دراسات

هل يفسر الفقر وتراجع مستوى التعليم استمرار الإرهاب؟ (1/ 2)

لقد تحولت ثورات الربيع العربي التي انطلقت من تونس نهاية العام 2010، إلى علامة فارقة في التاريخ السياسي العربي الحديث والمعاصر، ليس فقط لأنها نفضت الغبار عن قرون طويلة من الاستبداد السياسي والفكري لجهة إعادة ملف الحكم وأدواته إلى الواجهة، وإنما لأنها أحدثت تحولا جذريا مس مختلف جوانب حياة المجتمعات العربية بمستوياتها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

ولقد مثل صعود الإسلاميين إلى الحكم بعد عقود طويلة من العمل السري والمعارضة وما تقتضيه من مكابدة ومعاناة، واحدا من أهم علامات هذا التحول، وإن كان هذا الصعود قد صاحبه أيضا معارضة شديدة لا زالت فصولها جارية إلى اليوم في شكل صراعات دموية في أكثر من مكان..

وعلى خلاف ما اعتقده كثير من المتابعين لشؤون التحول السياسي في منطقتنا، من أن مرحلة الربيع السياسي ربما تكون مدخلا لإنهاء كثير من مظاهر العنف والإرهاب التي حصلت في عهود الاستبداد السياسي، فإن عمليات العنف استمرت سواء في شكل عنف تقوم به مؤسسات الدولة تجاه مواطنين عزل يتظاهرون فقط من أجل الحرية والكرامة، أو في شكل عمليات إرهابية بغايات سياسية.

“عربي21″، وفي السياق تنشر مناظرة فكرية بين خبيرين مغاربيين بشؤون الحركات الإسلامية والتحولات الفكرية، في قراءة جذور الظاهرة الإرهابية وتحولاتها، بالإضافة إلى أهدافها وسبل مواجهتها. الأولى للكاتب والباحث التونسي توفيق المديني والثانية للكاتب والباحث المغربي بلال التليدي.

الإرهاب يضرب في تونس مجددا

فيما كانت تتأهب تونس للدخول في تحول سياسي جديد، لاسيما بعد نيل حكومة هشام المشيشي الثقة من البرلمان، شهدت مدينة سوسة عملية إرهابية جديدة، حين تعرض عون من الدرك الوطني، صباح الأحد 6 أيلول (سبتمبر) الماضي، إلى عملية دهس من قبل مجموعة إرهابية، وذلك على مفترق القنطاوي في محافظة “سوسة” الساحلية، ما أدَّى إلى مقتل أحدهما، فيما تم القضاء على ثلاثة إرهابيين، واعتقال العنصر الرابع.

وكانت منطقة سوسة قد شهدت في حزيران (يونيو) 2015 هجومًا على فندق سياحي في مرسى القنطاوي أوقع 40 قتيلاً، و38 جريحا، من جنسيات مختلفة، ألمانية وبلجيكية وبريطانية، وقتل على إثره منفذ الهجوم الإرهابي الذي كان منفردا، ووصفت تلك الحادثة بـ”الأسوأ والأكثر دموية”، حيث عبرت عدة دول عن تضامنها مع تونس.

لقد اغتال الإرهاب “الداعشي” الدين الإسلامي بداية، ثم اندفع يغتال الدولة التونسية بكل مؤسساتها، والمجتمع التونسي بكل مكوناته، وحوّل الإسلام التونسي المعتدل والمتسامح إلى وحشٍ أسطوريٍّ كاسرٍ يمتهن تدمير الدولة والمجتمع التونسيين، وحوّل الإنسان التونسي الفقير والمهمش في المحافظات (الولايات) الفقيرة، وفي الأحياء الفقيرة المتاخمة لتونس العاصمة، ولبعض المدن التونسية الكبرى إلى سفاحٍ ومجرمٍ يحترف القتل الجماعي بغير تمييز بين الرجال والنساء، بين الأطفال والشيوخ، وبين التونسيين وغير التونسيين، وبين المسلمين وأتباع الأديان الأخرى. وجعل “الإسلام” وحشاً ضارياً يحترف اغتيال الحضارة العربية في كل الدول العربية.

استفاد الإرهاب “الداعشي” من تهالك النظام الديكتاتوري السابق، ومن الاختراق الأمني الكبير للأجهزة الأمنية التونسية في عهد حكم الترويكا، ومن فشل الحكومات المتعاقبة المريع في حماية أحلام الشعب التونسي في بناء دولته الوطنية الديمقراطية التعددية، حيث اغتال الإرهاب، زعماء المعارضة الديمقراطية حَمَلة الأفكار المبشرة بغد أفضل، العاملين لإخراج الناس من ليل التخلف والجهل والدكتاتورية.

بات الإرهاب “الداعشي” يعرف أكثر مما يجب عن النظام التونسي الوليد بعد الثورة، لا سيما عن المؤسسة الأمنية، والمؤسسة العسكرية، والمؤسسة القضائية، والتهريب بشبكاته المنتشرة والمتفرعة، وكذلك مفاتيح السلطة فضلاً عن مصدر القرار، شبكة الاتصالات ومجالات الحركة بالحلفاء والمتعاونين والخصوم الذين لا بد من إرجاء الصدام معهم، ولو إلى حين، وكذلك “الأصدقاء” ممن يمكن أن يبيعهم من كيسهم عن خصومهم الفعليين أو المحتملين على قاعدة: أعطيني، فأعطيك..

ويرى الخبراء المتخصصون في دراسة الحركات الجهادية المتشددة، أنَّ هذه العمليات الإرهابية أصبحت تتزامن مع التحولات السياسية الهامة التي تشهدها البلاد، مثلما حصل بعد تسلم مهام الحكومة من الرئيس الأسبق، الحبيب الصيد، أو خلفه يوسف الشاهد، ثم مع حكومة الفخفاخ والآن مع المشيشي.

الإرهاب “الداعشي” أصبح خطراً وجودياً، يحتاج إلى تبني استراتيجية وطنية لمحاربته، تنخرط فيها، الدولة، بكل مؤسساتها، والشعب التونسي، والأحزاب السياسية، ومكونات المجتمع المدني، من أجل القضاء على هذا الخطر الوجودي. الإرهاب عدو الحياة وأبناء الحياة في تونس وفي كل العالم العربي. والحرب ضد الإرهاب طويلة… والشعب التونسي، الذي يمتلك مجتمعًا مدنيًا راقيًا ومتحضرًا قادر على هزيمة الإرهاب، الذي أطلقت عملياته الأخيرة العدّ العكسي لانتحاره. لكنَّ هذا الانتحار لن يكون سريعاً إطلاقاً، وسيجلب معه الكثير من الدماء داخل تونس وخارجها. الإرهاب ينفذ الآن أعمالاً إجرامية استعراضية دموية يختم بها مسيرته، ويُلهم عبرها جيلاً جديداً ممن ينهلون أفكارهم من بعض كتب التراث، التي تشتري عقولاً بأموال نفطٍ وألسنة دعاةٍ.

القاعدة الاجتماعية للجماعات الجهادية، البؤس، والتهميش

يؤكد علماء الاجتماع، والمحللون المتخصصون في دراسة الحركات الإسلامية، أنَّ القاعدة الاجتماعية التي تستند إليها السلفية الجهادية، غالبا ما تكون من الفئات الاجتماعية الفقيرة، التي تعاني من تدني مستوى تعليمها، ومحدودية تكوينها الثقافي، ومن التهميش الاقتصادي. وفي مثل هذه البيئة الفقيرة والمهمشة، انبثقت الأصولية الجديدة المتمثلة في السلفية الجهادية التكفيرية، التي لا تحارب الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني، بل إنّها تدين الأنظمة العربية الحاكمة، باعتبارها أنظمة كافرة ومرتدّة، حسب زعمها.

التيار السلفي الجهادي بشقيه العلمي والعملي، لا يؤمن بأي نوع من المشاركة في العملية الديمقراطية، فهذا الأمر مرفوض من وجهة نظره من الناحية الفكرية والعقدية. ويلجأ التيار السلفي الجهادي التكفيري إلى استخدام العنف السياسي ضد الأنظمة العربية من أجل إرغامها على “العودة إلى شرع الله والمجتمع النبوي للإسلام الأول. ولا يسعى فقط إلى الإطاحة بالأنظمة الفاسدة وغير الشعبية بل إلى تطهير النظام السياسي القائم. وكانت حركة “التكفير والهجرة” قد ظهرت إثر انشقاقٍ في السبعينات في جماعة الأخوان المسلمين المصرية لتكون حاملة لأكثر الإيديولوجيات دعوةً للعنف في العالم الإسلامي ابتداءً من التسعينات على وجه الخصوص.

وقد مثّل هذا التوجه قطيعةً مع سائر التيارات الإسلامية النازعة إلى المشاركة في الحياة السياسية الشرعية من أجل إقامة الدولة الإسلامية من خلال الانتخاب عند الضرورة. ويطلق على هذه الحركة اسم السلفية التكفيرية.

لقد أسهم اشتداد الظلم الاجتماعي، وتكريس التفاوتات الشديدة في الدخل والثروة بين الفئات الاجتماعية، وبين المناطق الساحلية والمحافظات الداخلية الممتدة من الشمال الغربي إلى الجنوب، في تنامي الظاهرة السلفية الجهادية في تونس.

لا يمكن لنا أن نفهم انبثاق ظاهرة السلفية الجهادية من دون أن نتطرق للبنية الاقتصادية الاجتماعية التي أفرزتها في تونس، ذلك أنَّ السياسة الليبرالية الاقتصادية التي سارت فيها تونس منذ بداية عقد السبعينيات من القرن العشرين، عجلت بانتقال تونس إلى شكل الرأسمالية التابعة والطرفية، حيث يحتل فيها الرأسمال الأجنبي دوراً أساسياً في عملية الانتقال هذه، على حساب تدمير الاقتصاد الوطني.

ومن الناحية العملية، قادت هذه السياسة الاقتصادية، الاقتصاد التونسي إلى أزمة عميقة ابتداء من العام 1977، واشتدت في العام 1986، وأضرت بمصالح العمال، والفلاحين الفقراء، ضرراً شديداً، عندما صعدت هذه الرأسمالية هجومها على الطبقات الشعبية الكادحة، وأجبرت قسماً كبيراً من سكان الأرياف على النزوح والهجرة لبيع قوة عملهم بأبخس الأثمان في السوق الرأسمالية العالمية. ثم إنَّ هذه السياسة الاقتصادية التي تمت على حساب إفلاس الجماهير الفلاحية الفقيرة، قادت إلى هجرة كثيفة من الأرياف التونسية باتجاه أحزمة المدن الكبرى، لا سيما في تونس العاصمة، وسوسة (التي عرفت هجرة مكثفة من أرياف ثلاث محافظات فقيرة: القصرين، والقيروان، وسيدي بوزيد)، وصفاقس.

وفي عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، انتهج النظام سياسة اقتصادية قوامها اندماج الاقتصاد التونسي في نظام العولمة الليبرالية مع مطلع التسعينيات من القرن العشرين، وعمادها تحرير التجارة مع بلدان الاتحاد الأوروبي في نطاق الشراكة التي أبرمتها تونس في 17 تموز / يوليو 1995. فتعزّزت القيم الاستهلاكيّة مع غزو سلع، كانت تُعدّ من الكماليّات، للأسواق التونسية.

وكان من مظاهر سياسة الانفتاح هذه، تعمق الفوارق الاجتماعية بين الطبقات الاجتماعية، وتركز التنمية في المناطق الساحلية الشرقية مثل (المنستير وسوسة والمهدية، وصفاقس)، كما في الشمال (بنزرت)، أي في المناطق ذات التقليد التجاري الكبير، حيث تترجم في المقابل أسماء العائلات والانتماءات الاجتماعية الدور الرئيسي للروابط المهنيّة القديمة. وأهملت السلطة التونسية العديد من المحافظات الداخلية الواقعة في الشمال الغربي (باجة جندوبة الكاف)، والوسط الغربي (القصرين سيدي بوزيد)، والجنوب (قفصة ومدنين).

إنّها الخاصية التي تتميز بها تونس المنقسمة مناطقياً وجهوياً، والخاضعة لقانون التطور اللامتكافىء على صعيد التنمية، وعلى صعيد التوزيع غير العادل لفوائد النمو والتنمية، بين المناطق الشرقية، الواقعة على الشريط الساحلي، والمناطق الداخلية،إذ ظلَّ هذا التفاوت الموروث من فترة حكم الرئيس الحبيب بورقيبة (1956 ـ 1987) يتعمق طيلة العقدين الماضيين.

وبهذا المعنى نفهم لماذا انطلقت هذه الثورة الاجتماعية غير المسبوقة من الوسط الغربي، وانتشرت أساسا في المناطق المحرومة التي تُعاني من التهميش. وفي أجواء الشعور بالحيف الجهوي والغبن الساري بين أبناء تلك المحافظات المنسية، ترعرعت مُسوغات التمرد الجماعي، ونمت الجماعات السلفية التكفيرية من أحياء الصفيح في المدن التونسية الكبيرة، مثل تونس العاصمة، وصفاقس، وبنزرت، وفي المدن الداخلية التي تعاني من البطالة.

لقد أسهم اشتداد الظلم الاجتماعي، وتكريس التفاوتات الشديدة في الدخل والثروة بين الفئات الاجتماعية، وبين المناطق الساحلية والمحافظات الداخلية الممتدة من الشمال الغربي إلى الجنوب، في تنامي الظاهرة السلفية الجهادية في تونس. فقد اقترن حكم بن علي البوليسي بحالةٍ حادّة من الإخفاق التنمويّ الذي كاد يقضي على الكرامة الإنسانية للغالبية العظمى من الشعب التونسي. ويتجلّى هذا الإخفاق في عددٍ من الظواهر السلبيّة، مثل تفشّي البطالة في أوساط الشباب الحاصلين على شهادات جامعية، أو الذين تخرجوا مبكراً من المعاهد الثانوية ولم يلتحقوا بالجامعات، واستشراء الفقر، وما يترتّب عليهما من تفاقم الظلم في توزيع الدخل والثروة.

ويرى الدكتور عبد اللطيف حنَّاشي، الباحث الاجتماعي المتخصّص في الحركات الاسلامية، أنّ محاولة النظام “مصادرة الفضاء العام دفع بالشباب إلى الانزواء في فضائهم الخاص، الذي يشكّل البيت جزء مهماً منه”. هناك تحوّلت دروس الدعاة المتشدّدين عبر الفضائيات الدينيّة إلى مراجع أعاد على أساسها الكثير منهم صياغة فهمهم للعالم والحياة.

ويبيّن بحث سوسيولوجي نادر، تناول ملفّات 1208 من المحكومين سابقاً في قضايا السلفيّة الجهاديّة، أنّ 89 في المئة منهم شباب، وأنّ 70 في المئة منهم إمّا عمّال (ذو دخل محدود) أو تلاميذ وطلبة (لا دخل ثابت لهم عموما).

ويشير حنّاشي إلى أنّ أغلب المشاركين في “خليّة سليمان” (نهاية 2006 ـ بداية 2007) أتوا من المناطق الداخليّة الفقيرة. وهو ما أكّده أيضا أبو عياض التونسي (أبرز قادة الجهاديّة السلفيّة الذي يَعترف ضمنياً بارتباطه بـ “القاعدة”) في مقابلة له قبل سنة مع الصحافي هادي يحمد، عندما زعَم أنّ 2500 جهادي في عهد بن علي كانوا من منطقة سيدي بوزيد، مهد الثورة. وإجمالاً، تُؤكّد الأحداث الواقعة بعد سقوط بن علي حقيقة تركّز الثقل الديمغرافي للسلفيين في الأحياء الشعبية للعاصمة وفي الجهات الداخليّة المحرومة. وهي المناطق نفسها التي طالما مثّلت معاقل لحركة النهضة أيضاً (1).‬

تشكل المناطق الشعبية، وأحياء الصفيح في المدن التونسية الكبرى، الحاضنة الاجتماعية للجيل الجديد من السلفيين التكفيريين المنبثقين من مناخ التهميش في أحياء التجمعات السكنية الفقيرة والمهمشة والمفككة الأوصال على الصعيد المدني والاجتماعي والثقافي. فقد تحولت هذه المناطق الشعبية الفقيرة جدّاً في المدن الكبرى، وكذلك المحافظات الفقيرة والمهمشة في تونس العميقة (الوسط الغربي، والجنوب)، التي تشكل في حد ذاتها “غيتوات “بائسة، بسبب انعدام مشاريع التنمية فيها، وغياب المرافق الضرورية للحياة الاجتماعية الكريمة، وانتشارالتجارة بالممنوعات والشطارة غير المشروعة فيها، إلى خزان بشري مُعِينٍ للسلفيين التكفيريين.

تشكل المناطق الشعبية، وأحياء الصفيح في المدن التونسية الكبرى، الحاضنة الاجتماعية للجيل الجديد من السلفيين التكفيريين المنبثقين من مناخ التهميش في أحياء التجمعات السكنية الفقيرة والمهمشة والمفككة الأوصال على الصعيد المدني والاجتماعي والثقافي.

وأصبحت الجماعات السلفيّة التكفيرية تستقطب بشكل أكبر وأسهل في أوساط شباب الأحياء الشعبيّة المحيطة بالمدن الكبيرة (العاصمة تونس تحديداً، وسوسة وصفاقس)، مقارنة بالجهات الداخلية والأرياف، وهي بيئات اجتماعيّة مشابهة، لجهة ارتفاع نسبة الفقر والتهميش والبطالة فيها. كما لعبت الهشاشة الأمنية وضعف وجود الدولة خاصة في الأحياء الشعبية الفقيرة دورا في جعل بعض الأطياف السلفية، لا سيما الجهادية التكفيرية تُعوّض الدولة وتُقيم “سلطتها” المحدودة على مناطق تعتبرها شبه محررة، وتقوم بعمل خيري ودعوي كثيف نسبياً مترافق مع عمل احتجاجي من طبيعة عنفية. وهذا ما يؤكد لنا قدرة هذه الجماعات السلفية التكفيرية على الاستمرار والإبقاء على فاعلية تعبوية حقيقية.

علينا أن نميز بين الإسلاميين المنضوين ضمن الشرعية السياسية على غرار حركة النهضة، الذين تلقى قسم كبير منهم تعليماً جامعياً حداثياً، وينتمون من الناحية الطبقية إلى الفئات الاجتماعية المتوسطة، وبين السلفيين التكفيريين الذين لا يمتلكون تعليماً جامعياً في معظمهم، وينحدرون من أصول اجتماعية فقيرة جداً، بحيث أنَّ الفروقات بين هذين النمطين من الإسلاميين، ليست تكتيكية فحسب، بل اجتماعية أيضاً.

فبينما تركز عمل الإسلاميين المعتدلين من حركة النهضة، ونشاطهم الدعوي، واستقطابهم التنظيمي لتوسيع قاعدتهم الاجتماعية، على المناطق التجارية الواقعة في قلب المدن القديمة التاريخية (تونس العاصمة، صفاقس، سوسة، باجة، القيروان) وشبان المناطق الصناعية والمجمعات السكنية الكبرى الفقيرة التي هجرتها الأحزاب ونقابات اليسار وحتى اليسار المتطرف من زمنٍ طويلٍ لتشهد منذ أكثر من عقدين من الزمن هيمنة المناضلين الإسلاميين التقليديين، انصب نشاط السلفيين التكفيريين المستلبين والخارجين من بيئات اجتماعية مفككة على المناطق الشعبية الأكثر فقراً التي تقع في أحزمة المدن التونسية، حيث لم يعرف سكان تلك المناطق سوى حياة الغيتوات البائسة والمليئة بالعنف وعوملوا معاملة الحيوانات المفترسة من قبل أجهزة البوليس في عهد النظام السابق، الأمر الذي جعل هؤلاء السلفيين التكفيريين بإسم مفهومٍ ضيقٍ للإسلام يلجأون إلى ممارسة العنف القاسي ضد النظام الديكتاتوري السابق، وضد مكونات المجتمع المدني الحالي في مرحلة الانتقال الديمقراطي.

هناك اختلافات سوسيولوجية وأنتروبولوجية ثقافية بين سكان الأحياء الشعبية المدينية التقليدية في المدن التونسية، حيث كان أبناء الوسط التاريخي القديم الأكثر فقراً يلجأون إلى التجارة غير المشروعة وأشكال التضامن التقليدية المعروفة في المدن الإسلامية القديمة، حيث تنتظم الحياة التشاركية للسكان حول المسجد والحمام والفرن والأسواق التجارية التقليدية، وأسواق الخضار. بينما نجد النازحين من الأرياف التونسية المقتلعين من بيئتهم الأصلّية، واستقروا في الأحياء الشعبية الفقيرة جداً في أحزمة المدن التونسية، عاجزين عن التحوّل إلى “بروليتاريا” صناعية بحكم عدم اندماجهم في أنشطة اقتصادية عصرية، وعاجزين أيضًا عن الانخراط ضمن روابط طوعية حداثية، وفي ثقافة مدينية، كما حدث في مرحلة “الثورة الصناعيّة” التي عرفتها الدول الرأسمالية الغربية، وهذا ما قادهم إلى مزيد من العزلة السكنية مع باقي أحياءالمدينة، إضافة إلى القطيعة مع باقي المجتمع، بعيدين عن أي مصدر ممكن للعمل وعن نشاط المدينة الاجتماعي، مستمرين بالحد الأدنى. فنمت كنتيجة لكل هذه العوامل مجتمعة الضواحي التكفيرية الموحشة، التي احتضنت السلفية الجهادية التكفيرية بوصفها ثمرة لتفكك الإسلام التقليدي، وليس انبعاثاً له.

هناك اختلافات سوسيولوجية وأنتروبولوجية ثقافية بين سكان الأحياء الشعبية المدينية التقليدية في المدن التونسية، حيث كان أبناء الوسط التاريخي القديم الأكثر فقراً يلجأون إلى التجارة غير المشروعة وأشكال التضامن التقليدية المعروفة في المدن الإسلامية القديمة،

ويقول الأمين البوعزيزي، الناشط الاجتماعي والباحث في الأنتروبولوجيا الثقافيّة، حول هذا الموضوع، بأنّ الأجيال الجديدة للعائلات النازحة منذ عقود قد فقدت مسبقاً كلّ ارتباط بالعائلة الموسّعة، وتحديداً بالقبيلة (“العرش” في الدارجة المغاربية) الباقية بهذه الدرجة أو تلك في بيئتها الأصليّة. فهناك، في المناطق الداخليّة، ما زالت “فوضى السوق” تُواجَه بالتضامنيات الوشائجية، إذْ يبقى الشاب في رعاية الأسرة بعد تخرّجه من الدراسة، أو حتى في حال فشله في استكمالها. وذلك عكس المدن الكبرى وأحيائها الشعبيّة، حيث يعجز نموذج الأسرة الضيقة على لعب دور الحماية والسند. وهو “ما يجعل الشابّ عرضة إلى تأطيرات أخرى تشعره بالانتماء”، كما يرى. ومن نتائج ذلك، حسب الباحث، أنْ ينكفئ شباب تلك الأسر على أنفسهم لينشئ تدريجياً “مدنًا مضادَّة وثقافةً مضادّة”، تتمظهر طوراً في “المِزود” (أحد أنواع الغناء المنتشر في الأحياء الشعبية)، وطوراً في فنّ “الرابّ” أو في الإقبال على المساجد. هذه المناخات مناسبة لنشوء وتبرعم المدّ السلفي الجهادي، فـ”حيث فشلت الحداثة يتبرعم ما قبلها”.

المصدر: عربي 21 ___ 01 اكتوبر 2020

تابع الخبر من مصدره الاصلي 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق