تونسدراسات

تونس : كيف قبُرت الثورة سرديات ومدحيات مُناقضة للحس الشعبي؟ (1 من 2 )

على غرار "ابن تونس البار" و"حامي الحمى والدين" و"سيّد الأسياد"

 

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

بعضهميُغيّب عن علم أو جهل لإنجازات عديدة للثورة ويركز على منطق أنها “لم تحقق كل أهدافها ولم تستكمل كل مهامها” وخاصة في علاقة بالمطالب الاجتماعية التي عطّلت وتعطّلت حيث أخفقت الحكومات المتعاقبة منذ 2011 في تحقيق جزء كبير من تلك المطالب، وعمليا ساهمت بعض نخب في كل ذلك ناسية أو متناسية أن المسالة الثقافية هي أساس كل عمل تغييري او إصلاحي او ثوري ومن بينها طبعا معارك السرديات والرموز، ولكن موضوعيا وبغض النظر عن سقوط وسائل ومؤسسات إعلامية في “ترذيل الثورة ومكاسبها وكل ما يمت لها بصلة”، فان ذلك لم ولن يحجبأنها حققت الكثير وان لم نُلامس ذلك  خلال السنوات العشر الماضية، ولكن ذلك  سيبرز حتما في المستقبل عبر بناء تراكمي وكمّي ولن تنتبه أساطين وأدوات الثورة المضادة، ولن تستطيع ردمه لأنّه ضخم الحجم ومُرتبط بالحسّ الشعبي وهو محفور في ذاكرة التونسيين وغائر في الأعماق الباطنية لهم  ومرتبط بفطنة الشخصية التونسية (وهو ما أكده المرحوم “المنصف الوناس”في كتابه الشخصية التونسية”) وسنحاول في هذا الجزء الأول من دراسة/مقال الحال الإجابة على سؤال: كيف اجهزت الثورة على سرديات أكثر من نصف قرن من مثل “باني الدولة الحديثة” و”سيد الاسياد” و”زعيم الامة” في شوطها الأولوكيف أجهزت على مدحيات من مثل “حامي الحمى والدين” و”لزرق حجر الواد” و”ابن تونس البار” وغيرها من مقولات ومدحيات قيلت ودفعت من أجلها أموال ومنحت أملاك لتبييض الرئيس المخلوع بل وحتى حاشيته العائلية والاستشارية؟

 

** الانتفاضة التي تحولت لثورة بناء على تراكم كمي ونوعي تمتد جذورها الثقافية والسياسية لثورة التحرير

ممّا لا شك فيه أن الثورة التونسية بدأت عبر انتفاضة شعبية على منطق الحقرة وعلى منطق النهب المنظم والممنهج ومنطق التحقير والتهميش الذي مورس وخاصة ضد المناطق الداخلية (سيدي بوزيد – قفصة – سيدي بوزيد –سجنان)، ولكن السروربما الخفي الذي لم تنتبه له أجهزة النظام هو في تحولها إلى ثورة عارمة وشعبية هو أنها وجدت بناء تراكميا لمطالب سياسية واجتماعية عرفتها تونس منذ ان استولى الحزب الحاكم (أي “الحزب الاشتراكي الدستوري” والذي ورثه حزب “التجمع الدستوري الديمقراطي” سنة 1988) على كل البلد في مؤتمر “المصير” ببنزرت سنة 1964،بل أن ذلك الحزب احتوى كل شيء (منظمات – إدارة – جمعيات …) بعد أن كان قد انحرف بثورة التحرير منذ 1952 ومطالبها العادلة، ومارس التعذيب في ظل دولة الاستقلال كما مارس القتل والتدمير لرفاق الأمس وعائلاتهم والمقربين منهم (أو ما عرف بتيار الأمانة العامة) وصولا لاغتيال الأمين العام “صالح بن يوسف” في ألمانيا في 12 أوت 1961، ثم مراكمته لكوارث لاحقة أخرى في عقد الستينات على غرار محاكمات اليساريين والبعثيين ثم محاكمة بن صالح بداية السبعينات وطرد وجوه الجناح الليبرالي في الحزب ثم إقرار الرئاسة المدى الحياة منتصف السبعينات وسجن النقابيين اثر احداث جانفي 1978 وصولا لتزوير الانتخابات سنة 1981 ثم قتل شباب انتفاضة 03 جانفي 1984 بالرصاص الحي قبل التراجع عن الخطوات والإجراءات السابقة لها…

أما نظام الرئيس المخلوع فانه لم يبق أي معنى للسياسة أصلا فقد حاكم مناضلي كل التيارات المعارضة له وملا السجون ودفع بالآلاف للمنافي وصنع ديكورا ديمقراطيا على مقاس شخصه (قال سنة 1989 أن الزعيم الأول في كل حزب يجب ان يتنحى )، بل وحول حتى الحزب الحاكم لقطعة قماش بالية مسح فيها ومرر عبرها كل الجرائم والخروقات والفضاعات، وكل ما سبق يعني ان الثورة قد التقطت كل ما سبقها من بناء تراكمي لفعل الجماهير ونضال الفاعلين السياسيين والاجتماعيين  لتبني عليها مطالب الانتفاضة العارمة ولترفع مقولات لم يتخيّل المخلوع نفسه أنها سترفع يوما ضده على غرار “الشغل استحقاق يا عصابة السراق” كما استغربت اجهزته ما دار وقيل في احداث بن قردان في رمضان 2010 أو حتى في مقابلة فريقي الترجي وحمام الانف قبلها بأسابيع وأيضا قبلها بسنتين في تحركات فرنانة، وهي تحركات سبقتأحداث وتحركات الحوض المنجمي، وكل ذلك يعني أن الفكري والثقافي والاجتماعي قد سبقوا السياسي وهو ما يفند فكرة وحكم أنها مجرد انتفاضة وأنها ستجهز على كل سرديات المنظومة بأبعادها الثقافية العميقة…

 

** كيف غيبت النخب حقيقة اجهاز الثورة على سرديات حقبتي الاستبداد الخادمة للحاكم الفرد والمُغيبة للشعب

 

  • لم تستطع النخب الفكرية والجامعية ولا حتى السياسية أن الثورة لم تقم على المخلوع وحزبه بل على منظومة الحكم منذ 1956 بما فيها آليات وطرق والبنى الفكرية والتنظيمية للمعارضين السياسيين وخطاباتهم، وهي ثورة على ثقافة الفرد الزعيم ذلك أن منطق تجريم السياسية وحكرها على مُنتسبي الحزب الحاكم والحاشية العائلية والاستشارية، اضافة الى أنها ثورة وقطع مع ثقافةالرفع المغلوط لمقولات الحداثة والمدنية وتحرير المرأة ووضعها في قالب التوظيف السياسي الرخيص بل والمبتذل، ان الثورة قامت على المتنفذين وعلى بعض أفراد مستكرشين من عائلة “الطرابلسية” و”آل بن علي” ومقربين منهم وتحديدا على كل الفاسدين وعلى العفن وعلى منطق ان تونس ملك لفرد أو عائلة أو حزب، والثابت أن سرديات الزعيم (“سيد الاسياد” و”حبيب الامة” ومحرر المرأة و”محرر تونس”) قد أجهزت عليها الثورة ونسفت أسسها التي روج لها اعلاميو ومثقفي الزعيم، مثلما ألغت موضوعيا مقولات ومدحيات “حامي الحمى والدين” و”ابن تونس البار” و”صانع التغيير” و”لزرق حجر الواد”، وغاب عمليا اثر اندلاعها بعض ثقفوت كانوا يجرون حوارات لحاكمة قرطاج ويلمعون صورتها ويتحدثون عن خصالها (حتى أنه تم فتح تحقيق في مقر التلفزة بناء على ظهور صورة لها وهي منتفخة الوجه)، ولم تعد المناشدة بعد الثورة ممكنة ولا ذات تأثير حتى وان حاول البعض من المقربين من الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي ممارستها بحقه قبل وفاته قبل سنتين (طالب البعض بالتمديد له يومها سنتين اضافيتين في منصب رئيس الجمهورية)…

                  واليوم يُمكنالتأكيد أن مدح الفرد وتغييب الشعب لم يعد مطروح الحديث عنه رغم تغييب اعلاميي وتوثيقي لتلك الممارسات بهدف أن لا تتكرر مُستقبلا على غرار حكاية “حذاء الرئيس والزعيم بورقيبة”، أو خلق اساطير ابتكرت على مقاس “بورقيبة” ثم على مقاس “بن علي” أو حتى عبر توظيف مؤسسات بعينها لصالحهما ومصالح عائلتيهما اثناء حقبة حكم كل منهما فقد أسست “تور افريك” المختصة في تنظيم الحج على مقاس “وسيلة بن عمار” وتم تحويل مؤسسة “منتزه قمرت” ( سياحة – تنظيم الحج) لخدمة “ليلي” و”عماد” و”بلحسن” وعائلة “بلونة”، وان انتبه بورقيبة مازحا عند تدشين “التوتة” وقال يومها أنها تابعة لـــــــ”توفيق ترجمان”(صهر “وسيلة”)فان المخلوع لم ينتبه للكثير مما حيك في مربعه ومحيطه (عشيق زوجته في البداية مثالا للذكر لا الحصر)، أو هو من كرَّس بعث مؤسسات لأصهاره عبر قوله مثلا لأحد مُحذريه سنة 2004 ” من حقهم يتمتعوا وعليك تصور ماذا كان سيقع لهم لو لم ينجح انقلابي على بورقيبة سنة 1987″…

والخلاصة أن نُخبنا لم تستطع أن تُوظف كل ذلك (أي فسخ الثورة للسرديات والمدحيات) لصالح البلد وللشعب، ولا حتى أن تُوثق ذلك فنيا أو  دراميا  أو أدبيا كما لم تستطع أنتحوله لبناء سرديات مضادة للسرديات التي خدمت الزعيم الفرد والحاكم المستبد، ولم يتم ذلك لا في الخطاب السياسي ولا في الكتابات ولا أدبيا ولا فنيا ولا حتى من حيث الرموز لا فعلا ولا خطابا ولا في الخط السياسي ولا الاجتماعي وهو أمر ينسحب على الاتحاد العام التونسي للشغل كمنظمة حظيت بثقة أغلب التونسيين بغض النظر عن أداء المركزية النقابية ما بعد مؤتمر المنستير،أو بالمركزية التي ادارت دواليب المنظمة ما بعد مؤتمر طبرقة…

 

*** الثورة تجهز على مدحيات شلل الثقافوتوزغراطات مربع “عبير” أمثالها ومُربعات منظمة “أمهات تونس”

 

لم تكن حقبتي الاستبداد، مجرد حكم فردي وتغييب فعلي للرأي المخالف وللتعددية الحزبية مصحوبا بفساد مالي مبني على توزيع العطايا والأملاك على المقربين والخدم والمُخبرين، بل أنه وظف مثقفين وكتاب وملل ونحل مما سماه البعض بشلل “الثقافوت” لقد حكم بورقيبة وبعده المخلوع (وان كان لا يمكن المساواة بينهما باي شكل من الاشكال) بسرديات تجاوزت السياسي المباشر الى الثقافي والاجتماعي فارتكز الأول على شرعيته ومكانته وقدراته الفكرية (فهو دكتاتور ولكنه مثقف وذا وعد وعدا ذهب فيه لآخره)، بينما ركّز الثاني وهو الجاهل والمعروف بأنه (باك -4)، على بث الرُعب والبعد الأمني والاستخباراتي ( فقد اخترق عضويا كل الأحزاب والمنظمات والجمعيات الكبرى والفاعلة)، وقد أوجد الأول- أي بورقيبة-  سرديات لشخصيته وصلت حد تعظيمه وتقديسه بل واستهزأ بمناضلي الحركة الوطنية ووصفهم بـــــ”الفلاقة” (بل وأضاف “أن بنادقهم طالها الصدأ”) بل هوتجاوز إلى مربعات أخرى ليس هنا المجال مجالها، ولكنه عمليا نجح في بعض مربعات العملية الاتصالية في حين مارس الثاني القذارات بأنواعها بل وفي كل الاتجاهات بحثا عن خدمة نفسه و أوجد خدم كثير داخل وخارج حزبه فتعدد ممارسو “الزغرطة” و”المدح والمديح”، وتعددت أساليب مدحه كما تعدد كتبة خطاباته -حتى أنه تم توظيف كُتاب عرب لذلك ودفعا لهم ليكتبوا كتبا حوله وحول ما سماه بــــــ”الإنجازات” (وهي ليس الا هدم للبلد ومكتسباته وثقافته)، ولعل البعض يذكر انه عند زيارته للعراق نهاية الثمانينات لم يستطع قول جملة واحدة عندما انتظر منه صدام حسين أن يلقي كلمة بالمناسبة (ما قيل أنه انتصار على الإيرانيين يومها)أي في “الفاو” فاكتفى بقول “شكرا شكرا”، أما لغة المديح فهي مرتبطة بأساطيل المخبرين حتى أن أحد المقربين من بورقيبة والقائمين بمهام (أي “ع-ش”) خاصة تم تحويله في ظل “بن علي” لمراقبة وكتابة تقارير على “حامد القروي” ومدى اخلاصه للمخلوع، أما أسطوانات المناشدة على غرار “14 بعد 2000 ما يقدَّها كان الزين”، فالكثيرين يعرفون تفاصيلها وعجائبها والصراعات على كتابة لوائحها على صفحات يوميتين معروفتين” إضافة لكتب دفعت فيها عشرات الملايين وجلب لها كتاب عرب وكاتبات أيضا (رغم أن النصوص الاصلية لتلك الكتابات صاغها وخطها تونسيون) …

 

يتبع في الجزء الثاني:

مدحيات وسرديات حقبتي الاستبداد وخلفياتها الفكرية والسياسية والاجتماعية، وكيفية اجهاز أهل الثورة على اساطين وأساطير الدولة العميقة”.

المصدر : صحيفة الراي العام العدد 186بتاريخ 17 ديسمبر 2020

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق