دراساتليبيا

هل يفعلها “حفتر” مرة ثانية ويرتكب حماقة جديدة تُوقعه مُجددا في فخ مماثل لـفخ ترتبات 04-04-2019؟(2من3)

رغم توازن القوى محليا وإقليميا ودوليا وعدم تسامح المجتمع الدولي   

علي اللافي -كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

** تمهيد

       رغم التقدّم المُطرد لعملية التسوية السلمية برعاية الأمم المتحدة وتأكيد بعض الفاعلين السياسيين الليبيين والغربيين أن التسوية السياسية في خطواتها الأخيرة وقول مُحللين في تعاليقهم على ذلك أنها تطبخ على نار هادئة، تدُور في الكواليس وعلى الأرض ترتيبات لدفع أطراف ليبية لإشعال الصراعات وتقديم مُبرّرات العودة لمنطق الحروب والمعارك خاصة في ظل تحشيدات كبيرة ومستمرة منذ أشهر  وخاصة في “الجفرة” و”سرت” وبعض مُدن الجنوب، ورغم أن الظروف تختلف عن تلك التي عمد على ضوئها  “حفتر” لدفع قُواته بالاعتداء على جنوب العاصمة طرابلس صبيحة 04-04-2019 وبناء على أن توازن  الضعف أو توازن القوى قائم منذ اشهر محليا وإقليميا ودوليا، ورغم أن تقييم مُقربين من “حفتر” وحُلفائه يُقرُّ على أن مهاجمة العاصمة  منذ أكثر من سنة ونصف كان فخّا لهم من حيث الترتبات وفقدهم لأوراق عديدة، والواقع أن المجتمع الدولي لم ولن يسمح بالمسّ بمصالحه الاستراتيجية والآنية كما أن “حفتر” أصبح ضعيفا أكثر من ذي قبل وهو يعرف أن ظروفه الصحّية والاجتماعية (انقسام قبائل الشرق بينه وبين خصمه/حليفه “عقيلة صالح”) ليست في صالحه، ولكن يبقى السؤال المطروح هل سيُساير الرجل طبيعة شخصيته وينساق لنرجسيته العالية ومن ثم يتجاهل الوقائع والتوازنات ويدخل حربا جديدة ضدّ خُصومه وهم كثيرون، رغم أنه يعي انها قد تكون مجرد مغامرة فاشلة وأنها قد تدخل ليبيا في مستنقع الحرب الأهلية والكارثية لا على ليبيا فقط بل على كل المنطقة؟

وقد تعرضنا في الجزء الأول من هذه الدراسة التحليلية للنقاط التالية:

  • الإجابة على التساؤل الموضوعي والرئيسي وهو: هل يُكرّر “حفتر” سيناريو الحرب وهل يقع في الفخ مُجدّدا؟

 

  • تحليل ما مدى علاقة أي تصعيد مُفترض مع الرئيس الأمريكي الفائز في الانتخابات الأمريكية أي “بايدن”، وقد ركّزنا على محاولات بعض أطراف محلية ليبية وأخرى إقليمية ودولية تكريس وقائع قبل دخول الديمقراطيين للبيت الأبيض…

 

  • سرد المناورات الإعلامية والسياسية للجنرال المتقاعد خاصة وأنه لا يلتزم موضوعيا بشروط الهدنة وقرار وقف إطلاق النار…

 

  • الإجابة على تساؤل هل ان الجنرال قد عاد عمليا الى مربع أكون قائدا للجيش أو لا أحد…

 

اما في هذا الجزء الثاني فنستعرض النقاط التالية:

 

  • التطورات الجارية أخيرا وكيف أن هاجس الحرب لا يزال مسيطرا على الأذهان رغم تطور مسار الحوار السياسي

 

  • الاستعدادات التركية للحرب ومطالبة “حفتر” بالحرب ضدهم والاجابة على سؤال ما سر وصول آلاف السوريين لأماكن تمركز قواته؟

 

  • الأمم المتحدة: تقارير وتحذيرات وغياب للعقوبات …

 

  • الأسباب التي تمنع “حفتر” في الوقت الراهن من الاقدام على أي مغامرة شبيهة على الأقل بمغامرة 04-04-2019

** التطورات الأخيرة وهاجس الحرب لا يزال مُسيطرا على الاذهان رغم التطور المطرد للحوار السياسي

تمَّ خلال الأيام الماضية ترويج مُعطيات وتحاليل تُؤكد وتُشير إلى نيّة أن الجنرال الليبي المتقاعد “خليفة حفتر” التخطيط لإشعال الحرب في ليبيا مجدداً وأنه سيعتمد هذه المرة إضافة لــــــــ”الجنجويد” السودانيين و”الفاغنر” الروس وبعض مقاتلين من المنطقة الشرقية، على مرتزقة النظام السوري بشكل أساسي هذه المرة، والثابت أن البعض المقربين من حفتر والمناصرين له يؤكدون أنه لم ولن يرضى بعدما تم تهميشه في مفاوضات التسوية السياسية التي تقودها بعثة الأمم المتحدة، والثبات الوحيد اليوم في خضم المعطيات والمصطيات المضادة، أن:

  • لا توال معادلتي “لا حل مع حفتر ولا حل بدون حفتر” و”إذا غادر عقيلة غادر حفتر واذا غادر حفتر غادر عقيلة“، قائمتين بغض النظر عن النسبية في طرحهما…

 

  • حفتر لم لن يكون رقم 1 في تمثيل الشرق الليبي (بالمعنى السياسي والعسكري طبعا لا بالمعنى الجغرافي) ولا في المؤسسة العسكرية ومرحلة بقائه مستقبلا ستكون تحت مربع أنه وجوده سيكون مؤقتا بل وتحت سلطة الرئاسي الليبي، وأن ما أعطي له في أبو ظبي2 لم ولن يتمكن منه مستقبلا…

 

  • أن ستيفاني باقية حتى نهاية مارس/آذار المقبل وأنه ستعتمد مجددا التمطيط وأنها في الأخير ستنجز مهام ثلاث ليأتي بعدها مبعوث جديد وان تلك المهام الثلاث هي عمليا: “إعادة هيكلة السلطة التنفيذية” – “حسم آلية وأسماء اختيار المناصب السيادية” – “تحديد الأسس الدستورية التي ستقوم عليها انتخابات 24 ديسمبر وتحقيق توافق ليبي عليها”

أما من حيث التأكيدات الرسمية والوقائع فقد دعا الجيش الليبي التابع للوفاق الأربعاء 23 ديسمبر الجاري قواته إلى “رفع درجة التأهب والاستعداد لصدّ أي هجوم محتمل في خطوط التماس (سرت-الجفرة)، من جانب ميليشيا حفتر”، وجاء التحذير بناء على وجود معطيات تؤكد استمرار قوات ومليشيات “حفتر” في إجراء تحشيدات وتحصينات، واستقبالها لمزيد من المرتزقة السوريين، وبالتوازي مع ذلك أكد المفتش العام في وزارة الدفاع أن الإمارات العربية المتحدة تمول مرتزقة مجموعة “فاغنر” الروسية (تقرير مجلة “فورين بوليسي” لأمريكية)، ومعلوم أن تقرير أممي سابق تسلمه مجلس الامن منذ أشهر أن مرتزقة من مجموعة “فاغنر” الروسية ومقاتلين سوريين جاؤوا من دمشق لدعم “خليفة حفتر” في ليبيا، واعتبر الخبراء الامميين في نص التقرير  أن مشاركة أولئك المرتزقة “كانت بمثابة قوة مضاعفة” لقوات “حفتر”، ويؤكد الخبراء أيضاً وفي نفس التقرير أن لديهم أدلة على نقل مقاتلين سوريين من دمشق إلى ليبيا ( نص التقرير نقلا عن موقع فرانس24).

** تركيا تتأهب و”حفتر” يُكرر مقولاته، وآلاف المقاتلين السوريين يصلون لأماكن تمركز قُوّاته؟ 

على عكس ما يعتقد البعض فان الأتراك والوفاق لا ينكران وجود مقاتلين سوريين بعلمهما ويساندان قواتهما وخاصة قبل مارس 2020 وسبق لتركيا أن أكدت في فبراير/شباط الماضي وجود مقاتلين سوريين مدعومين من أنقرة في ليبيا، لدعم حكومة الوفاق الوطني في طرابلس وهي الحكومة التي تؤكد قواتها في كل مرة انها ستتصدى لقوات “حفتر”، ومعلوم أن البرمان التركي قد صادق في 22 ديسمبر/كانون الأول الجاري، على مذكرة تقضي بتمديد نشر عسكريين في ليبيا لثمانية عشر شهرا، بعدما أدى تدخل أنقرة إلى جانب حكومة طرابلس إلى عكس مسار النزاع…

وعمليا قال حفتر في تصريح متلفز أن يجب التصدي للاحتلال التركي والغريب أن هو نفسه يعرف أنه لا يمكن مواجهة الاتراك فهم من كانوا سببا في هزائمه في مدن الساحل الغربي وهروب قواته من ترهونة بدعمهم الكبير واللوجستي لقوات بركان الغضب، وعمليا يصح التساؤل هل أعطى “حفتر” كلمة السر والامر غير المباشر لبعض أنصاره سواء كانوا افرادا أو خلايا نائمة لاستهداف الاتراك باي شكل من الأشكال في بعض المدن الليبية؟ وان كان ذلك صحيحا فكيف سيتم خاصة وأن الوصول لتمركزات القوات التركية شبه مستحيل خاصة في ظل توازن تركي روسي وشبه توافق فعلي وهرمي (بين الرئيسين) ان لا تكون هناك حرب بينهما؟ أم هي تهديدات حفتر العديدة التي أطلقها في أكثر من مرة خلال السنوات الماضية والتي عادة لا يُنفذّها وان نفذ جزء منها فانه يتراجع تحت الضغط عادة ويقوم بخطوات تكتيكية للخلف وليدخل مسارات جديدة من الصراعات والضغط على التفاوض السياسي القائم في تلك الظرفية؟

أما السؤال الآخر المهم فهو هل: سيُراهن “حفتر” على المُرتزقة القادمين من سوريا مُجدَّدا؟

وللاجابة على ذلك السؤال من المهم القول أن طرفي الصراع استنجدا بآلاف المقاتلين المرتزقة وخاصة السوريين منهم – كما بينا ذلك أعلاه –  ولكن يبدو أن “حفتر” يراهن هذه المرة على مرتزقة النظام السوري بالذات لدعمه في حال استئناف الحرب في ليبيا إذا ما عزم فعلا على تنفيذ تهديداته وهو أمر مثير للتساؤل خاصة ان لجنة العشر تتحدث منذ أسابيع عن ترحيل المرتزقة الأجانب في ظرف 90 يوما…

وعمليا أعلن الجيش الليبي التابع لحكومة الوفاق خلال الأيام الماضية رصد 12 رحلة جوية تنقل مرتزقة من سوريا إلى مناطق سيطرة “حفتر” منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وقالت حكومة الوفاق إن هناك ما لا يقل عن 20 ألف مقاتل ومرتزق أجنبي في الدولة التي مزقتها الحرب، محذرة من “أزمة خطيرة” مع استمرار تدفق الأسلحة إلى الأراضي الليبية؟

** الأمم المتحدة: تقارير وانتقادات وتحذيرات وغياب للعقوبات

ممَّا لا شك فيه أن بعثة الأمم بعثة الأمم المتحدة للدعم قد حذرت أكثر من مرة وخاصة خلال الأيام الماضية ما وصفته البعثة بـ”الحملات الخطيرة” التي تستهدف ملتقى الحوار السياسي الليبي، بل أن “ستيفاني وليامز” نفسها أي مبعوثة الأمم المتحدة بالإنابة الى ليبيا مجلس الأمن الدولي على إدراج أي شخص يعرقل جهود السلام على قائمة سوداء، بعد أن اتّفق الطرفان المتحاربان على وقف إطلاق النار، وحدد المشاركون الليبيون في المحادثات السياسية موعداً للانتخابات، وقالت يومها أيضا “هذا المجلس لديه أدوات تحت تصرفه، بما في ذلك منع المعرقلين من تعريض هذه الفرصة النادرة لاستعادة السلام في ليبيا للخطر، أدعوكم لاستخدامها”.

ولكن اللافت هو صمت البعثة الأممية عن الانتهاكات الأخيرة لقوات “حفتر” وخاصة في مدينة أوباري (جنوب غرب ليبيا)، وهو الأمر الذي حدا بالمجلس الأعلى للدولة الليبي التابع لحكومة الوفاق، عن “استغرابه لصمت البعثة الأممية إزاء الانتهاكات في أوباري، وفي شهر أوت/أغسطس/آب الماضي اتفق طرفا النزاع الرئيسيان على وقف إطلاق النار، وفي مقابل ذلك تمت منذ يومين عملية تبادل الاسرى برعاية الأمم المتحدة والتي تعي جيدا أن الجنرال المتقاعد يحاول تعزيز قوته وإشعال الحرب في ليبيا مجدداً باعتبارها وسيلته الوحيدة لتصدر المشهد الليبي، لأن التسوية السلمية لن تكون في صالحه، ومقابل ذلك وفي خطوة استباقية يظهر انه وقع دراستها جيدا قال الجيش الليبي التابع لحكومة الوفاق المعترف بها دولياً، في بيان: “ندعو كافة القوات المساندة لرفع درجة التأهّب والاستعداد لصدّ أي تحرك مرتقب لقوات المرتزقة”، في محوري “سرت” و”الجفرة”، كما وجدَّد نفس الجيش التأكيد على دعمه لمبدأ الحوار والتوافق بين الليبيين مهما حدث، شرط إخلاء تمركزات المرتزقة وإزالة الألغام.

ولكن جيش الوفاق لا يزال يشك في نوايا قوات حفتر اذ أكد في بيان له أن “قوات المتمرد تقوم بزراعة الألغام وحفر الخنادق وجلب المرتزقة حول سرت والجفرة، بالإضافة لحشد الآليات الثقيلة والمدفعية، والتي إن دلت على شيء إنما تدل على نية حفتر إعادة الكرّة كما فعل في 4 أبريل/نيسان 2019″، وهو ما يعني وجود استعدادات في الغرب الليبي لنوايا حفتر العسكرية ,أي خطوات أخرى مرتقبة وهو أم رقائم بناء على أن حفتر في 04-4-2019 استغل

فرصة الاسترخاء العسكري الناجم عن تقدم جهود الأمم المتحدة لتسوية الأزمة الليبية، وهاجم طرابلس بالتزامن مع زيارة الأمين العام للأمم المتحدة للمدينة لوضع اللمسات الأخيرة على العملية السلمية – وهو ما أكدناه في الجزء الأول من الدراسة التحليلية-ومما أدى لاحقا إلى إشعال الحرب في محاور جنوب العاصمة وترهونة وقريبا من قاعدة “الوطية” وبعض مدن الساحل الغربي وطبعا قتل الآلاف وجرح المئات وهدم المنازل والمرافق إضافة الى نزوح عشرات الآلاف ولكن قوات “حفتر” انهزمت واي هزيمة وخاصة في مدينة ترهونة وفي قاعدة “الوطية” الاستراتيجية؟

 

** الخلاصة أو في أسباب التي ستمنع “حفتر” من تنفيذ تهديداته

أبجديات الحرب والسلم في ليبيا لا يمكن قياسها باي بلد من البلدان بما في ذلك اليمن وسوريا ورغم ان الوضع في ليبيا ليس معقدا مثل الوضع في اليمن أو سوريا الا أن الثابت ان ليس هناك مقاييس رئيسية لاستقراء الأحداث ولا فهمها وحتى قراءتها أو حتى استشرافها بناء على تعقد مفردات المشهد وجزئياتها المعقدة والمتضاربة في كل الاتجاهات، ولكن يمكن الجزم بالنقاط التالية

  • أنه ليس هناك أي حرب في افق نهاية مارس من السنة المقبلة وأن تأبيد وقف إطلاق النار سيتواصل وخاصة في ظل عمل المبعوثة الأممية بالنيابة والتي ورغم تحركها في مربعات الغام عديدة فإنها قادرة على التقدم وعارفة بدقائق الأمور وبالتالي لم ولن تسمح باي مس من تقدم المسار السياسي…

 

  • أن التقدمات والخطوات التي ستُعلن الثلاثاء القادم 29 ديسمبر الجاري ستكون حاسمة في مسار إعادة هيكلة السلطة التنفيذية (رئيس الحكومة ونائبيه – أعضاء الرئاسي الثلاث)

 

  • ألا أحد موضوعيا من بين الأطراف الإقليمية والدولية يريد الحرب كما ان قرار حفتر ليس بيديه بل هو بيد الروس وقرار الوفاق مرتبط بالأتراك كما ان الأطراف الليبية المناصرة للوفاق تبحث عن السلم والحل السياسي أكثر من معسكر حفتر والذي لم يعد موحد أصلا…

 

  • من المهم التأكيد أن “وليامز” قد تكون ضغط عليها من “ترامب” نفسه لإعلان بعض خطوات في الملف الليبي قبل مغادرته وهو امر لن يعارضه فريق “بايدن” بل قد يتناسب مع سياساته ومواقفه بل ومن المنتظر ان تلتحق هي نفسها بفريقه في أفريل القادم، والثابت أن الأمريكيين تهمهم ثلاث نقاط في كل الملف (النفط – الإرهاب – عدم تمكين الروس والصينيين من أي تموقع فعلي أو استراتيجي)

 

  • لم يكن “حفتر” ضعيفا مثلما هو الآن، فمعسكره منقسم على نفسه وحلفاؤه الإقليميون متباينون حول الموقف منه وهل هو عسكري فقط أم أنه عسكري وسياسي وحول هل تترك له مساحات الاختيار والفعل؟، إضافة للتوافق الروسي/التركي في مساحات كبرى دوليا وإقليميا وحالة التوازن بينهما إضافة الى توازن الضعف محليا وإقليميا ودوليا، وكل ذلك يعني أنه لا ضوء اخضر ولا حتى اصفر من أي طرف إقليمي أو دولي ليقوم بأي خطوة وفي أي اتجاه فمبالك بالحرب على حكومة يعترف بها المجتمع الدولي وفي ظل حوار سياسي بمسارات أربع ( دستوري – سياسي – اقتصادي – عسكري/أمني)…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق