تحاليلليبيا

الحوار السياسي الليبي: مُربعات الفشل والنجاح

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

في بداية أوت/أغسطس الماضي وعند أولى جولات الحوار السياسي الليبي في “مونتريو” كان الفرقاء الليبيون بين اليأس من وصول إلى حلّ وبين الأمل في التوصل إلى صيغ تُرضي الجميع خاصة في ظل يقين جمعي بأن الحسم العسكري والميداني شبه مستحيل عمليا وواقعيا وميدانياوبالفعل، وبسند البعثة الأممية وأطراف عدة في المغرب وتونس وجنيف ومالطا والقاهرة وبفضل جهود أطراف ليبية آمنت بلغة الحوار سبيلا للتوافق، بدأ ملتقى الحوار السياسي في تونس يوم 26 أكتوبر الماضي عبر تقنية “الفيديو” ثم بشكل مباشر في ضاحية قمرت (شمال العاصمة تونس) بين 09 و15 نوفمبر الماضي ولتستكمل بقية جولاتهعبر “الفيديو”، وفعلا تم التوصل لتوافقات شبه نهائية في المسارين العسكري والاقتصادي  في انتظار  استكمال خطوات المسار الدستوري وحسم اختيار الآلية في المسار السياسي لاختيار شاغلي المناصب الرئيسية في السلطة التنفيذية المقبلة (رئيس الحكومة ونائبيه والأعضاء الثلاث الممثلين لمناطقهم في المجلس الرئاسي)، ولكن مواقف وإشارات من هنا وهناك لاحت منها نوافذ إحباط مفتوحة ومُطلة على مربعات فشل قد تُعيد لاحقا كل الأوراق إلى نقطة الصفر، على غرار تحفظات بعض أعضاء لجنة الحوار على النسبة المعتمدة  لاختيار الآلية وهو ما حدا بـــــــــــــ”ستيفاني” للاستجابة ومن ثم تشكيل لجنة قانونية من بين الأعضاء ومعلنة تواصل العملية السياسية ومؤكدة أن القطار انطلق ولن يتوقف، وهي إجراءات وتأكيدات تقلّل فعليا من مخاوف التراجع على التوافقات وتطورات النجاح خاصة وأنها أكدت أن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية أمر ثابت ومؤكد بداية جانفي/يناير المقبل…

 

** محطات حوار صعب ومُعقد الثنايا

امتدت محطات الحوار عبر أشكال عدة، وعبر عمليات جسّ النبض وتعدد الوسطاء، ثم اتسعت الحوارات لتشمل كل القوى السياسية والمكونات الاجتماعية (رغم الجدل حول تركيبة لجنة الحوار سياسيا واجتماعيا ومناطقيا) عبر محطات عديدة ومختلفة، وعقدت جلسات في المغرب وجنيف، وتونس والقاهرة ، ونجحت البعثة وطرفي الحوار في تأبيد فعلي وعملي لوقف اطلاق النار، ومن ثم تعلقت آمال الليبيين في أن تنتهي أيضا التجاذباتوالمناكفاتوالتحشيدات، وفعلا كانحوار تونس ليفتح الآمال ويتنفس الجميع الصعداء، بل أنه كان مُناسبة تبين من خلالها أن الليبيين وبعض الحاضرين في جولات الحوار آمنوا فعلا بالتوافق والمشاركة والقبول بالآخر بعيدا عن التزلف والعقلية الانقلابية وتوظيف مقولات الإرهاب لتحقيق أهداف فئوية أو خدمة لأجندات أجنبية، ويمكن الجزم انه تم في ضاحية “قمرت”بين 09 و15 نوفمبر الماضي وضع النقاط على الحروف ومهد النجاح للحوار  وان آجلا رغم حسابات كثيرة حول الأسماء والمسميات…

ويمكن الجزم اليوم وبعد شهر بالضبط من اختتام الجولة الأولى والمباشرة للحوار بأن مربعات النجاح كانت نتاجا طبيعيا وابنا بكرا لأسباب عدة:

  • تيقن جميع الفرقاء عبر تقييماتهم من استحالة أي نتائج ممكنة يمكن جنيها من المعارك الميدانية في حسم الأمور لهذا الطرف أو ذاك، أو تحقيق أية أهداف تذكر على الأرض على حساب الأطراف المنافسة، وما حديث البعض عن عودة الحرب إلا وهم يوزع لبعض حلفاء الداخل أو هو ورقة للضغط والمراوغة…

 

  • يقين“ستيفاني” وكل أعضاء البعثة الأممية بحقيقة الأوضاع الميدانية وطبيعة الأطراف المتفاوضة وإمكانياتها الميدانية والشعبية، وهو ما مكنها في الأخير من تغيير استراتيجيتها والتخلي عن تكتيك التوجيه نحو اليات بعينها أو أسماء محددةوالحقيقة أنها كانت واقعية وبراغماتية بعد أن كانت في مرحلة ما قد أمعنت في اعتماد سياستي “التمطيط” و”الارجاء”…

 

  • يقين الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا بالخصوص أن الحل الوحيد مستقبلا هو في تشكيل حكومة وحدة وطنية يشارك فيها الجميع، وأن نُصرة طرف على طرف أو تدخل خارجي قد يعصف باستقرار أوروبا ويهدد المصالح الغربية، ولعل مساهمات بعض الدبلوماسيات العربية وتحركات الخارجية الالمانية كانت حاسمة في تلك القراءة الغربية …

 

** صعوبات الحوار الطويل ومربعات الفشل والنجاح

 تقوم استراتيجية البعثة الأممية على مقولة أن إعادة هيكلة السلطة التنفيذية وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية واسعة الصلاحيات سيجعل التوافق على بقية المسارات أمرا ممكناخاصة في ظل احراز تقدمات سابقة وملموسة في المسارين العسكري والاقتصادي، بل أن ذلك سيُذلل عديد الصعاب، خاصة في المسار الخاص بالترتيبات الأمنية الذي يعتبر أدق وأخطر الملفات، خاصة أن “ستيفاني” تعي جيدا أن منسوب الثقة بين الفرقاء الليبيين لا يزال ضعيف نسبيا، وبالتالي فإن أي توافقات لن تكون أمرا سهلا، وهو ربما ما جعلها تسارع إلى نفي فشل الحوار بعد عدم التوصل الى حل بخصوص الآلية المعتمدة لانتخاب/اختيار الأسماء…

على أن بعض المتابعين يغيبون أن المخاوف لن تتوقف عند اختيار الآلية أو حتى اختيار/انتخاب رئيس الحكومة أو عند تشكيل الحكومة واختيار تركيبتها وبرنامج عملها الأولي حتى إجراء الانتخابات، ذلك أن صلاحياتها تتطلب الكثير من الوقت والنقاش والجدل، خاصة أمام مربعات الاختراق لنجاحات الحوار وكسر مربعات نجاحه من أطراف انتهت صلاحياتها وأوراقها، على غرار أطراف إقليمية داعمة لاحد طرفي الصراع وأطراف في الداخل والخارج الليبي ساءها نجاح الحوار، وكانت تبني أجنداتها على اختلافات الليبيين، وكل ذلك يتعارض مع الأجندة الزمنية للبعثة الأممية التي تتحرك الآن بشكل مكوكي بين الدول وفي الداخل الليبي رغبة منها في الوصول إلى الحل في أسرع وقت ممكن، وهو ما قد يكون عاملا سلبيا يؤثر على أداء المتحاورين خلال الفترة القادمة، وقد يساهم في ولادة جسم هجين لا يلبي رغبة وطموح الليبيين.

أما ثالث العوامل المحددة والموسعة لمربعات النجاح التي قد تكون مُضيقة لمربعات الفشل، فهي الترتيبات الأمنية والعسكرية؛ إذ يمكن جعل الحكومة المقبلة في حكم العدم حتى وإن تشكلت، والمفارقة في الأمر أن لجنة “العشر” تقدمت أشواطا في عملها وعبر لجانها الفرعية، ذلك ان “وليامز” ومن ووراءها كل البعثة، تسعى إلى بناء أرضية صلبة في هذا الملف حتى يقلل من حجم الاختلاف أثناء جولات المفاوضات المقبلة لإدراكها أن أصعب وأعقد بند سيتم التفاوض عليه هو بند التريتبات الأمنية والعسكرية واختيار وزيري الدفاع والداخلية لاحقا وأيضا مناصب أخرى على غرار رئيس المخابرات وبعض مناصب سيادية أخرى لها علاقة بالملفين الأمني والعسكري، وأهم ما سيناقش في ملف الترتيبات الأمنية هو كيف سيتم اختيار القوى العسكرية والشرطية؟ وما هي مهامها؟ ثم الانتقال إلى اختيار الشخصيات القيادية لهذه الأذرع الأمنية…

ولا شك أن القوى الكبرى ستُساهم بشكل كبير مع المتفاوضين ومع البعثة الأممية في كيفية إدارة ملف الترتيبات الأمنية، فإدارة الحوار مستقبلا ستكون بطريقة منظمة جدا وتراعي كل الحقائق على الأرض للوصول إلى أرضية مشتركة لأهم وأعقد ملف في الاتفاق الشامل، والثابت أن في ليبيا عديد القيادات العسكرية والشرطية التي بقيت على الحياد في الصراعات القائمة ومعروفة بنزاهتها ووطنيتها سواء في الغرب الليبي أم في الشرق، ويمكن أن تكون جزءا مهما من الحل…

إن المراقب المنصف للأوضاع في ليبيا عليه أن يقرّ بأن الخطوات التي قطعت في اتجاه الحوار لم تكن بإرادة دولية فقط، وإنما ساهم الليبيون فيها بشكل كبير؛ فما كانت الأمور لتصل إلى هذا القدر من الأمل لولا توقف المعارك في أغلب أجزاء ليبيا عندما تداعى العقلاء من السياسيين والعسكريين إلى دعم وقف إطلاق النار وتهيئة المناخات الملائمة للحوار، وهو ما شجع الأمم المتحدة على المضي قدما في مشروعها وجعلها تدرك فعلا من هي الأطراف القادرة على إنجاح الحوار والراغبة فعلا في السلام. فالمعارك لم توقفها الأمم المتحدة أوقفها أبناء ليبيا الذين أدركوا أن الاحتراب الأهلي سيُنهي الجميع وأن الخاسر الأكبر هي ليبيا…

 

** التطورات الأخيرة ونقاط الخلاف الحقيقية وألاعيب المتمترسين

واقعيا أخفق أعضاء ملتقى الحوار السياسي الليبي خلال الايام الماضية في التوافق على آلية لاختيار قادة السلطة الجديدة، لكنهم رفعوا بشكلٍ كبير من شأن توافقهم على مرحلة “تمهيدية”، تنتهي بانتخابات وعلى الرغم من امتعاض مراقبين ومتابعين من إعلان البعثة الأممية عن تشكيل لجنة استشارية، للخروج برأيٍ موحد بشأن التوافق على آليات اختيار قادة المرحلة التمهيدية، إلا أن الترحيب باللجنة الأخرى، التي كُلّفت بالتوافق على “قاعدة دستورية”، للتمهيد للانتخابات الوطنية، كان كبيراً بل والترحيب أكثر بأن أول اجتماع لها سيكون يوم 21 ديسمبر الحالي بل وتم التأكيد أنه سيكون أول يوم من عمر المرحلة “التمهيدية” في وقت لا يزال يرفض قطاع آخر هذا الاتجاه، ويعتبر المعترضون أن لا حاجة للجنة والقاعدة الدستورية، بوجود مسودة لدستور البلاد الدائم يمكن الاستفتاء حوله وتمريره، ليكون إطاراً مؤسساً للانتخابات…

والثابت اليوم أن عمر الأزمة أكسب “المتمترسين” من الراغبين في البقاء في السلطة سواء لتحقيق مصالحهم الضيقة أو خدمة لمصالح حلفائهم في الخارج، دراية وخبرة في الالتفاف، فالواضح أن الساعين للتمترس والتموضع في مشهد السلطة الجديدة يعملون بعيداً عن الأنظار، ويختلفون حول المعنى السياسي لقوانين الانتخابات، وليس حول معناه القانوني، بهدف إضفاء الشرعية وتحقيق مصالح خاصة، ستنتهي بتسييس المسار الدستوري، ولم يسأل أي منهم على أي أساس قامت الانتخابات البرلمانية لمرتين؟ علاوة على كل هذا، فمن دون شك أن البعثة الأممية تسير في اتجاه التعقيد والتأزيم وخلط الأوراق، عندما أعلنت أن اللجنة القانونية مهمتها “إنشاء قاعدة دستورية لتمهيد الطريق أمام العملية الانتخابية” المقبلة، فهي تعلم جيداً أن الانتخابات لا تتطلب سوى قانون انتخابات، هو موجود فعلياً في الإعلان الدستوري، ولا يتوفر على أي عائق قانوني لإجراء انتخابات جديدة.

** حول مستقبل الحوار وتقلص مربعات الفشل

يبدو أن الحوار في ليبيا وإن دخل مربعات النجاح وتقلصت على ضوئه مربعات الفشل التي ما زال البعض في عواصم عربية يسعى لتوسيعها وغلق مربعات النجاح المنجزة، لن تفرش في طريقه الورود؛ لأن التحديات كبيرة والتفاصيل دقيقة والاستحقاقات المطلوبة ليست هينة، وتحقيقها يستوجب الحذر وحيزا زمنيا وصبر المتحاورين.

ولا شك أن الحوار سيعرف خلافات أخرى قد تكون عميقة كلما تقدم زمنيا، بل سيحضر المد والجزر في مسائل عدة يجعل بعض الأطراف تلوح بالانسحاب لتهدد أطرافا أخرى في نقاط تفصيلية.

ولكن الخطوات المقطوعة والأرضية الصلبة التي بنيت سابقا في محطات سابقة على أكثر من 5 أشهر من جلسات التفاوض وعمق مآس تسببت فيها المعارك السابقة لوقف إطلاق النار ستمكن في الأخير من الوصول إلى التوافقات التي يبحث عنها الليبيون، وبحثوا عنها في 17 فبراير 2011 عندما أطردوا الخوف. كما أن تراكم الأحداث وترتباتها وتجارب السنوات السابقة وما نتج عنها من الاقتتال تجعل كل الليبيين يسعون إلى تجنيب بلدهم وثورتهم الفرقة والتناحر وتضييع مستقبلها الناصع نتاج عوامل جغراسياسية يعرفها الجميع…

المصدر، دورية 24/24 بتاريخ 18 ديسمبر 2020

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق