بورتريه

الروائیة أحلام مستغانمي تكتب عن الدكتورة توحیدة بالشیخ وعن تونس..

ّ لم أصدق ّ وأنا أقرأ اسمھا في تقریر مصور، ُ یعلن أن الدولة التونسیة اختارت أن تكون صورتھا على عملة العشرة دنانیر . أعدت ّ قراءة الإسم ، وعندما تأكدت منھ وجدتني أبكي  ً بإمكاني أخیر ّ ا أن أتعرف على ملامحھا .

ھاھي ذي توحیدة بن الشیخ أخیرا !

یا لھ من اختیار موفّق ، أن تكون ً الدكتورة توحیدة بن الشیخ رمز ٍ ا لتكریم مزدوج للمرأة التونسیة ُ ، و ل” ح ِ ماة الح َم ّ ى” العاملین في المجال الصحي في مواجھة الكورونا .

ٌ بیني وبین ھذه المرأة حبل ّ سري ، ھي التي قطعتھ لتُخرجني إلى الحیاة ،ھي من سمعت صرختي الأولى ، ھي من عایشت َ مخاض أمي ، ھي من طمأنت أبي .

لم یكن ّ بورقیبة رئیسا بعد، بل زعیما یقود تونس بأفكاره التقدمیّ. ّ ة ، و كانت توحیدة بن الشیخ عائدة لتوھا من كلیّ ّ ة الطب في فرنسا ، وكان أبي بمحاذاة نضالھ ّ الجزائري ،

ّ بورقیبي ّ الھوى ، دستوري الإنتماء . كان یُ ّصر أن أولد في المستشفى لا في البیت ، على ید أول طبیبة تونسیة ، بل ّ وربما أول طبیبة في المغرب الكبیر كلّھ ، لكأنّھ في انحیازه للعلم كما للمرأة ، كان یریدني مذ مولدي من الأوائل .

تلك التي سترون بعد الآن صورتھا على الأوراق النقدیّة ، لي قرابة بھا . حفظت اسمھا ، بعدد المرات التي سمعت أمي تذكرھا باسمھا الصغیر، حتى آخر سنوات حیاتھا . فقد كانت ” توحیدة ” إحدى مفاخر أمومة أمي ُ وأنوثتھا ، و أجمل ذكریاتھا ، حتى خلتھا صدیقتھا ، فقد ولدت أنا وأختي صوفیا على یدھا. و ذلك الرضیع الذي ترونھ على الورقة النقدیة بجوارھا في قماطھ ، لعلّھ أنا . كنت أصغر من أن أشكرھا ، فلا أنا كنت أعرف من تكون، ولا ھي كانت تدري ماذا سأغدو .

ُ تلك المرأة التي كانت أیضا طبیبة أطفال ، و التي كبرت على یدھا ، لم تكن سوى تونس ، الأم الحاضنة لنا في منفانا ، والتي أھدتني حواسي الخمسة ، و أصغت إلى أولى كلماتي ، و رأتني وأنا أخطو أولى خطواتي ، وأطرب مذ طفولتي ُ لصوت علیة وعلي الریاحي ،و أرضع ّ حلیب أمي وأنا أتشمم رائحة الیاسمین، الذي

كانت تقطفھ من حدیقتنا الصغیرة ، و تخبّؤه تحت ّ الوسائد ، لتعطر سریرھا .

أتوقّع أن تكون توحیدة على مدى طفولتي ، قد قامت بوزني ّ لتتأكد من نُ ُمّو ّ ي الطبیعي ، ِ ولم تدري ّ بما سیحملھ جسدي الصغیر لاحقا من أحزان ھذه الأمة . فما كان الحزن بعد یثقلني . الأحزان حمولة عربیة متأخرة ، كبرت معي .

حال انتھائي من قراءة الخبر ، أسرعت أبحث عن تاریخ رحیلھا . أأكون أخلفت موعدي معھا سنة 2010 یوم حضرت إلى تونس بعد أربعة عشرة سنة من الغیاب ؟

كنت جئت على عجل بطلب من ّ تلامیذ أبي القدامى الذین تقدم بھم العمر، و كرجال زمانھم ظلّوا على نفس القدر من الوفاء لمعلّمھم .وعندما علموا من الأنترنیت

بأني ابنة محمد الشریف مستغانمي ،اتصلوا بي مستعجلین حضوري ّ قبل الرحیل،عارضین تكریمھ ، بإطلاق اسمھ على الصف الذي كان یدرس فیھ .

كان یعنیني أن أعرف ،ھل أثناء وجودي بتونس مشغولة بتكریم أبي ، كانت توحیدة تقیم في المدینة نفسھا ، ولم أدري بذلك . ألم یكن من الأولى ّ أن أكرمھا ولو

بقبلة على جبینھا ، نیابة عن كل من ولدوا على یدھا َ ولم ترھم . ّ وأن أرد جمیلھا بما یسعدھا ، وھي على قید الحیاة ؟

أیعقل أن أكون أخلفت موعدي معھا بفرق بضعة أشھر لا غیر !

ّ كنت سأضمھا طویلاً ، وأسألھا وھي أمي الأخرى ، عن أمي ، ھل تعذّبت یوم أنجبتني ؟ وھل حقً

ُ ا ولدت ّ داخل كیس غشائي ، وھو أمر نادر ویجلب الحظ كما

ّ تردد أمي ، لذا جاء الخیر كلّھ بمجیئي ؟ كنت سأسألھا عن فرحة أبي الغامرة یوم ولدت . . عن أول كلمة قالھا یوم علم بأنھ رزق ببنت . . ُ وھل أھداھا كتبا ،

كعادتھ عندما یلتقي بمن یشاركھ أفكاره؟ ولمَ

ّ لم تقنعھ بأن اسم “أحلام” أكبر من أن تحملھ ّ طفلة ، فلا یحملني وزر أحلامھ .

كنت سأقبّل یدھا وأبكي . یدھا السخیّة العزلاء ، التي رفعت وطنً

ِ ا دون أن تساومھ على ع ُ لمھا ، یدھا التي ما تعلّمت لكي تكسب ِ ، بل لتھب ، فكثیرا ما عالجت

توحیدة الفقراء ّ والمعوزین دون مقابل ، ودون أن تمن بشيء على الوطن . ھي فقط كجیلھا لبّ ّ ت نداء النشید الوطني التونسي ” ھلم ّ وا ھلموا لمجد الزمن ” .

ّ الدكتورة توحیدة بن الشیخ ، أم ّ الفقراء ، وأم ّ الشعراء ، وأم تونس البھیّة الخضراء ، ما كانت لتفوز بھذا المجد في عھد آخر غیر ھذا . عھد أعطى فیھ الرئیس

قیس سعید عن نزاھة نادرة ، إجازة لزوجتھ من القضاء ، قبل حتى أن یفوز بالرئاسة ، ُمعلناً ّ بأن ّ كل امرأة في تونس ھي ” سیّدة تونس الأولى ” وتكریماً لھن ،

أخرج إحداھن من زمن النكران ، ونفض عنھا غبار النسیان ، ووضعھا تحت الأضواء الأبدیّة، لتغدو أول امرأة عربیة تزیّن صورتھا ورقة نقدیّة !

تونس . .أیتھا السبّاقة المذواقة ، یا سیّدة الأصالة والثقافة .

كم نباھي بك !

أحلام محمد الشریف مستغانمي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق