دراسات

تونس: أيُّ آثار مُباشرة لسياسات”بايدن”المرتقبة على المشهد السياسي؟

علي عبداللطيف اللافي

كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

التساؤل حول مؤثرات تغيّر السياسات الأمريكية بعد فوز “بايدن” على المشهد السياسي أمر قد يبدو غريبا للبعض خاصة في ظل اعتقاد أن الرئيس الأمريكي ربّما لا يسمع حتى باسم بلدنا،  وتلك الفكرة سردية قديمة أولا وكاذبة ثانياوهي تُروّج بناء على قول أن تونس لا تستحضر أصلا في رسم السياسات الدولية عامة والأمريكية خاصة أو عند تنزيل القرارات التكتيكية والاستراتيجية الخاصة بالمجال الإقليمي بأبعاده المغاربية والعربية والافريقية والمتوسطية وخاصة في ظل التطورات والتغيرات المرتقبة في أفق العقد القادم وبناء على أن السياسات الأمريكية ترتب بناء على استراتيجيات أعدت لعقود ولسنوات طوال وليس لمرحلة قصيرة، وهو ما يطرح التساؤل حول الترتبات والآثار المباشرة لسياسات الديمقراطي “بايدن” على المشهد السياسي التونسي خلال عهدته والتي ستمتد لأربع سنوات كاملة (2020-2024)؟

 

 

  • هل فعلا يُمكن أن تتغيّر السياسات الامريكية تجاه المنطقة المغاربية؟

 

  • أولا، هُناك حقيقة مُسلّمة ومعروفة لكُلّ المُتابعين، وهي أنالسياسات الخارجية الأمريكية لا تتغيّر وفقا لهوية الرئيس الأمريكي ولا وفقا لاسم حزبه (الحزب الديمقراطي/الحزب الجمهوري)، رغم اختلاف هذين الحزبينفي طبيعة السياسات وطُرق وآليات تنزيلها أو حتّى في مساحات تنفيذهاأو حتّى في تكتيك وهندسة وإدارة العلاقات مع دولة ما أو مجال إقليمي أو آليات وطُرق تنفيذ الاستراتيجيات المرحلية، ومعلوم أن السياسات الأمريكية لم تختلف يوما في العلاقة بالكيان الصهيوني ولا حتّى بالعالم العربي والإسلامي من حيث السياقات العامة لتك العلاقات أو في كيفية وسُرعة التعاطي مع ملفّات النفط والإرهاب والصين وروسيا وكوريا الشمالية، ولكن آليات التعامل تختلف فعليا من رئيس لآخر ومن الديمقراطيين للجمهوريين مع ملفات “الإسلاميين العرب” و”ايران” وملفات “الصحة العالمية” و”اليونسكو” و”الأمم المتحدة” ذلك أنّ التعاطي ازاءها مُختلف قراءة وتنزيلا، ولكنّ الثابت أيضا أن النتيجة واحدة في الوصول للأهداف الاستراتيجية الأمريكية في علاقة بتلك الملفات، وعمليا لايختلف المُتابعين والمُختصين في التأكيد أن الرئيس الأمريكي ومنذ نهاية أربعينات القرن الماضي، هو فقط – بشكل شبه كُلّي- مُنزل للسياسات الامريكية ومُتابع مباشر لتنفيذها وأنه رئيس شبيه بما يعرف في علوم الإدارة بالمُدير التنفيذي لسياسات هي في الواقع تُعدُّ في مخابر الدولة العميقة الأمريكية وليس في مكتبه أو بينه وبين مُساعديهمع حقّه الدستوري والفعلي في مساحات بعينها وهامش ضيّق يُترك له في ملفّات ليست استراتيجية بالضرورة- رغم أن الرئيسين “بوش الابن”و”ترامب” جاوزا حدهما (وهما جمهوريان حزبيا) وخاصة في ملفي “العراق” و”ايران”[1]، ويمكن القول ان الرئيس الأمريكي هو قياسا نُكهة “القهوة” (السياسة الامريكية) وليس صانعها أو حتى مُرتّب أو متابع صناعتها أو طبخها…

 

  • ثانيا،من المُهمّ التذكير بحقيقة مُغيّبة في قراءة ماضي وحاضر العلاقات التونسية/الأمريكية، وهي أنالأمريكيين كانوا يتعاطون مع الملف التونسي (وحتى ملفات بلدان افريقية أخرى) عبر الفرنسيين – في كثير من تفاصيلها وليس كلُّها طبعاوأن ذلك الأمر تواصل حتى نهاية عقد السبعينات من القرن الماضي وتحديدا سنة 1979 عندما صعد خمس وزراء من الاشتراكيين للحكومة الفرنسية، وهو أمر أثبتته وثائق الأرشيف التي أفرج عنها في البلدين، كما أثبتته شهادة كاتب الدولة والوزير الأسبق “أحمد بنور” في شهادته في قناة الجزيرة القطرية منذ سنوات وهو مثال للذكر لا الحصر…

 

  • ثالثا،ومن خلال قراءة موضوعيةللسياسات الأمريكية سابقا في كل المنطقة المغاربية نلاحظ أنّها لم تختلف في خطوطها الكبرى لا في عهد الجمهوريين ولا في عهد الديمقراطيين[2]، كما لم تتغيّر أساسيتها طوال العقود الماضية باستثناء التعاطي مع الملف الليبي  – لخصوصياته وطبيعة الأنظمة المتعاقبة على الجارة ليبيا وطبيعة الرهانات على بلد يكتسب ثروات هائلة ونادرة (الأساطيل الأمريكية في السواحل اللّيبية منذ نهاية الاربعينات – ملف النفط… )- ويُمكن الجزم أن السياسات الأمريكية هي نفسها في المنطقة وتم عمليا الإبقاء عليها كما هي مع كل الرؤساء سواء كانوا جمهوريين أو ديمقراطيين – مع مراعاة طبيعة التطورات في مختلف السياقات والمجالات – وبالمعيار سالف الذكرلا زالت أمريكا ومنذ عُقود ترى أن ملفّات المنطقة المغاربية باعتبارها استراتيجيةبناء على طبيعة الجغرافيا المغاربية المُمتدّة مُتوسطيا وافريقيا وشرق أوسطيا، بل أن كُل تلك السياسات لم تختلف في قراءتها للمنطقة الا بمعنى المُتغيّرات في الإقليم وليس باسم الرئيس الأمريكي، وهو أمر يختلف مع طبيعة السياسات الفرنسية تجاه البلدان المغاربية بين الاشتراكيين والليبراليين أي “الديغوليين” (طبعا يصح ذلك إذا ما وضعنا جانيا السياسات الثقافية والتي تتماهى فيها السياسيين الفرنسيين جميعا)…

 

  • رابعا، تخطأ بعض النُخب التونسية لو تعتقد أن أمريكا سواء في السنتين الاخيرتين من العهدة الثانيةلــــــــ“أوباما” أو في عهد “ترامب”(أي في حقبة ما بعد انتخابات 26 أكتوبر 2014)،لم تُعط للملف التونسي أي اهتمامات تُذكر كما تخطأ نفس النخب لو اعتقدت أن تونس قد تحوّلت إلى ملف جدُّثانوي بالنسبة للأمريكيين، وهي فكرة أقرب للسذاجة فتونس لم ولن تكون بلدا عاديا لدى راسمي ومُنفذي السياسات الأمريكية سواء كانوا “جمهوريين” أو كانوا “ديمقراطيين” لا ماضيا ولا حاضرا ولا مستقبلا، وذلك عائد الى قناعة واضعي السياسات الاستراتيجية الامريكية في مراكز البحوث الخاصة والمُعتمدةأن “تونس” بلد فريد ونوعي وأنّه البلد المفتاح لكل المنطقة بأبعادها الافريقية والمغاربية والمُتوسّطية، ومُضاف إلى كُلّ ذلك أن الأمريكيين لهم من الوعي التاريخي بالملفّات من خلال ربطها باستراتيجياتهم بعيدة المدى، والثابت أن “الملف التونسي” وعلى عكس بقية الملفات الإقليمية الأخرى ( بما فيها الملف اللّيبي)،لم يُحل في كل أركانه وجُزئياته للدُول الوظيفية مثلما كان يفعل به في منتصف الثمانيات لإيطاليا كمثال للذكر لا الحصر، كما لم ولن يُسند في رأينا ولن يُناط مستقبلا بعُهدة أي أذرع إقليمية (الاماراتيين – القطريين)،رغم أنه في بعض جزئياته الاقتصادية أو التقاطعية عربيا عادة ما أسند تاريخيا (حقبتي الرئيس المخلوع وقبله الحقبة البورقيبية)  – أي في بُعده التكتيكي- للمملكة العربية السعودية،  وكل ذلك يعني ضرورة، أن تعيين السُفراء والقناصل في تونس بل وحتّى صغار المُوظفين من اداريين وتنفيذيين، خضعت وتخضع لترتيبات صارمة واختيارات مدروسة وعالية الدقّة وسيمتد ذلك إلى عقود قادمة ومهما كانت المُتغيّرات ومهما كانت طبيعة المشهد السياسي في تونس أو وضع تونس الإقليمي في كل مرحلة …

 

2-رُؤية و خيارات “بايدن” والديمقراطيين في السياسات الخارجية وآثارها على المشهد السياسي في تونس

 

  • البعض من المُحلّلين والمُتابعين يُغيّب أن السّاسة الأمريكيين وخاصة الديمقراطيين يتّسمون بدرجة عالية من البراغماتية، وأنهم يُوجدون دوما في مربع تنفيذ سياسيات الدولة العميقة الأمريكية (البنتاغون – مراكز دراسات خاصة مُحترفة ومرتبطة – لوبيات المال والاعمال – أجهزة المخابرات والأمن القومي – الخارجية…)، وأنهم بناء على ذلك عادة ما يختارون سُفراء ومدراء تنفيذيين وخاصة في الشرق الأوسط وشمال افريقيا جدُّ مرنين ولكنّهم أيضا حذرين وديناميكيين، ممّا يعني أنّهم مُهيؤون جيّدا لبُلوغ أهدافهم بغضّ النّظر عن هوية الإدارة الأمريكية القائمة، مما يعني أنهم يعرفون أين وكيف يصلون لأهدافهم، وعادة ما يكون المُكلّفُون بملفات بُلدان شمال افريقيا يعرفون كيف يصلون بهم وعبرهم لأهدافهم ومراميهم الرئيسية…

 

  • الغالب على كل إدارات الديمقراطيين التي أدارات البيت الأبيض منذ نهاية خمسينات القرن الماضي، أن سياساتها الخارجية عادة ما ترتبط وتتّسم باسم وزير الخارجية، وهو أمر طبع كل تجارب الديمقراطيين في حكم الولايات المتحدة، وهو ما يعني ان وزير الخارجية القادم سيكون عاملا مهما في اهتمامات الأمريكيين وكيفية تنزيل مواقفهم من الملفات المغاربية ومن بينها الملف التونسي، ولعلّ مثال “هيلاري كيلنتون” (وزيرة خارجية أوباما) مثال للذكر لا الحصر…

 

  • باعتبار أنه خلال الأيام الماضية تم ترشيح شخصية معروفة لحقيبة الخارجية الأمريكية فإنّه وفي انتظار اقرار تسميته رسميا ونهائيا، من المهم الإشارة الى أنه من أكبر داعمي تجارب الانتقال الديمقراطي في العالم العربيعامة وتونس بشكل خاص،ومعلوم أنّه سبق له أن زار تونس والتقى عددا من الشخصيات السياسية ومن بينها رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي ووزير الخارجية التونسي الأسبق “رفيق عبدالسلام[3]…”

 

  • الرئيسالفائز في انتخابات 03 نوفمبر الماضي -أي الديمقراطي “بايدن”-بادئ ذي بدء سيحدُّ أساسا من تدخل الأطراف الدولية والإقليمية في الملفات المغاربية والافريقية ومن بينها تونس طبعا، وهو ما يعني أنّه سيُوصي مُساعديهووزير خارجيته بأن تتم مُضايقتهم ومُحاصرتهم في كل الاتجاهات وخاصة الرّوس والأتراك بدرجة أولى، بينما سيبقى التساؤل قائما ومختلفا فيه هل سيعمد الى ترك بعض جزء من إدارة تلك الملفات – أي الملفات المغارية والافريقية- للفاعلين الأوروبيين؟، ومما لا شك فيه أنه لو تم ذلك فانه سيعني لاحقا عودة الصراع الفرنسي الإيطالي على إدارة تلك الملفات وعلى رأسها الملف الليبي والمهم جدا للتونسيين والذي ستكون مآلاته مؤثرة جدا في المشهد السياسي التونسي …

 

  • لن تقبل الإدارة الديمقراطية وخاصّة بعد جانفي/يناير المُقبل بالعودة الى مُربّعات ما قبل 2011 عربيا، وهو ما يعني أن”تونس” لن تُترك فيها مساحات سيطرة كلية مُطلقا للمنظومة القديمة،ولكنفي نفس الوقت سيُطلب تشريك بعض مكوناتها غير الاقصائية والقادرة ان تكون ديمقراطية في سلكوها السياسي، كما أنّ”بايدن” وادارته لن يتخلّيا على فكرة المصالحة بين مكونات المجتمع التونسي(بين الاسلاميين والليبراليين/اليساريين/العروبيين من جهة أولى وبين أهل الثورة والمنظومة القديمة من جهة ثانية)، بل أن إدارة “بايدن” ستُصر في رأينا على تشريك الجميع عبر تبنّي سياق وفكرة واستراتيجيا “أن الإسلاميين في تونس وفي كل المنطقة يجب ان يكونوا طرفا في الحكم وفقا لنتائجهم في صناديق الاقتراع ولكن بدون مُغالبة لا لهم ولا عليهم”…

 

  • في رأينا ان الإدارة الجديدة ستتعاطى مع التجربة التونسية ولكن تفاصيل مواقفها سواء التكتيكية منها أو تلك ذات الطابع الاستراتيجي تبقى مرتبطة بمآلات ملفات المنطقة وخاصة مآلات الازمة الليبية– وهو ما اشرنا اليه في نقطة سابقة – ولكنه سيرتبط أيضا بطبيعة وكنه مخرجات ملتقى الحوار السياسي، كما أنها ستعطي مساحات للاستئناس بالنموذج التونسي وتغليب تنزيله في الملفات الإقليمية على حساب الملف المصري، خاصة في ظل حديث البعض أنه تم إيصال توصية لــــ”وليامز” عشيبة فوز “بايدن”، أن خيار مع ما بعد الحوار وخلال أشغاله هو الانتصار سياسيا للنموذج التونسي على النموذج المصري، ممّا يعني أن نظام “السيسي” في مصر سيتم فرملة تدخلاته ونفوذه الشرق الاوسطي دون تغييبه كلّيا عن الملفات الإقليمية وهو أمر له دلالاته وربما يصل الى الدفع عبر آليات واستراتيجيات قريبة ومتوسطة المدى تفضي الى ابعاد “السيسي” ذاته عن دفة السلطة مع إبقاء أدوار كبيرة ومحترمة للمؤسسة العسكرية المصرية وذلك موضوع ثان – ليس المجل هنا للتعمق فيه – مع التذكير ان هناك رؤية للتطورات في مصر منذ 2013 أن دور “السيسي” هو أساسا تكتيكي ومرحلي وقائم على أداء دور وظيفي مرلي وهو فرملة “الاخوان” وإنتاج النهضة2 ولكنها مصرية – …

 

  • سيحافظ“بايدن”ومُساعديه على جزء من السياسات التي اتبعها “ترامب” في كل ملفات المنطقة الشمال افريقية،ولكن الثابت أيضا أن ذلك سيتم باختلاف كبير في التنزيل مُقارنة بالجمهوريين، حيث سيدفع دفعا الى مُراعاة بعض خصوصيات مُعينة للتلاؤم مع التطورات في ليبيا وبما لا يتناقض مع مصالح بلدان الاتحاد الأوروبي المباشرة، ولكن الثابت أن إدارة “بايدن” وفي اطار دعمها لتجارب الانتقال الديمقراطي، سترُكّز على الاستقرار السياسي والاجتماعي، وأن الحكومة الحالية – حسب راي الديمقراطيين- يجب أن تكون مواقفها متماهية مع طبيعة التطورات في المنطقة مع تنصيص خطابي في المواقف على أن القرار السيادي هو للتونسيين دون غيرهم وتحذير معلن وخفي للأطراف الإقليمية بعدم التدخل في شؤون البلدان الافريقية وعلى رأسها تونس، وكل ذلك لا يعني أن ان الديمقراطيين ليسوا خيرين أو حتى أنبياء كما يعتقد البعض من المتابعين بل هم ليسوا اسخياء أيضا للدرجة التي يعتقدها البعض الآخر من أولئك المعتقدين …

 

  • الإدارة الامريكية العميقة ستختلف تفاعلاتها مع “بايدن”، وهي ستتعامل معه بهدوء ولن تعمد الى محاصرته مثلما فعلت مع “ترامب”، ولكنها أيضا ستُحاول أن تُلائم بين متطلبات تنزيل السياسات الاستراتيجية الأمريكية وبين رؤية مساعدي “بايدن” وخاصة رؤى وزير خارجيته وسيتم ذلك في كل القارة السمراء على غرار البحث عن موقع أفضل لــــــــــــــــ”الأفريكوم” ودعم مشروع ازدهار القارة، وبين حل الصراعات في المنطقة بآليات الحوار والتوافق واجراء مصالحات تدفن كل آلام الماضي وهو أمر يهم تونس وجيرانها المباشرين ,اولهم الليبيين وذلك لا يعني أن تونس وجيرانها لن يكونوا في عهد الديمقراطيين محاصرين بعدد من التحديات وما أكثرها في المستقبل وخاصة في أفق السنوات الأربع القادمة وهي مدة عهدة “بايدن” الديمقراطي….

 

  • الثابتاليوم أن الأمريكيين مُلمّين بملفات المنطقة كمّيا وكيفيا أكثر من المام العرب وساستهم بملفات البلدان العربية وخاصة المغاربة منها بالذات حيث هم ملُمّين بكل التفاصيل وكل الثنايا وكل المُنعرجات وكل المُكوّنات، إلّا أنّهم – أي الديمقراطيين تحديدا –سيُحاولون التركيز على أمرين رئيسيين:

***الأوّل،هو الخدمة غير المُباشرة لسياساتهم التكتيكية والاستراتيجية، وهو ما يعني أن مُمثّليهم وسُفرائهم في المنطقة وفي تونس تحديدا، سيُكيّفون ملفات المنطقة ومن بينها الملف الليبي مع شخصية “بايدن” وهو السياسي المتمرس منذ 04 عقود، بل وستتماهى خطواتهم في كل البلدان المغاربية أساسا مع توجهات وزير خارجيته، ولكن بما يسمح به الهامش لشخص الرئيس ومُساعديه المباشرين في سياسات واشنطن واستراتيجياتها بعيدة المدى….

***الثاني، هو تنزيل السياسات الأمريكية بآليات غير مباشرة، وأن التنزيل سيتم في تشاور يومي ومُستمر مع مؤسسات الأمن القومي نتاج الصراع الخفي والعلني مع الروس والصينيين في كل القارة السمراء وهو كما هو معلوم ناتج على تقدم الصينيين في مشروع طريق الحرير وخاصة في شرق القارة الافريقية وجنوبها وأيضا نتاج التواجد الروسي المقلق في ليبيا…

وكُلّ ما سبق يعني أن المشهد السياسي في تونس سيتكيّف مع كُلّ تلك المعطيات وطبيعة المستجدّات ومع المتغيّرات والتطورات المُتراتبة ديناميكيا، وأنّ ذلك المشهد سيتغيّر ويتأثّر …

 

* الخلاصة، أو في تغيرات المشهد السياسي التونسي في أفق السنوات الأربع القادمة وارتباطها بالسياسات الامريكية؟ 

 

المؤكداليوم أن الحوار السياسي في تونس أمر عاجل ولا محيد عنه– رغم الاختلاف في الخلفية والتفاصيل-  ولكن بعقلية توافقية يغلب فيها الوطني والاجتماعي أولا، وثانيا في خوضه بعقلية مستوعبة لطبيعة التطورات الإقليمية والدولية وما جد ويجد في أمريكا بالذات وما يمكن أن تطالنا من مؤثراتها وترتباتها ومن بينها سياسات الديمقراطيين التي فصلنا في طبيعتها وكنهها ومؤثراتها الممكنة والمرتقبة على تونس والمنطقة، ولكن لا يجب تغيير هدف أي حوار وطني ومن ثم السقوط في تمطيطه تفاصيلا وارجاء بعض مركباته الرئيسية على غرار طبيعة التحدّيات الاقتصادية والاجتماعية، وهذه الأخيرة يجب أن تُشخّص بالتدقيق ولكن بعقلية تقديم ابتكار الحلول لا الاختلاف الفكري والايديولوجي على التشخيص دون تجاوزه فنيا وتقنيا، وبغض النظر عن مثالية نجاح الحوار ونسبية المُضيّ في بعض جُزئياته المختلف حولها، فانه يجب اليوم على بعض مكونات سياسية تجنّب السقوط في أداء أدوار وظيفية لأطراف إقليمية تُريد فعليا استباق الزمن لتنفيذ بعض خطوات مُلحقة بأجنداتها قبل مباشرة “بايدن” لمهامه بهدف رسم أمر واقع في بلد متعثر اقتصاديا واجتماعيا رغم نجاحه النسبي ولكنه نجاح مهم لتجربة انتقال ديمقراطي بدا عسيرا ولكنه نموذج يحتذى ومثال يقتدى (رغم أن الثورة وقبل أيام من الذكرى العاشرة لاندلاعها لم تحقق بعد كل أهدافها ولم تستكمل الكثير من مهامها التي سقط من أجلها أكثر من 300 شهيد حتى يعيش بقية التونسيين احرار ولا يضطرون للالتفات  في المقاهي يمينا وشمالا للتعبير عن مواقفهم وخلجات قلوبهم وهو أمر كان جاريا قبل فرار المخلوع بل أن البعض أيام العسف والقهر لم يكن قادرا على فتح فاه الا في عيادة الاسنان)…

 

والخلاصة أن مُتغيرات كبرى ستطرأ على المشهد السياسي في أفق الأربع السنوات القادمة ولكنها ستكون معيارا للفعل السياسي وليس بمنطق قسري تسعى إليه مكونات القديمة – وما بقي منها– وأيضا بعض أطراف دولية عبر أذرع إقليمية تسعى لتقسيم التونسيين بين مكونات محورين اقليميين وهو ما لم ينجح ولن ينجح أبدا في بلد البوعزيزي والذي احترق ليعود التونسيون للفعل وليسيروا وفق نفس سير صاحب مقُولة “أحبك يا شعب” أي مقولة الشهيد والنبراس الخالد ابدا “فرحات حشاد”…

 

[1] أنظر مقال الكاتب ” ترتبات فوز بايدن على مآلات الملف الليبي“، موقع افريقيا 2050 بتاريخ 06 نوفمبر 2020

[2]أنظر مقال الكاتب “لماذا وكيف عاد الأمريكيون لسياسات أوباما تجاه الملف الليبي؟، “، موقع”المغاربي للدراسات والتحاليل” بتاريخ 14-04-2017

[3] أنظر أسبوعية الراي العام التونسية العدد 184 بتاريخ 03 ديسمبر 2020 ص 03 ركن “كواليس تونسية”…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق