إصداراتالمغرب

عرض كتاب « صالح البكاري سفيرا بالمملكة المغربية »

صدر عن دار نظر للنشر كتاب « صالح البكاري.. سفيرا بالمملكة المغربية ». والكاتب صالح البكاري الجامعي ورجل السياسة والديبوماسي يستعرض في مؤلّفه تجربته في المغرب لمدة 13 سنة بين سنتي 1997 و2009، يتناول فيه الحياة السياسية ببلد الاعتماد والعلاقات التونسية المغربية والنشاط الديبلوماسي لممثلي بلدان العالم في المملكة خلال فترة حاسمة من تاريخ المغرب والمنطقة.

والكتاب جاء في 319 صفحة، قسّمه الكاتب إلى مقدّمة وستة فصول، وقدّم له الأستاذ حمادي بن جاءبالله أستاذ الفلسفة الحديثة وفلسفة العلوم بجامعة تونس.

مهمته كسفير بالمملكة المغربية عند تكليفه بالمسؤولية يلخّصها الكاتب في الصفحتين 152 و153 حين أكّد له رئيس الدولة عندما سلّمه أوراق الاعتماد : »أنت حر في كل مبادرة وأعوّل عليك. وعندما تعود في إجازة الصيف بعد أن تكون قد بحثت في أسباب شبه القطيعة مع هذا البلد الذي أحبه أودّ أن تعلمني بما تراءى لك وأن تقترح عليّ ما تراه من حلول لعودة العلاقات الثنائية إلى الصفاء ». غير أنه يكتشف أن هذه المهمّة اكتست أبعادا أخرى خطيرة لأنها توافقت مع استعداد بلد الاعتماد لترتيبات تسليم العاهل المغربي العرش لولي عهده محمد بن الحسن( محمد السادس لاحقا)، ومن ضمنها ترتيب البيئة الإقليمية المناسبة لهذا التغيير. ويشير الكاتب في الصفحة 213 إلى اقتناع المغرب بأنه محاط بجوار لا يرتاح إليه وربما لا يأمنه. وتونس هي الوحيدة في هذا الجوار التي لا يمكن أن يأتي منها الأذى. وأضاف: » ومما أكّد تقديري لحاجة المغرب إلى السند التونسي ما بلغني من الحاشية الملكية ونقلته إلى تونس في إبانه من قول الحسن الثاني إن بن علي هو الرّجل الوحيد الذي يعوّل عليه في المنطقة ».

هذان الحدّان أطّرا من جانب ومن آخر مهمّة السفير الجديد الذي هو إلى حد ما دخيل على العمل الديبلوماسي ولا يعرف بلد الاعتماد إلا كسائح. فضلا عن أن وزارة الخارجية لم تكن تساعده بالتوجيه والمتابعة كما ذكر في الصفحة216، تعليقا على ترتيب زيارة الرئيس زين العابدين للمغرب يومي 15 و16 مارس 1999 : »ترتيب تفاصيل الزيارة من الجانب التونسي رفع إلى رئيس الدولة فأقرّه. وما استرعى انتباهي أن لا أحد من وزارة الخارجية قد أبدى رأيا في ذلك الترتيب ولا أسهم فيه. ولم تسألني الوزارة عن شيء من ذلك ولم تشر علي بشيء يتعلّق بهذه الزيارة.

وهكذا سيكون تصرّفها معي طول مدّة عملي سفيرا ما عدا بعض الاستفسارات العارضة أو إبلاغي بعض التعليمات الرئاسية عندما تمر بواسطتها.وتقاريري المختلفة لا يبلغني عن فحواها صدى بالإيجاب ولا بالسّلب اللهم ما يقال عن أسلوبها وصياغتها باللغتين لخروجهما ربما عن المألوف في التحرير » واستثنى من ذلك فترة تولّي الصادق فيالة كتابة الدولة للشؤون المغاربية.

انطلق الكاتب من مسلّمة أن المملكة المغربية التي هي قريبة من قلوب التونسيين تبقى في أذهانهم لغزا من الصعب استكناهه، فعمد إلى تقديم استهلال يزيد عن 120 صفحة عن بلد الاعتماد وتضاريس ساحته السياسية و الاثنية واللغوية والاجتماعية، بحيث لم نلتق صوت المتكلّم سوى في الصفحات اللاحقة، وهو للأمانة استهلال غني بالمعاني والأحداث، ويفتح مغاليق يكتشف القارئ أن لا مناص من تفكيكها.

المرحلة التي عايشها الكاتب كانت حاسمة في حياة المغرب والمغاربة، إذ شهدت ارتقاء ولي العهد إلى سدّة الحكم بعد وفاة والده المغفور له الحسن الثاني في 23 جويلية1999 ، كما شهدت قبل ذلك تجربة التناوب ابتداء من مارس 1998، التي كلّف بموجبها عبد الرحمان اليوسفي بتشكيل الحكومة. وشهدت على أصعدة أخرى استبعاد الحرس القديم الذي يمثّله الرجل القوي في عهد الملك الحسن الثاني ادريس البصري، ومعالجة الملفات الكبرى التي كانت تثقل الحياة العامة وتكدّر علاقات المغرب الدولية(قضايا حقوق الإنسان، الهوية الأمازيغية، قضية الصحراء، الإسلام السياسي).

ونفهم من خلال عرض الكاتب للوقائع والأحداث التي كان شاهدا عليها أن هذه القضايا الشائكة كانت مطروحة أمام العاهل الحسن الثاني منذ أواسط التسعينات حين بدأ المرض ينهكه و استشعر اقتراب موعد تسليم المقاليد إلى ولي عهده، واقتنع بأن مخلفات المرحلة السابقة يجب أن تصفّي لكي يكون ملك المستقبل طلق اليدين متجرّدا من أثقال الماضي.

ونستشفّ من الكتاب أن صاحبه استوعب خصوصية التّمشّي المغربي لحل هذه الإشكاليات. العرش له أسلوبه في معالجة الأمور. ألم يقل الحسن الثاني لابنه: »إن المغرب لا يقبل إلا الجرعات الصغيرة »، كما كان يعرف من تاريخ الملوك والسلاطين أن وجها من وجوه الهيبة والأبّهة عدم المسارعة بالتسليم لأن ذلك يضعف الملك، والملك « العاري » لا يحترمه أحد(ص46): إذن، لا تهيّب من طرح القضايا، ولا تردّد في تحمّل مسؤولية ما حدث بالنسبة إلى الحياة السياسية وقضايا حقوق الإنسان. والطبقة السياسية والرأي العام في مجمله سوف يقتنعون رغم التدرّج في معالجة هذه الملفات الكبرى بأن العزم على الذهاب فيها جميعا إلى نقطة اللاعودة ليس موضوع شك. وهذه القناعات هي التي دفعت بالضحايا وأسرهم إلى الانخراط بإيجابية في هذه الديناميكية المثمرة.

التجربة المغربية كشفت حدود قدرة المعارضين على تمثّل نواميس الدولة وتقبّل إكراهات الحكم وإيجاد المداخل للإنجاز التنموي. ولقد تكشّفت هذه الحقيقة من خلال التصريح الواضح وغير الموارب الذي أكّده عبد الرحمان اليوسفي: » لقد قضينا أربعين سنة في المعارضة لا نعرف إلا قول لا. فلما كلّفنا بالحكم لم نقدر على أن نكون إيجابيين، بمعنى وضع البرامج والمشاريع المناسبة والقدرة عل تنفيذها والاستجابة للاستحقاقات الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة التي وعدنا بحلّها يوم يؤول إلينا الحكم »(ص 182 و183). كما تجلّت في المناكفات بين الأحزاب المعارضة في خضم تجربة التناوب وهو السلوك الذي أدّى عمليا إلى إفشالها (ص 51 و52).

الملف الأمازيغي لم يكن ذلك الملف الملغّم الذي تتداوله الألسن. الفكر القومي كان يعتبر مجرد إثارته جزءا من مؤامرة دولية على عروبة المغرب والمنطقة عموما. الملاحظون كانوا يعتبرونه امتدادا لروح « الظهير البربري » الذي استعمله الاستعمار وقتها سلاحا لشق المجتمع المغربي، وظلّت القوى الغربية تستعمله بعد الاستقلال للمشاغبة كعامل يمكن أن يستخدم لنفس الغرض إذا ما حان أوانه. غير أن المعالجة المتأنية والصبورة والمراهنة على اعتدال المنادي بالحقوق المستوجبة على الدولة من وراء الإقرار بهذا الواقع اللغوي والإثني المتميّز ساعدت على إقرار الحق وتأكيد الواجب دون أن يطرأ على النسيج الاجتماعي المغربي ما يمكن أن يشوبه.

موضوع الصحراء لم تتغيّر معطياته في الجوهر. وبقيت نقطة القوة فيه توافق العرش مع الشعب في التشبّث بمغربية الصحراء. غير أن أسلوب التعامل اختلف وتحوّلت المملكة المغربية، في نفس سياق هذه التحوّلات، من نوع من السلوك الدفاعي المؤدّي أحيانا إلى ترك الكرسي شاغرا مثلما حصل لسنوات في الإتحاد الإفريقي إلى سلوك هجومي تطابق مع المعطى الإقليمي والدولي الآخذ في التغيّر.

الإسلام السياسي المغربي تناول الكاتب خصوصية نشأته ومضامين رؤاه، والظروف التي جعلته رافدا من روافد الحكم عند تلاشي الأحزاب اليسارية والليبرالية والوطنية العريقة في الألفية الجديدة. وأشار الكاتب إلى أن هذه التعبيرة الدينية السياسية لم تكن مختلفة عما شابهها في مصر وتونس وغيرهما عند نشأتها خلال سبعينات القرن الماضي. إذ استسهلت تكفير من يخالفها الرأي واستعمال العنف ومزجت الدّعوي والعمل الخيري بالسياسي ولم تكن تخفي في مستوى معيّن من تطوّرها عداءها للدولة. غير أن البيئة المغربية هدّأت من غلوائها ووفّرت لها عوامل الاندماج في الحياة العامة. ولا غرو في ذلك فالملك هو أمير المؤمنين، والعناية بالشأن الديني متأصّلة في الحياة العامة المغربية، فضلا عما فتح أمام الظاهرة خلال منتصف تسعينات القرن الماضي من فرص النشاط تحت يافطة أحزاب قائمة (أهمّها الحركة الشعبية الدستورية التي يتزعّمها عبد الكريم الخطيب، وأصبحت في1998 « حزب العدالة والتنمية » الذي له أكبر فريق نيابي في 2011 وتولّى أمينه العام رئاسة الوزراء).

الكاتب تبيّن من خلال متابعته لتطوّر الأوضاع في بلد الاعتماد أن العرش، سواء في عهد الحسن الثاني أو محمد السادس، قد احتفظ لنفسه بالملفات الكبرى المتّصلة بالإرث السياسي (حقوق الانسان) والحكم المحلّي والعلاقات الخارجية والملف الأمني و قضية الهوية الأمازيغية و قضية الصحراء. فيما أوكل الملفات الاقتصادية والتنموية والاجتماعية والتعليمية والصحية إلى الحكومة لتتولاها. وبقدر ما كان هذا التقسيم مكرّسا لمعادلة الحكم للعرش والتسيير اليومي للحكومة، فإن المشاريع المبرمجة، في فترة التناوب مثلا، لم تجد طريقها إلى الإنجاز إلا بعد تعيين الملك بنفسه مشرفين عليها ومتابعتها مما جعل « ملامح البنية الأساسية والمساكن الاجتماعية ومقرات الإدارة وهيئات المدن الرئيسية تتغير نحو الأفضل »(ص59).

الكاتب حاول من موقعه تنبيه سلطات بلاده إلى الحاجة إلى تغيير بعض تصوّرات الحكم والتقدير، خصوصا وأنه كان يشهد تجرّد المغرب من إرث ثقيل في مجال حقوق الإنسان وعلا صوته في أكثر من مجال على الساحة الدولية، وكان يتلقّى ملاحظات وجوه مغربية بارزة وديبلوماسيين متميّزين يكنون الاحترام لتونس ويرون أن صورتها يمكن أن تكون أفضل. كما يلاحظ أن بلد الاعتماد أصبح مرتكزا للمضايقات التي تواجهها تونس في مجال حقوق الإنسان والحريات الأساسية بفعل النشاط الكثيف لتعبيرات المجتمع المغربي والمنظمات الحقوقية الدولية. وأكّد في نبرة يأس ومن قبيل اللهم فاشهد لا غير في صفحة 178 : »كنت أتعمد التوجيه الخفي لأن السلطة في تونس قلما كانت تقرّ بوجود نقائص وشوائب ».

ملاحظة ختامية تخص القدرة الخارقة التي أبداها الملك الحسن الثاني على التشوّف والاستشراف وأيضا على إكساب الحياة السياسية في المغرب الانفتاح المطلوب في النصف الثاني من تسعينات القرن العشرين بعد أن كان أحكم إغلاقها منذ اعتلائه العرش. وبقدر ما كان الإغلاق مستجيبا لنزعة لديه إلى الاستئثار بالحكم فإن تحرير الحياة العامة من قيودها جاء بحرص على ديمومة العرش وتسهيل مهمة ولي عهده عند تقلّده أعباء الحكم، ولكن أيضا في سياق تطوير بلده المغرب وتأمين ظروف أفضل لشعبه. وسيذكر التاريخ أن الحسن الثاني توفّق فيما عجزت عنه الأنظمة السياسية والثورات الكبرى والمشاريع العظيمة التي ابتدعتها البشرية والتي كانت مسكونة بكونها تسير في اتجاه التاريخ بحيث لا تضع تصوّرا للتراجع عما أقدمت عليه. فلم تقدر أي منها، وقد استندت إلى إحكام إغلاق آليات تسييرها، إلى إعادة فتحها متى اكتشفت أن مسارها قد انحرف عن أهدافه. ولنا في النظام الاشتراكي في أوروبا الشرقية والإتحاد السوفياتي السابق وفي الأنظمة الشمولية في العالم الثالث خير أمثلة على ذلك. وحتى مشروع الوحدة الأوروبية لم ينج من هذه الخطيئة بعد أن اكتشف من خلال البريكسيت أنه لم يحدث آليات الخروج من الفضاء الموحّد إن قرّر أحد الشعوب الأوروبية مغادرته.

وحده ملك المغرب الراحل أغلق الباب وترك المفتاح في جيبه ليستخدمه عند الأوان.

المصدر: الدبلوماسي التونسي __ 10 جانفي 2020 

تابع الخبر من مصدره الاصلي 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق