نشاطهم بقي باهتا ونخبويا أو هم اختاروا التواري مؤقتا…

 

**في هوية وخلفيات الأحزاب المؤسسة بعد انتخابات 06 أكتوبر 2019 

 

العراء الذي كشفه تفكك النداء وبلطجيات “عبير” السياسية ولاحقا مواقف الرئيس “سعيد” من مواضيع عدة وخاصة خلال الأشهر الماضية، فتحت شهية بعض نخب لبعث أحزاب سياسية

  • بحثا عن أمل وعن تزعم ساحة سياسية لا زال مساحات فارغة فيها تبحث عمن يشغلها…
  • رهانات إقليمية ودولية لازالت قائمة في تونس بناء على تطورات الساحتين الليبية والجزائرية، ذلك ان الغرب مهووس بفكرة حزب يعكس مصالحه في بلد رئيسي من حيث موقعه في المنطقة الشمال افريقية وأيضا بحثا عن نداء2 في ظل توافق فرنسي أمريكي ان حركة النهضة هي جسم سياسي A لحضور شعبي واجتماعي وراسخ الحضور وانه لابد من جسم سياسي B ورغم ان الاختلاف بين الأمريكيين والفرنسيين هو في نسبة حضور النهضة سياسيا حيث يميل الفرنسيون ويعملون ان يكون حضورا ضعيفا ويأملون ويدفعون عبر الفعل السياسي لهم ولكلائهم المحليين أن لا يتجاوز ذلك الحضور 18 بالمائة من المقاعد البرلمانية ونحو عودة النظام الرئاسي بينما يرى الأمريكيون أن التعامل مع الاسلميين يجب ان يقوم بناء على فاعليتهم وقوة حضورهم الشعبي وتواصل قبولهم باللعبة الديمقراطية والمشاركة في الحكم على قاعدة التوافق مع الآخر السياسي…
  • بحث بعض نخب وفاعلين سياسيين واجتماعيين عن تمثيل الوسطية سياسيا واجتماعيا، إضافة الى بحث آخرين عن تمثيل العائلة الديمقراطية الاجتماعية والتي لم يستطع لا حركة الشعب ولا التيار الديمقراطي ولا التكتل قبل ذلك تمثيلها، وسقوطهم في أدوار وظيفية مختلفة للآخر السياسي في الداخل والسقوط في أجندات واصطفاف إقليمي (الفرنسيين – الاماراتيين – نظام السيسي في مصر – أطراف في الازمة الليبية واولهم الجنرال المتقاعد “خليفة حفتر”)
  • عجز الائتلاف اليساري الجبهة الشعبية على تمثيل اقصى اليسار وبقائها في مربعات ايديلوجية ضيقة…

 

  • عدم قدرة احدى ممثلي المنظومة القديمة أي “عبير موسى” وحزبها وحزب المشروع (بقيادة مرزوق) ولافتات النداء المتفرعة عنه في تمثيل العائلة الدستورية وسقوطهم جميعا في الغوغائية السياسية سواء في مناكفة الإسلاميين أو في المزايدة على بعضهم البعض عبر سيل من الاتهامات المتبادلة….

 

وبناء على ذلك تم بعث وتأسيس الأحزاب التالية بعد انتخابات 2019 في انتظار أخرى مستقبلا:

 

1 – أحزاب أو لافتات “الشعب يريد”، في بداية الصائفة الماضية أعلنت مصالح الحكومة في القصبة عن تأسيس الحب رقم 224 ويقوده كل من “محمد بن مانع” وكانت تسميته حزب حركة “الشعب يريد” قبل ان تعلن في وقت لاحق عن تأسيس حزب يقوده “نجد الخلفاوي”تحت مسمى حزب “الشعب يريد”، وهو الحزب رقم 225، والذي يدافع أيضا عن أفكار طرحها قيس سعيد اثناء حملته الانتخابية، ولكن الرئيس مازال يؤكد الى اليوم أنه مستقل عن كل الأحزاب…

 

2 – لافتة ومبادرة “الراية الوطنية”، وهي مبادرة أقرب منها للحزب وفقا لتصريحات الوجه القومي العربي والقيادي سابقا في حركة الشعب والمحامي “مبروك كرشيد” بغاية استقطاب جزء من التجمعيين وبعض دستوريين وضم نوابا حاليين ومدير ديوان الرئيس المخلوع “عياض الودرني” (بعد انتمائه لفترة لنداء تونس ومحاولة عودته التي لم تتم لــــــــــــ”حركة الديمقراطيين الاشتراكيين”)، إضافة لعزيزة حتيرة ومدير الامن الأسبق رفيق الشلي

 

3 – حزب “التجمع القومي التونسي”: وهو الحزب رقم 228 ويرأسه “عبد القادر بن شاب عينه”، وقد أعلن عن تأسيسه في 03 نوفمبر 2020، وهو حزب يبحث عن تجسيد هوية جامعة للتونسيين وهو عمليا ضمن إطار صراع بين مكونات العائلة الدستورية والارث البورقيبي وان أصبغ بشعارات ومطالب أخرى…

 

4 – أحزاب ومبادرات أخرى، منذ الانتخابات الماضية تم الإعلان عن تأسيس أكثير من 10 أحزاب وهي أحزاب في الحقيقة تكرر نفس المقولات التي لاكتها أحزاب قبلها منذ 2014 وبحثا نها على تغطية فراغ أو نتاج انقسام داخل حزب بعينه، واضافة الى ذلك تجري في الكواليس نقاشات بين ائتلافات وجمعيات ولافتات حزبية للقيام بخطوات سياسية مستقبلية بناء على ما يجري في بلد وما تشهده تونس من حراك سياسي لحل الازمة الراهنة ورفع للتحديات الاقتصادية والاجتماعية، وسيحاول آخرون أيضا تأسيس أحزاب ولكنهم يبدو متريثين من حيث الخطوات أو هم مترددين على غرار القيادي السابق في حركة النهضة “لطفي زيتون” كمثال للذكر لا الحصر …

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق