تحاليلليبيا

ليبيا : مبادرة لحل الإشكاليات الجوهرية في مشروع الدستور

بقلم :محمد عبد الرحمان بالروين

لماذا هذه المبادرة؟

لعل من أهم أسباب تقديم هذه المبادرة الآتي:
1 – الشفافية: بمعني لكي ينجح الاستفتاء لابد أن تكون هناك شفافية كاملة بخصوص مُحتوي مشروع الدستور، وذلك لأنه قد تم التصويت عليه بأساليب وطرق غير مهنية وغير شفافة. فقد تم في الجلستين 73 و 74 تعديل اللائحة بخصوص كيفية المداولات على المشروع والتصويت عليه كـ «حزمة واحدة» ودون نقاش حول مواده، بالرغم من أن اللائحة الداخلية اشترطت مناقشة مواد المشروع «مادة مادة،» إلا أنه تم تعديل هذه اللائحة بموجب قرار الهيئة رقم 6 لسنة 2017 بإضافة مادة جديدة تحت رقم 60 (مكرر) تنص على أن «يكون التداول والتصويت على مشروع الدستور بابا بابا». ففي الجلسة 73 (يوم 29/7/2017) التي لم تستمر أكثر من 15 دقيقة، قام مجموعة من الأعضاء بمحاولة تعديل هذه المادة، مرة أخرى، بحيث يصبح التصويت على المشروع كـ «حزمة واحدة»، إلا أن هذا الطلب تم رفضه لأنه لم يتحصل على الأغلبية المطلوبة (الثلثين + 1)، وبذلك بقي التصويت والتداول على أساس “بابا بابا”. بالرغم من ذلك تم عقد الجلسة 74 (في نفس اليوم) التي استمرت حوالي 20 دقيقة ولم تُقفل رسميا. صوت المجتمعون فيها على المشروع كـ «حزمة واحدة» وأعلنوا بذلك النصر والاحتفال. وعليه فالشفافية يجب أن تكون هي العنوان ونقطة الانطلاق، لكي تكون عملية طرح المشروع للاستفتاء صحيحة وواضحة وتوافقية وغير مضللة لأبناء الشعب.

2 – الاستفتاء: بمعني ضرورة الالتزام بكل المتطلبات الأساسية لعملية الاستفتاء من أجل إنجاحها. وبمعني آخر، لابد أن يعي الجميع أن عملية طرح المشروع للاستفتاء ليست مجرد أن تحدد يوما وتطلب من المشاركين أن يقولوا «نعم» أو «لا» حول مشروع لم يشاركوا في كتابته، ولعل بعضهم لم تتح له الفرصة حتى لقراءته. فهل يُعقل أن يُطلب من المواطن البسيط أن يصوت بـ «نعم» على مشروع دستور، كحزمة واحدة، دون أن يقرأه ولا يعرف مُحتواه.

3 – الاستغلال: بمعني يجب عدم السماح للسياسيين أو الحزبيين أو أي قوى أخرى في المجتمع استغلال مُعاناة الشعب – أي الصعوبات الاقتصادية والمالية والصحية التي يعيشها هذه الأيام، من أجل تمرير مشروع مَعيب وتحقيق أجنداتهم الشخصية أو الحزبية أو الجهوية أو العرقية. فعلى الجميع أن يعي أن الوثيقة الدستورية في حد ذاتها لا ولن تحل أزمات المواطن التي يعيشها، ولا ولن تُخلصه من الفساد والمفسدين، ولا ولن تحميه من عسكرة الدولة.

4 – التسيس: بمعني يجب أن يلتزم الجميع بعدم الزج بالقضية الدستورية في المعترك السياسي، مهما كانت الظروف أو الأسباب، وعلى الجميع أن يعوا أن استغلال أي قوى للعملية الدستورية والعمل على تسيسها، لن يقود إلا لتشويهها وإفشالها وربما، لا سامح الله، إلى إجهاض عملية بناء الدولة الحديثة التي يحلم بها الجميع.

الالتزام بالخطوات الثلاث في اعتقادي، من الممكن أن يؤدي إلى توافق حول مشروع الدستور، وتحقيق نتائج يقبل بها الجميع خلال مدة لا تزيد عن خمس وأربعين يوما. وهذه الخطوات هي:

1- تشكيل «لجنة تحكيم» تتكون من شخصيات وطنية ونزيهة ومستقلة وغير جدلية، على أن تشمل هذه اللجنة خمسة عشر عضوا، يختار كل إقليم من الأقاليم التاريخية الثلاثة خمسة أعضاء كممثلين له، بشرط ألا تعترض الأقاليم الأخرى على أي واحد منهم. (ومن أجل عدم تسيس هذه العملية، أقترح أان تقوم مثلا المجالس البلدية مجتمعة في كل إقليم باختيار ممثلي الإقليم). وأن يكون العمل الأساسي والوحيد لهذه اللجنة مُنحصرا في الآتي:

* تقوم اللجنة بحصر المواد الخلافية التي يعترض عليها أعضاء الهيئة المعارضون للمشروع، على أن تتم هذه العملية في مدة لا تزيد عن سبعة أيام من تاريخ اختيار هذه اللجنة.
* تعتبر اللجنة المواد التي لم يعترض عليها أحد، مواد توافقية يتم تضمينها للمشروع الذي سيُعرض على الشعب للاستفتاء عليه.
* تقوم اللجنة، بعد حصر المواد الخلافية، بالاستماع لكل الأطراف، المؤيدين والمعارضين، في جلسات مفتوحة ومنقولة على الهواء من خلال الإعلام.
* تقوم اللجنة بتخصيص وقت محدد للنقاش، على أن تخصص ساعة واحدة فقط (تُقسم بالتساوي بين الطرفين) لنقاش كل إشكالية.
* يكون النقاش علنيا ويتم نقله على محطات الراديو والقنوات الفضائية، لكي يتعرف المواطن البسيط على نقاط الاختلاف في المشروع والحلول المطروحة للتعامل مع كل منها.
* بعد الاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، تقوم اللجنة بالفصل في هذه المواد الخلافية، وتتخذ قراراتها بالتوافق، وفي حالة عدم الوصول إلى توافق، يتم اتخاد القرار بأغلبية الثلتين زائد واحد (أي بأغلبية 10 + 1) من مجموع أعضاء اللجنة.
* ضرورة اعتبار حكم اللجنة نهائيا ومُلزما لجميع الأطراف، واعتباره حلاً توافقياً للإشكاليات، وتتم إضافته إلى بقية المواد المتوافق عليها في المشروع.

2- بعد الانتهاء من الخطوة الأولى، يتم الرجوع، فيما يتعلق بالإشكاليات المُتبقية، لما نص عليه دستور 1951، واعتبار ما ورد في هذا الدستور هو الحل التوافقي والنهائي لهذه الإشكاليات، وتتم اضافة المواد المتوافق عليها إلى المشروع.

3- يتم الذهاب للشعب للحكم وقول الكلمة الأخيرة في الإشكاليات التي لم يتم التوافق عليها. بمعني في حالة عدم مقدرة أعضاء اللجنة على الوصول إلى توافق حول ما تبقي من الإشكاليات، وأيضا عدم وجود حلول توفيقية لها فيما نص عليه دستور 1951، يتم أخذها إلى الشعب للاستفتاء عليها. وبمعني آخر، يجب أن يُترك الأمر للشعب لاختيار الأصلح من بين الحلول المعروضة خلال عملية الاستفتاء، أو أن يتم التوافق على ترحيل ما تبقي من إشكاليات لمرحلة مستقبلية قادمة بعد الاستفتاء على المشروع.

الخلاصـة، أنا على يقين بأن هذه الخطوات العملية الثلاث ستمكننا من حل الإشكاليات وإنجاز دستور توافقي في أسرع وقت ممكن. وعليه، فالواجب الوطني والأخلاقي يحتم علينا مناقشة وشرح الإشكاليات العالقة في هذا المشروع للمواطن البسيط الذي سيشارك في عملية الاستفتاء، حتى يستطيع اتخاذ قراره بكل وعي وإدراك. وإذا لم يتم ذلك فحتما سيقود هذا المشروع إلى المزيد من تقسيم المقسم، وخلط المخلوط، وتكريس الجهوية والقبلية والعرقية والمحاصصة المقيتة، وربما سيكون، لا سامح الله، هو المعول الذي سيقضي على الحُلم بان يكون لنا وطن. فهل في الإمكان العمل بهذه المبادرة ومحاولة القيام بما نستطيع؟

أدعو الله أن يتحقق ذلك

المصدر : الوسط بتاريخ 01 ديسمبر 2020

لقراءة الخبر من مصدره اضغط هنا     

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق