تحاليلليبيا

ليبيا: مسارات التفاوض بين التضارب والتكامل

بقلم : علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

رغم التفاهمات المُنجزة في ضواحي العاصمة المغربية وفي “الغردقة” وفي “منتريو”، وفي ظل التفاؤل الحذر بالذهاب أخيرا لحل سياسي ليبي يُنهي المرحلة الانتقالية، الا أن تعدد مسارات التفاوض الليبية والتحركات الميدانية الموسومة بالغامضة والسعي المحموم لبعض حلفاء الجنرال المتقاعد “خليفة حفتر” عبر سياسات وخطوات الإرباك والتشويش على الحوارات الجارية، كل ذلك يجعل الحذر والشك أقرب للليبيين سواء كمواطنين أو كأطراف سياسية واجتماعية وعسكرية والتي يبدو أن أغلبها ساع منذ أكثر من سنة في البحث عن حلول والعمل على إنهاء الصراع المحتدم منذ منتصف 2014، ولكن اين تلتقي تلك المسارات وأين تتكامل ومقابل ذلك اين تتضارب ومن يقف وراء ذلك التضارب؟

*** حيثيات مسارات التفاوض

• أولى المسارات هو ذلك المترتب عمليا عن مؤتمر برلين، والذي كانت آخر حلقاته مؤتمر دولي عبر “الفيديو” أي في بداية الأسبوع الحالي (الاثنين 5-10-2020)، والمقصود هنا هو المؤتمر الذي وُسم إعلاميا بمؤتمر برلين 2 والذي خصص أساسا للمسألة الاقتصادية حتى أن وزير الخارجية الألماني “هايكو ماس” قد أكد على نتائجه بأن ثمة “مؤشرات لدى طرفي النزاع للانتقال من المنطق العسكري إلى المنطق السياسي”.

• قبل ذلك المسار، انطلقت كما هو معلوم مُشاورات أخرى بين طرفي النزاع في “مونترو” بسويسرا وهي المشاورات التي فتحت الطريق أمام تسجيل تقدم جديد من خلال التوصل إلى اتفاق بشأن تنظيم انتخابات في غضون 18 شهرا، وكانت أولى النتائج المترتبة عن تلك المشاورات هو استقالة حكومة “الثني” (غير معترف بها دوليا)، كما أعلن رئيس وزراء حكومة الوفاق فايز السراج إثرها مباشرة أنه مستعد للتنحي بحلول نهاية أكتوبر/تشرين الأول، وهي تطورات رأى فيها “غوتيريش” دوافع رئيسية لاستئناف الحوار.

• مباشرة بعد لقاء “مونترو” تمكن برلمانيون يمثلون طرفي الصراع في بداية الأسبوع الثاني من سبتمبر/أيلول في ضاحية بوزنيقة (إحدى ضواحي العاصمة المغربية) إلى اتفاق على طُرق وآليات وشروط تقاسم المناصب على رأس مؤسسات الدولة بالإضافة إلى إعادة توحيد تلك المؤسسات، واعتبر المسار موفق عموما، خاصة بعد توقيع الوفدين مساء الثلاثاء الماضي (06-10-2020)، لاتفاق بشأن معايير اختيار المناصب السيادية بعد أن حاولت أطراف إقليمية ودولية افشال المسار لوجستيا سواء عبر الضغط على بعض مشاركين أو القول أنه مسار غير معترف به أمميا أو من خلال اربكات هنا وهناك، الا أن تحركات السفير الأمريكي في باريس والغردقة ولقاءاته المتعددة وحرص الدبلوماسية المغربية وفطنتها وعملها الدؤوب أوصلت المسار لنهايته المرتقبة بحيث تم إنهاء وتثبيت اتفاق تطبيق المادة 15 من اتفاق الصخيرات (الموقع في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2015)، وهي أحد الأمور الأساسية لتوحيد المؤسسات”.

• وبالتوازي مع المسارات السابقة بدأت في مصر مفاوضات بين ممثلين عسكريين من الطرفين منذ نهاية سبتمبر/ أيلول الماضي بتمهيد الطريق لوقف دائم لإطلاق النار، حيث عقدت في “الغردقة” المحادثات الأمنية والعسكرية بين وفدي طرفي الصراع وتم الخروج بعدة توصيات كشفت عنها بعثة الدعم للأمم المتحدة التي رعت المحادثات وتضمنت الإسراع بعقد اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 بلقاءات مباشرة، والإفراج الفوري عن كل من هو محتجز على الهوية من دون أي شروط أو قيود.

*** تعدد المسارات بين التكامل والتضارب

• مما لا شك فيه أن كثرة المبادرات قد تؤدي إلى تصادمها، مثلما هو الأمر بالنسبة لمشاورات “جنيف” التي تقودها الأمم المتحدة لاختيار مجلس رئاسي جديد ورئيس حكومة، والتي تتقاطع مع مشاورات “بوزنيقة”، إضافة الى وجود تنافس ضمني بين بعض دول شمال إفريقيا لاحتضان المشاورات الرئيسية لحل الأزمة الليبية (مصر – المغرب – الجزائر) مقابل تردد بعضها في احتضان الحوارات (تونس – السودان – موريتانيا)، ويجب الاشارة ال أن المملكة المغربية أعلنت الإثنين 5 أكتوبر/تشرين الثاني 2020، عدم المشاركة في “مؤتمر برلين 2” حول الأزمة الليبية، عبر تقنية التواصل المرئي، برعاية ألمانيا والأمم المتحدة.

• في سياق ثان أجرت المبعوثة الأممية العديد من المقابلات التحضيرية مع العديد من الكتل السياسية الليبية على غرار الالتقاء مع ممثلين عن حزب العدالة والبناء المحسوب على الإسلاميين، وممثلين عن رئيس برلمان طبرق “عقيلة صالح” وممثلين عن أنصار النظام السابق، وممثلين عن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، وهو ما يعني أن مشاورات المغرب قد لعبت أدورا تقريبية مهمة ولكنها ستبقى في نظر البعض خطوة لتقريب وجهات النظر فقط وحسب الرأي الأخير فان المسار السياسي الذي ستعتمده البعثة هو مسار سويسرا، ومعلوم أن هذا المسار تدور نقاشات بشان نقله الى تونس ولكن يبدو أن الحذر والتردد التونسي قد ينقله لمالطا أو احدى ضواحي العاصمة المغربية مجددا ، ومعلوم أن الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا بالإنابة قد لوَّحت بوضوح كبير بورقة فرض عقوبات دولية على كل الأطراف السياسية التي تسعى لعرقلة المسار السياسي الذي ترعاه بعثة الدعم في ليبيا..

• مما لا شك فيه أن تعدد المسارات وان كان يؤكد حرص بعض الأطراف الدولية والإقليمية على تجاوز الوضع الحالي، فانه يعكس عمليا حجم التفتت داخل كل فريق ليبي ويؤكد أيضا توازن الضعف محليا وإقليميا ودوليا، وهو ما حدا بفريق مجلس النواب في العاصمة طرابلس إلى رفض تهميشه في بعض مسارات التفاوض رغم أنه يضم أغلبية النواب (أكثر من 80 نائباً من إجمالي 188)، مقارنة بمجلس النواب في مدينة طبرق (شرق)، برئاسة عقيلة صالح (نحو 26 نائباً)، والموالي ضمنيا للجنرال “حفتر”.

• المؤكد أن الإدارة الامريكية ورغم تضارب الخيارات داخلها في لعلاقة بين المحورين الاقلميين تعتبر أن ما يجري في مشارات التفاوض إيجابي وأن التعدد هو للتكامل وتعتبرهها مسارات متكاملة للوصول للنتيجة وأنها كادارة قد القت بكل ثقلها للوصول لحل الازمة وانهاء المرحلة الانتقالية لعل الخطوات المكوكية للسفير هي أكبر دليل على ذلك

• يبدو الرأي المطالب بالذهاب للانتخابات مباشرة ضعيفا كما يبدو أن خطوات الارباك والتحشيد واللويح وبتحريك الآليات العسكرية هنا وهناك (اقتراب قوات تابعة لحفتر من “الشويرف”، تلويح بعض أطراف بالسيطرة على المعابر الحدودية عبر اللعب على التوازنات بين بعض مدن، نقل المعدات والمرتزقة بأعداد كبرى نحو “الجفرة”)، هي مُجرد أوراق للضغط على المسارات وكسب نقاط لهذا الفريق المفاوض أو ذاك)…

• ان فكرتي “تكرار سيناريو 4-4-2019” و “تطعيم حكومة الوفاق مرحليا” تبدوان فكرتين ضعيفتين وغير مُحبذتين رغم أنهما تقومان وتخدمان آليا فكرة أن “أي حل في الوقت الراهن لن يخدم بالأساس سوى تركيا وروسيا دون غيرهما من القوى الدولية في ليبيا”، لأن هناك سعي ليبي قوي وآخر دولي وبالأساس أمريكي لإنهاء الأزمة، كما أن هناك رغبة مصرية كبيرة في إيجاد حل سياسي ولو مرحلي وهي رغبة قائمة بناء على وجود تباينات كبيرة ورئيسية حاليا مع الحليفين داخل نفس المحور الإقليمي (أي السعودية والامارات)، وهو ما يعني في الأخير أن نموذج تونس سنة 2014 سيتم نقله مع مراعاة خصوصية الساحة الليبية عن نظيرتها التونسية وان منطق انتاج “القذافي 2 أو صنع “سيسي ليبيا” فكرة قد قبرت نهائيا ….

المصدر: صحيفة24-24بتاريخ8 اكتوبر2020

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق