دراساتليبيا

توجهات وفاعلية الأطراف الدولية في الملف الليبي في أفق انتخابات 24 ديسمبر 2021 (1من8)

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

** تمهيد

ممالا شك فيه أن الصراعات المُتواصلة في ليبيا منذ صائفة 2014 وإن كانت تتجلّى أو تُقدم على أساس أنها بين أطراف وفرقاء ليبيينممن يمكن اعتبارهم ضيقي الأفق الاستراتيجي في التعطي مع مشاكل وملفات بلدهم، فإنها في واقع الأمر واجهة عملية لحروب بالوكالة تخُوضها أطراف ومكونات وتشكيلات ليبية عبر الولاء المباشر وغير المباشر لأطراف إقليمية ودولية، وهذه الأخيرة لها مصالح ومطامح في ليبيا تاريخيا واقتصاديا وثقافيا واستراتيجيا بل أن تلك المطامح قديمة وليست وليدة اللحظة ولا السنوات  الماضية بل وتعود عمليا لما قبل سنة 1949، والثابت أن كل ما يهم تلك القوى الدولية و أذرعها الإقليمية هو وبشكل رئيسي ووفقا لخياراتواستراتيجيات مدروسة هو ترسيخ حضورها اللوجستي والمستقبلي في كل أرجاء القارة الإفريقية وان كان الهدف المرحلي هو بسط النفوذ وتطويع الخيرات الباطنية في شمال افريقيا وبعض دول الساحل والصحراء الافريقية[1]

فكيف يمكن قراءة فعل وفاعلية الأطراف الدولية في الملف الليبيراهنا في ظل مارتون وجولات ملتقى الحوار السياسي،وكيف يمكن استقراء الصراع الدولي في ليبيافي أفق انتخابات 24 ديسمبر 2021؟

وللإجابة على ذلك السؤال المهم والرئيسي، اعتمدنا المقاربة والمنهجية التالية:

  • الحقلة الأولى: أبجديات التفاعل الدولي مع تطورات الملف الليبي(2014-2020)
  • الحلقة الثانية: فاعلية وتوجهات الايطاليين والفرنسيين في التعاطي مع الملف الليبي
  • الحلقة الثالثة: الحضور الإنجليزي الصامت والمؤثر في الملف الليبي
  • الحلقة الرابعة: بقية دول الاتحاد الأوروبي وكيفية تعاطيها الراهن مع الملف الليبي
  • الحلقة الخامسة: الروس والملف الليبي: براغماتية ودهاء وحذر وحسابات في الأفق
  • الحلقة السادسة: الصينيون والملف الليبي: استراتيجية مبهمة أم صامتة؟
  • الحلقة السابعة: الامريكيون والملف الليبي تعاط ورط كل الأطراف واستراتيجيا ناجعة وبعيدة المدى
  • الحلقة الثامنة: هل وكيف ستنتهي الصراعات الدولية في ليبيا في أفق الاستحقاقات الانتخابية القادمة؟

الحلقة الأولى

        حول أبجديات التفاعل الدولي مع تطوُّرات الملف الليبي

 

أغلب الأطراف الدولية سعت وتسعى للتأثير في مسارات الملف الليبي لأسباب مُتعددة ومختلفة بناء على مغانم الاستثمار وإعادة الاعمار المرتقبة في ليبيا إضافة الى ثروات غدامس وغيرها من المدن والأراضي الليبية – وهي ثروات لا تُقدر بثمن وأهمية استراتيجية[2]–  إضافة الى الموقع الجغرافي غير العادي والنادر لليبيا بناء على اطلالتها الاستراتيجية على البحر المتوسط وتماسها الجغرافي مع دول الساحل والصحراء وباعتبارها منفذا استراتيجيا للعمق الافريقي، وبغض النظر عن المواقف الدبلوماسية المعلنة والمبهمة أو الصامتة لبعض الأطراف الدولية  فإنه لابد من التأكيد على الملاحظات والابجديات التالية في كل مرة عند تحليل او محاولة فهم المواقف الدولية مما يجري في ليبيا من تطورات:

  • القوى الدولية التي لها هامش قرار غير مُرتبط بقوى دولية أخرى هي عمليا “الولايات المتحدة الأمريكية” و”فرنسا” و”روسيا” و”الصين” بينما يُمكن تصنيف كل القوى الدولية الأخرى أنها على ارتباط فعلي واستراتيجي بالسياسات الامريكية، بينما تُحاول قوى دولية وإقليمية أخرى أن تكتسب هوامش في التحرّك والتأثير وخاصة في الملف الليبي والبحث عن الخروج من جُبة الدور الوظيفي، كما تحاول دول إقليمية على غرار تركيا وإيران أن تكتسب أدوارا خارج الدور الوظيفي في ابراز واكتساب أدوار في عدد من الملفات من بينها الملف الليبي وهو أمر جليّ وواضح في مرحلة ما بعد جوان/يونيو2014…

 

  • في ليبيا بالذات لا يُمكن للألمان والايطاليين وحتى البريطانيين التصادم مع الخيارات الأمريكية أو حتى السباحة بعيدا عن تكتيكات الدولة العميقة الامريكية بغض النظر عن هوية وتركيبة الإدارة الامريكية (الديمقراطيين او الجمهوريين وأي من تياراتهم أو زعمائهم)[3]، والتي هي في الحقيقة لا تُمثل سوى إعطاء النكهة للقرار والسياسات الأمريكية ويعرف المختصين والمتابعين أن بعض دول من بينها من ذكرنا أعلاه تلعب أدوارا رئيسية في ما ظهر للبعض أن الأمريكيين كانوا غير مهتمين بالملف الليبي في السنوات الأخيرة وخاصة قبل شهر يونيو/جوان 2018 كأولوية وخاصة بعد اغتيال السفير الأمريكي في 2012، ولكن المسألة أعمق من ذلك بكثير حيث أن بعض الدول والقوى الاقليمية تخدم منهجيا وعمليا أدوارا بالوكالة للأمريكيين أو حتّى لبعض الأجهزة الأمريكية والدفع نحو أجنداتها المرحلية والاستراتيجية، وأيضا بسبب أن الملف الليبي في عدد من جزئياته لم يكن بيد الخارجية الامريكية والرئاسة بل هو موكول لمؤسسات الدولة الامريكية العميقة على غرار الأجهزة المخابراتية ومؤسسات أخرى (جزء منه مُسند للبنتاغون حسب بعض المتابعين)[4] ….

 

  • أدوار ومواقف قُوى إقليمية على غرار الجزائر والسودان والأردن غير متمركزة بشكل مباشر ضمن المحورين الاقليمين الرئيسيين (المحور التركي/القطري – المحور المصري/الاماراتي/السعودي)، وهي تُدير سياساتها بهوامش مُعتبرة على بعض القوى الدولية ولكنها لا يُمكن لها استراتيجيا التصادم معها ويقع الضغط عليها بطُرق مختلفة فيها السياسي والاقتصادي والاجتماعي وان كان النظام الأردني يلعب دورا وظيفيا منذ عقود بل منذ نشأته[5]، فان الجزائر والسودان أدوارها غير وظيفية ولكنها لن تكون مستقبلا مصطدمة مع السياسيات الأمريكية في المنطقة وخاصة في العلاقة بالملف الليبي…

 

  • دول مجاورة ودول لها علاقات مباشرة وغير مباشرة بالملف الليبي على غرار المغرب وتونس وموريتانيا والسينغال والكونغو واوغندا لم ولن يكون لها مستقبلا أي أدوار تأثيرية مباشرة نتاج العقل السياسي للديبلوماسية فيها، إضافة الى أنها لم تصطف بشكل مباشر ضمن المحورين الإقليميين ولكنها ستكون خادمة بشكل آلي للسياسات الأمريكية واقتربت منذ مؤتمر “باليرمو” (نوفمبر 2018) من الايطاليين في الملف الليبي وان كان للبعض منها هوامش مصالح واللقاءات مع الفرنسيين ثقافيا واقتصاديا وحتى سياسيا إضافة الى تطور علاقاتها الخارجية مع الأمريكيين وخاصة سنة 2020، وطبعا لا يمكن تغييب أن المغرب وخاصة سنتي 2015و2020 قد لعب دورا مفصليا ورئيسيا لم تستطع أن تلعبه أي دولة أخرى ….

 

 

  • القارة السمراء ومنذ سنوات ان لم نقل منذ عُقود، هي فعليا محور صراع بين دول عديدة ذلك أن الحضور المتنامي للإيرانيين والصينيين والأتراك والأمريكيين والروس لم يُلاق الارتياح من طرف القوى التقليدية أو التي استعمرت الدول الإفريقية على غرار فرنسا، ولعل ليبيا هي أكبر تجسّدات ذلك الصراع وهناك صراع وتسابق فرنسي أمريكي غير معلن حول الحضور في ليبيا وخاصة بعد امتداد الحضور الفرنسي في الشرق الليبي منذ سنة 2016 وقدرتهم منذ 2015 على الاحتواء المتدرج لعملية الكرامة بقيادة اللواء المتقاعد “خليفة حفتر” بناء على تعامل عسكري وأمني ولوجستي في معاركه في كل من بنغازي ودرنة وحتى عند سيطرته على الحقول النفطية أواخر يونيو/جوان 2018 والثابت أنه تم أيضا دعمه وبقوة ولو بطرق وآليات غير مباشرة سنة 2019 في اعتداءاته على مدن المنطقة الغربية وطرابلس تحديدا قبل أخذ مسافات عنه سنة 2020، والثابت أن الأمريكيين لم يكونوا مرتاحين أبدا للحضور الفرنسيمنذ ربيع 2017 وهناك نقاط استفهام حول سقوط المروحية الفرنسية يومذاك وتساؤل حول من أسقطها تحديدا كما أن مسارعة الأمريكيين الذين تفاعلوا بديبلوماسية مع الافتكاك الذكي للفرنسيين للملف الليبي وأعادوه للإيطاليين بطرق ناعمة وهادئة وبروية في نهاية 2018، إضافة الى أن وقائع كثيرة على غرار ما قام به “الجضران” في بداية يونيو/جوان2018 وانسحابه بطريقة شبه آمنة يومها تدل على صراع أجهزة بين دول في الهلال النفطي الليبيوهو ما أثبتته الوقائع اللاحقة سنتي 2019و2020 …

 

  • على غرار تفاعلهم مع التقدم الفرنسي في ليبيا عسكريا وسياسيا تفاعل الأمريكيين مع الحضور الروسي عسكريا وسياسيا بديبلوماسية والاعلان عن قلقهم الهادئ في البداية ثم التعبير عن القلق الكبير خاصة عندما تطورت العلاقات بين “حفتر” والروس بين سنتي 2016 و2019إضافة لانتقادهم الكبير لتواجد “الفاغنر”منذ سبتمبر 2019 في محاور جنوب العاصمة “طرابلس” ثم لاحقا أثناء تمركزهم في الجنوب والمنطقة الوسطى منذ جوان/يونيو الماضي…

 

  • لم يرتحالأمريكيون لتفعيل طريق الحرير (الصينية)، في القارة الافريقية أو بتطور العلاقات التركية الافريقية ولا بالحضور القوي للروس في القارة وخاصة في زمبابوي وافريقيا الوسطى، وهم غير مرتاحين أيضا لامتداد الإيرانيين القوي في بعض دول افريقية على غرار جزر القمر، وكل ذلك الارتياح  كما أنهم عبر عنه أكثر من مسؤول أمريكي وخاصة عند زيارة بعضهم لدول شمال افريقيا خلال نهاية السنة المنقضية وهي زيارات مرتبطة بالملف الليبي كما نواقف عدم الارتياح التي اسلفنا ذكرها تترابط مع رؤية الأمريكيين لمستقبل الملف الليبي…

 

  • رغم كل ما ذكرنا فق بقي الأمريكيون رهين سياساتهم الاستراتيجية التي تؤكد على عدم التدخل المباشر في كل الساحات وخاصة بالتوازي وفتح الجبهات المتعددة وما يمكن تأكيده أنهم يقرؤون التطورات الكبيرة للحضور الإقليمي والدولي لعدد من القوى الأخرى بما فيهم حلفائهم الأوروبيين، والخلاصة في هذه النقطة أن هناك توازن بين الحضور الأمريكي ومطامح قوى أخرى بنت استراتيجيتها منذ سنوات من أجل الحضور الفاعل في القارة الافريقية وما ليبيا الا مثال لذلك…

 

  • هناك وهم لدى بعض المتابعين وبعض النخب من أن العلاقة بين الروس والامريكيين من جهة وبين الفرنسيين والأمريكيين من جهة ثانية، هي اما علاقة تصادم وتنافر (بالنسبة للحالة الأولى أساسا) او علاقة ولاء وتكامل (الحالة الثانية أساسا وخاصة في بعض الملفات والملف الليبي ليس من بينها)، ذلك ان سياسات البلدان الثلاث لا تحكمها فقط المصالح النية أو الاستراتيجية بل تتدخل فيها محركات وعوامل غير معلنة إضافة الى لوبيات عالمية وعابرة للبلدان على غرار المحافل وتشابكات أخرى عديدة وهنا يجب التساؤل فعليا مثلا اين تلتقي المصالح الفرنسية الامريكية واين تتناقض وماهي محددات الالتقاء وما هي محددات التنافر والتناقض وبأي درجات وهو نفس السؤال يبقى مطروحا في علاقة الروس بالأمريكيين رغم الفوارق المحددة في كلا الحالتين، ومما لا شك فيه ان السؤال يبقى حري بالدراسة في الحالتين وكل تسليم باي احكام بخصوص ذلك يبقى ضرب من الخيال لا غير…

 

  • لابد من التأكيد أن أي إدارة حاكمة لأي قوة دولية ليست وحدة متكاملة وأن هناك صراع بأشكال مختلفة بين أجهزة كل دولة لطبيعة المصالح الاقتصادية والسياسية والصراع بين اللوبيات وينعكس ذلك في فعل دبلوماسية أي دولة تجاه كل القضايا الدولية وفي التفاعل مع أي أزمة، وهو أمر جلي في تضارب المواقف تجاه تطورات الأزمة الليبية منذ 2014 وتعود أسباب ذلك الى تأثير اللوبيات في كل دولة إضافة الى تضارب مصالح شركات عابرة للقارات ولوبيات ومحافل عالمية وتأثيراتها من دولة الى أخرى وخاصة في مواضيع تتعلق بالغاز والنفط والمعادن الهامة والنادرة، وبالتالي فإن الملف الليبي لم يكن يوما متفق عليه من حيث القرارات ودعم هذا الطرف أو ذاك او اتخاذ سياسيات معينة تجاهه وعلى سبيل الذكر فان هناك خيارين في وسط الإدارة الفرنسية منذ صائفة 2019 حيث حبذ وزير الخارجية الحالي(وهو وزير دفاع أسبق) يومها التمسك بحفتر كخيار مرحلي لحكم ليبيا ودعم عسكريين لحكم ليبيا أي استنساخ فعلي للنموذج المصري (سيسي ليبيا) أو انتاج “قذافي2” لحكم ليبيا مستقبلا بينما ترى أجهزة فرنسية أخرى وفقا لتحاليل الخبراء أنه وجب تفعيل الحل السياسي واجراء وفاق بين فرقاء الصراع وهذا الراي الثاني هو الغالب حاليا والذي تشتغل عليه السفيرة الحالية “بياتريس” …

[1] راجع دراسة الكاتب في موقع “مركز الدراسات الدبلوماسية والاستراتيجية” (CSID) تحت عنوان “توجهات وفاعلية الأطراف الدولية في الملف الليبي أثناء وبعد مؤتمر باليرمو”– بتاريخ 26 نوفمبر 2018

 

[2] أنظر مقال الكاتب، المنشور في أسبوعية “الرأي العام” التونسيةتحت عنوان ” ليبيا: القوى الدولية والإقليمية وفرص اقتناص عقود جديدة وحل إشكالات ديون سابقة وتعويضات“، نشر بتاريخ 22 ديسمبر 2020 ص 20-21

[3] راجع مقالي الكاتب:

 

  • في العلاقة بين اسم سكان البيت الأبيض الجديد (ترامب/بايدن) ومالات الملف الليبي” نشر بتاريخ 29 أكتوبر 2020 في موقع افريقيا 2050 (afrique2050.net)

 

  • ترتبات فوز بايدن على مخرجات حوار تونس وعلى مالات اللف الليبي” – موقع “أفريقيا 2050” بتاريخ 08 نوفمبر 2020 (afrique2050.net)

[4] دراسة الكاتب في موقع مركز الدراسات الدبلوماسية والاستراتيجية المذكورة في هامش سابق – بتصرف-

[5] يمكن مراجعة أطروحة الدكتور أسامة عكنان “الدولة الوظيفية الأردن نموذجا”…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق