تقاريرليبيا

5 عقبات تقف أمام مستقبل الدبيبة في ليبيا

بعدما فشلت كل الترتيبات التي خاضها فرقاء الحرب الليبيين للبقاء في المشهد بالترشح في قائمة واحدة، وتجاوز – مؤقتًا – كل خلافات الأمس، ممثلين في رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح – عرّاب حرب طرابلس – ووزير داخلية الوفاق فتحي باشاغا، جاءت نتائج تصويت أعضاء الملتقى في جنيف مفاجئة بإفراغ المشهد السياسي من كافة الوجوه القديمة، واستبدال بها أخرى جديدة لا تمتلك تلك القوة السياسية والعسكرية النافذة، والتي كانت أحد أسباب استمرار الانقسام السياسي ست سنواتٍ بين حكومتي الشرق والغرب.

اليوم أمام رئيس الحكومة الليبية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة 21 يومًا فقط، لتشكيل حكومته وعرضها على البرلمان الذي يرأسه غريمه السياسي من أجل عرضها للتصويت ومنحها الثقة، ثم يبدأ بتوحيد مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش الذي يسيطر على الجانب الأقوى منه خليفة حفتر، ثم تأتي بعدها إدارة شؤون البلاد حتى 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021، وهو موعد إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، لكن هل تصمد الحكومة أمام المعطيات التي ليست في صالحها؟ التقرير التالي يعرض لك أبرز خمس عقبات تهدد مستقبل الدبيبة السياسي في ليبيا.

1- الحكومة الحالية لا تمثل المتصارعين على الأرض

يبدأ الصحافي الليبي في وزارة الإعلام التابعة لحكومة الوفاق، حميد الحصادي حديثه لـ«ساسة بوست» قائلًا: «الحكومة الحالية تواجهها كثير من التحديات، وأولها أنها ليست حكومة تمثل المتصارعين على الأرض، وبعيدة من أن تعمل على الأرض بشكل مرن وسهل، لذا لن تكتمل بسهولة».

Embed from Getty Images

النظرة التشاؤمية السابقة نقلها أكثر من مصدرٍ تحدث معهم «ساسة بوست»، ويستند جميعهم إلى شواهد سياسية مفادها أنّ الشخصيات التي باتت اليوم خارج المشهد هي وحدها التي تمتلك آليات تمرير الحكومة الجديدة، نظرًا لامتلاكهم أوراق قوى تجعل الدبيبة حبيس بين فكّي أعدائه، بحسب وصف صحافي ليبي.

كان المشهد الليبي قبل فبراير (شباط) الجاري يحمل توازنًا في خريطة الحرب الليبية؛ فالشرق الليبي يمتلك على رأسه عقيلة صالح الذي يحظى بشرعية دولية إلى جانب دعم مصري وروسي لافت، وهي القوة السياسة التي دعمت قوى أخرى عسكرية ممثلة في الجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر، الذي يمتلك ترسانة عسكرية تستحوذ على كامل الشرق الليبي، وأجزاء واسعة من الوسط والجنوب، وتدعمه مرتزقة من جنسياتٍ مختلفة.

على الجهة الأخرى من جبهة الصراع سيطرت حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا على الغرب الليبي برئاسة فايز السراج، المدعوم من تركيا، والذي تمكن من حصد انتصاراتٍ سياسية وعسكرية، بمساعدة العقل المدبر لـ«الوفاق»، فتحي باشاغا، الذي كان موصوفًا بأنه رجل أنقرة في طرابس، إلى جانب آمر غرفة عمليات طرابلس، اللواء أسامة الجويلي.

وبعدما فشلت الحرب في إفراغ المشهد السياسي لمنتصر واحدٍ، قررت الأمم المتحدة اختيار 75 شخصية مثلوا أعضاء الملتقى الليبي ممثلين لأقاليم ليبيا الثلاثة على النحو الآتي: «24 من طرابلس، و37 من برقة، و14 من فزان»، وامتلكوا وحدهم حصرًا اختيار أعضاء السلطة التنفيذية المؤقتة التي تشمل رئيس المجلس الرئاسي ونائبيه، بالإضافة إلى رئيس الحكومة، عبر قوائم وُضعت لها شروط لتمريرها.

وبعدما ظهر متنافسون آخرون في المشهد هددوا المستقبل السياسي لكل من عقيلة صالح، وفتحي باشاغا، تحالف الاثنان في قائمة واحدةٍ ضمت أيضًا أسامة الجويلي، لكنّ تلك القائمة مُنيت بهزيمة ضيقة بحصولها على 35 صوتًا مقابل قائمة «الدبيبة» التي حصدت 39 صوتًا، بفارق أربعة أصوات، غيرت مستقبل ليبيا.

خروج الوجوه القديمة من المشهد كان دافعًا لتحريك الأزمة الليبية خطوة واحدة فقط إلى الأمام، لكنّ الحكومة الجديدة لن ترى النور إلا بعد مخاضٍ عسيرٍ يتطلب حسم ترتيباتٍ خفية بين دوائر الصراع أبرزها الخروج الآمن من المشهد بضمان عدم توقيع أية محاكمات عسكرية على الطرف الخاسر، إضافة إلى الحصول على حقائب وزارية في الحكومة المقبلة، كما يقول الصحافي الليبي معتصم وهيبة لـ«ساسة بوست».

2- عقيلة صالح وضع شروطًا لتمريرها

بحسب الاتفاق الذي توافق عليه أعضاء الملتقى الوطني، فالحكومة الجديدة يجب أن تحصل على ثقة برلمان طبرق لتمرير ها، وفي حال تعذر ذلك، تُقدَّم لملتقى الحوار الوطني، وإذا فشلت أيضًا في تمريرها فسيكون رئيس الحكومة مُرغمًا على اختيار أعضاء جُدد لحكومته.

وفي أول تعقيبٍ بعد خسارته قال عقيلة صالح أمام حشدٍ من أنصاره: «نريد أن نعطي فرصة للحكومة الجديدة، ونمنحها الثقة إذا سارت كما نريد نحن، وإذا حادت سيكون لنا موقف.. وسنأخذ الحق في السفارات والوزرات والمؤسسات غصبًا عن أي أحد».

المثير أنّ عقيلة صالح الذي يتحصن بمنصبه كرئيس لبرلمان طبرق، كاد يفقده خلال الاجتماع الذي دعت له الأمم المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي لتوحيد البرلمان الليبي المنقسم، واختيار رئيس جديد له، وبحسب تقديرات صحافية، فقد وصل أكثر من نصف أعضاء البرلمان البالغ عدده نحو 200 عضو، ويكفي أن يجتمع 91 نائبًا على الأقل، لتكون جلسة مجلس النواب مكتملة النصاب، وقراراته شرعية، ولها اعتراف دولي، طبقًا للدستور الليبي.

لكنّ «صالح» سُرعان ما أصدر بيانًا أعلن فيه رفضه إدراج انتخاب رئيس جديد للبرلمان، بدعوى أسباب دستورية وقانونية، بالإضافة إلى اللائحة الداخلية للمجلس، ولم يكن أمام الجميع سوى الرضوخ لرغبة رئيس البرلمان الحالي، الذي يمتلك السلطة القانونية للطعن في شرعية الانعقاد، وعرقلة أي اتفاق سياسي.

وبخلاف الشرعية القانونية التي يحظى بها عقيلة صالح حتى الآن، فلم يعد أمامه سوى بعض الوقت حتى يجد نفسه خارج دائرة الحكم في ليبيا في أغلب السيناريوهات، ولأنّ عقيلة صالح يحتاج غطاءً عسكريًّا يمكنه من عرقلة أي تحركات سياسية تُزيحه خارج المشهد، سيظل تحالفه مع خليفة حفتر لا يقبل أي مساومات.

وبالحديث عن أوراق القوة التي يمتلكها المعسكر القديم مقابل حكومة الدبيبة الجديدة، يقول الصحافي الليبي حميد الصمادي لـ«ساسة بوست»: «عقيلة صالح لن يقبلها، وحفتر سيعرقلها»، بينما يضيف الصحافي الليبي معتصم وهيبة: «لن تمر إلا بالحصول على حقائب وزارية تابعة لشخصيات مقربة منهم وضمانات تمنع ملاحقتهم قضائيًا بسبب معركة طرابلس».

3- سيناريو الالتفاف على البرلمان غير آمن

رغم أنّ الأمم المتحدة استبقت الأحداث بوضع ترتيباتٍ أخرى لمنح الثقة للحكومة الجديدة في حال رفض البرلمان إعطاءها الثقة، إلا أنّ سيناريو عرض التشكيلة على أعضاء الملتقى الوطني لن يكون مقترحًا آمنا للدبيبة، رغم أنه صاحب أعلى الأصواتِ داخل هذا الملتقى.

يُشكك ليبيون في أنّ النسبة الضئيلة التي فازت بها قائمة الدبيبة بفارق أربعة أصوات قد لا تصمد أمام ترتيبات المعسكر الخاسر، والذي بات يمثل المعارضة النافذة على الأرض، خاصة أنّ خسارة القائمة التي كانت تضم فتحي باشاغا، وأسامة الجويلي كانت بسبب انضمامهما لعقيلة صالح، ما يعني أنّ فوز القائمة الحالية جاء لاعتبارات سياسية مسبقة، لن تكون متوافرة في حال عُرضت التشكيلة الحكومية للتصويت.

لكنّ الدبيبة البالغ من العمر 62 عامًا، سبق وواجه اتهاماتٍ بدفع رشاوى بقيمة 200 ألف دولار داخل أعضاء الملتقى السياسي الليبي لشراء أصواتٍ لدعمه في الوصول إلى منصب رئيس الحكومة الذي يرأسه حاليًّا، ورغم أنه نفى رسميًا تلك الاتهامات، إلا أنّ الأمم المتحدة قررت فتح تحقيق، وهي الاتهامات المتوقع عودتها ثانيًة لأعضاء الملتقى الوطني في حال لم يقرر البرلمان منح الثقة لحكومته، وفي كل الأحوال فسيناريو الالتفاف على البرلمان غير آمن.

4- ورقة حفتر ما زالت رابحة على الأرض

باعتباره وزير دفاع، عاد للبذلة العسكرية من بوابة برلمان طبرق الذي أدى من خلاله القسم القانوني لتولي منصب «القائد العام للجيش الليبي»، يظل حفتر الرقم الأصعب في المعادلة الليبية كونه يمتلك «شرعية القوة» المدججة بالسلاح التي فرض من خلالها نفسه عسكريًا، حتى وإن خسر سابقًا أهم معركة خاضها في ليبيا، المتعلقة بإسقاط العاصمة الليبية طرابلس، التي شنها في أبريل (أيار) عام 2019، وخسر على أثرها قواعده الحصينة في الغرب الليبي.

Embed from Getty Images

(حفتر يسار الصورة يصافح وزير الخارجية الروسي)

وفي ظل عدم انتهاء مسارات الحل الدستوري والعسكري إلى الآن، يجد رئيس الحكومة الحالية نفسه في مأزقٍ حرج، فكيف يمكنه اختيار إحدى الشخصيات العسكرية لتولي منصب وزير الدفاع، في وقتٍ يسيطر فيه حفتر على كامل الشرق الليبي، وأجزاء واسعة من الغرب والوسط، وهو السبب نفسه الذي يمنعه من إطلاق حملة لمحاكمة الجنرال المتقاعد.

ورغم نجاح المسار السياسي الليبي بالوصول لاختيار سلطة تنفيذية جديدة، إلا أن الأمم المتحدة لم تُشر لحفتر حاضرًا أو مُستقبلًا، كما أنّ المسار الأمني الذي انتهي بتوقيع وقف نهائي لإطلاق النار، لم يتوصل إلى تسوية نهائية بشأن الترتيبات المتعلقة بالمنطقة الوسطى في ليبيا، ممثلة في مدينة سرت وقاعدة الجفرة الإستراتيجية، التي تسيطر عليها قوات الجنرال الليبي.

حفتر أيضًا استفاد من انعكاس الأحداث على الوضع الإقليمي المتحفظ على وصول عبد الحميد الدبيبة إلى رئاسة الحكومة، وهنا يأتي الحديث عن ورقة المرتزقة التي تعكس بوضوح الدور الإقليمي الذي يمكن أن تلعبه حرب الوكالة في حالة تمت الإطاحة به؛ لأنه يسوِّق نفسه على اعتبار أنه يحافظ على المصالح الاقتصادية والسياسية القديمة لحلفائه.

ورغم أنّ الأمم المتحدة حيّدت ملف النفط من الصراع الليبي، إلا أن حفتر حتى اللحظة يسيطر على رقةٍ اقتصادية ثمنية ممثلة في الحقول النفطية الموجودة في الشرق والجنوب الليبيين، وبالحديث عن النفط باعتباره موردًا شبه وحيد للاقتصاد الليبي، تكتسب المنطقة أهمية سياسية كبرى لمن يُسيطر عليها.

5- البُعد الإقليمي.. الحكومة الحالية أكثر ارتباطًا بتركيا من الوفاق

رغم الترحيب العربي الذي قوبل به انتخاب سلطة تنفيذية جديدة في ليبيا، إلا أنّ الأذرع الإعلامية المقربة من أنظمة تلك الدول الداعمة لمعسكر حفتر (مصر، والإمارات، والسعودية) سُرعان ما وجهت اتهاماتٍ لرئيس الحكومة الجديد بأنه محسوب على جماعة الإخوان المصنفة على «قوائم الإرهاب» في تلك الدول، وسبق وأن أدرج برلمان طبرق المعترف به دوليًا اسم «عبد الحميد الدبيبة» ضمن «الكيانات الإرهابية» في عام 2017 بسبب تلك الاتهامات.

Embed from Getty Images

التوجس العربي من رئيس الحكومة الجديد سُرعان ما عمّقة ياسين أقطاي، مستشار الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الذي أعلن أنّ «الاتفاقيات التي عقدتها أنقرة مع حكومة الوفاق برئاسة فائز السراج، لن تتأثر بانتخاب الحكومة المؤقتة الذي تدعم الدور التركي في ليبيا».

الاحتفال التركي بفوز قائمة «الدبيبة» مقابل خسارة قائمة «عقية صالح» سبب غضبًا في الرئاسة المصرية بحسب ما كشفته مصادر لموقع «العربي الجديد» أكدت أنّ «هناك حالة من الغضب داخل مؤسسة الرئاسة، وأن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اعتبر ما حدث بمثابة انتصار كبير للسياسات التركية في ليبيا».

من دوافع غضب مصر من الدبيبة أيضًا، منح هيئة الدولة الليبية للاستثمار التي تسيطر عليها عائلة الدبيبة ما يصل إلى 19 مليار دولار من عقود البناء الليبية لشركاتٍ تركية، بدلًا عن مصر، ضمن نزاع مصري – تركي على كعكة الإعمار في ليبيا، بحسب ما كشفته صحيفة «investigative journal» البريطانية.

ورغم العقبات التي تواجه رئيس الحكومة الجديد، إلا إنه ما زال يمتلك أوراق قوة مؤثرة، أبرزها الشرعية الدولية التي حصل عليها برعاية الأمم المتحدة، إلى جانب أنه رجل أعمال قادم من مصراته الليبية، مدينة المال والسلاح، التي كانت سببًا رئيسًا في دحر «تنظيم الدولة» ومنع قوات حفتر من السيطرة على طرابلس، كما أنّ الدبيبة يحظى بحماية خاصة من ميليشيات الزاوية في غرب ليبيا، والدعم التركي المستمر، وهم حاليًا كل ما يملك من أدوات.

المصدر : عربي بتاريخ 09 فيفري 2021

لقراءة الخبر من مصدره اضغط هنا

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق