تونسدراسات

أحمد بن صالح: قراءة ومتابعة لمسيرة زعيم وطني واستثنائي (1 من 20)

المغاربي للدراسات والتحاليل

بقلم : علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

الراحل يوم 16 سبتمبر الحالي، “أحمد بن صالح” مثال في الوطنية وجمع الله على حبه مئات الآلاف من التونسيين من كل المشارب الفكرية والسياسية والاجتماعية، ذلك أن الرجل لم يهادن يوما في الحق لا هو شاب ولا كهلا ولا حتى وهو شيخ مُسن في التسعينات من عمره، عاش الرجل زاهدا مثله مثل عامة التونسيين، بل أنه وظف علاقاته الدولية من أجل تونس وشعبها على عكس أما أتاه أغلب السياسيين البارزين في عقدي الستينات والسبعينات من حيث مراكمة الثروات وشراء الشقق في الاحياء الباريسية، لقد كان “بن صالح” على تواصل مع الاشتراكيين والعروبيين والإسلاميين والتقى معهم جميعا بحثا عن وفاق وطني، والذي سد المجرم المخلوع كُل المنافذ إلى ذلك التوافق، فكان رده – أي “بن صالح”- في بداية تسعينات القرن الماضي على سؤال “ماذا تنتظر من نظام بن علي”، هو قوله “انتظر منه قليلا من الحياء…”
هذه الحلقات العشرين هي محاولة قراءة وتتبع لمسيرة هذا الزعيم الفذ فكريا ومضمونيا، إضافة إلى رصد آثار فعله السياسي والنضالي وبصماته في تونس المعاصرة ووقوفه الى جانب المظلومين ووقوفه سندا قويا للحقوق والحريات، ولن أتقيد من خلال عرض سيرته، بالتراتبية الزمنية للعقود والسنوات والأحداث في فعل الرجل وعلاقاته من خلال اجابة الأجيال الجديدة على الأسئلة التالية: من هو أحمد بن صالح، وماهي آثاره ومواقفه وابداعاته وكيف كرس عقلية نكران الذات من أجل تونس والعرب والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؟

الحلقة الأولى : ملاحظات عامة ومناقب استثنائية لا تنسى لـــ”أحمد بن صالح”

  • انتقل “أحمد بن صالح” الى جوار ربه وهو في منتصف عقده التاسع (ولد في 13 جانفي/يناير 1926 بمدينة “المكنين” من ولاية “المنستير”)، وكان الرجل قد تم تغييبه عمدا في الإعلام التونسي منذ السبعينات، بل وحتى بعد الثورة بناء على عدم مسايرته لمنطق اللوبيات ومعاداة بارونات الفساد وأباطرة المنظومة القديمة وأساطينها له ولمواقفه، وقد تم كل ذلك بناء على معرفة تلك اللوبيات وممثليها بمناقب الرجل ومعدنه ونظافة يده والمامه بأساليبهم ومناهجهم وجهات ارتباطهم، ولقد مات الرجل الذي تعرفه كل مدينة المكنين بعد أن ملأ كل تونس شمالا وجنوبا وشغل الناس وخاصة في عقدي الستينات والسبعينات وبعد أن برز كنقابي لامع في عقد الخمسينات وكوطني آمن بتحرير تونس ليكون مؤثرا في مرحلة بداية الاستقلال وليكون أحد أهم بناة الدولة الوطنية…
  • لقد وجد “أحمد بن صالح” نفسه بناء على حيوته الشبابية ونتيجة لهوية أطروحاته وقدراته الاستثنائية، أمام عداء القُوى المحافظة والتقليدية حتى أنها وجهت إليه من البداية تُهم عديدة ووصف بالتحريفي وبالمتمرد، ومن ثم تآمرت عليه القوى الليبرالية في الحزب الحاكم بناء على ميولاته الاشتراكية رغم أنه ليس اشتراكيا بالمعنى الفلسفي والمضموني أذ كان باحثا عن الحرية والتحرر والانعتاق، كما تربصت به أطراف عدة في أعرق مُنظمتين في تونس أي “اتحاد الشغل” و”الأعراف”…
  • رغم علاقاته الممتدة في الغرب الأوروبي وبعض بلدان العالم العربي والإسلامي، إلا أنه ولأسباب رهبتها من الرجل وافكاره وقدراته وبتدبير من قوى محلية ومحاور في الحزب الدستوري الحاكم في عقدي الستينات والسبعينات، وضعته القوى الرأسمالية الدولية هدفا للقصف ومن ثم المناداة والتوصية بعزله ومحاكمته…
  • رغم أن الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة قد دافع عنه مرحليا أي في بداية الستينات ولكنه في الأخير قبل بعزله ومحاكمته بل وصمت على التآمر عليه من قبل البطانة الحزبية والسياسية والرأسمالية في تونس آواخر الستينات وبداية السبعينات، ويذهب محللون أن بورقيبة لم يرتح ولم يثق في بن صالح بسبب قدراته القيادية وبسبب اشعاعه وشعبيته ودليل أولئك أنه عمل من البداية على عزله في ديسمبر 1956 من قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل…
  • سارع بعض يساريين من البداية إلى معاداته بعد الاختلاف معه، وخاصة بعد أن تم النقاش حوله وحول مشروعه واختلفت مكونات اليسار فيه، وعمليا أجمعت برسبكتيف (منظمة آفاق)، بكل مكوناتها وتياراتها على محاربة مشروعه لأنه وفقا لأديباتهم ونشرياتهم قد خان الاشتراكية التي يأملون، كما أن الموقف منه ومن مشروعه كان أحد محاور الاختلاف في الحزب الشيوعي التونسي بين تياري “بوعروج ” و”حرمل”، فالأول دعمه تحت شعار المساندة النقدية، بينما خط محمد حرمل احترز منه ومن مشروعه…
  • رغم التصدي له ولمشروعه، نجح “أحمد بن صالح” في التخطيط والبناء واستطاع أن يقود خمس وزارات، كما نجح أن يكون “دينامو” دواليب الدولة لسنوات ودفع أيضا نحو تغيير تسمية الحزب الحاكم من “الحزب الدستوري الحر”(الدستوري الجديد إلى “الحزب الاشتراكي الدستوري” (مؤتمر المصير في بنزرت سنة 1964)، وشرع أيضا في تنفيذ البرنامج التنموي الاشتر اكي الذي أعده اتحاد الشغل عندما كان هو امينه العام بين سنتي 1954و1956 والذي كان أحد بطبيعته أحد أهم قياداته بعد اغتيال الزعيم الوطني “فرحات حشاد” في ديسمبر 1952…
  • تمكن أحمد بن صالح من بناء لبنات الدولة الوطنية رغم العوائق الموضوعية:

ماديا ( دولة صغيرة وكانت مستعمرة وفقيرة في عالم عربي ضعيف ومفكك) ومعنويا ( قوى الردة والمحافظة التقليدية في مجتمع تطغى عليه الكلاسيكية)، وعمليا تمكن الرجل من وضع الأسس القوية لتحديث المجتمع والدولة وفقا لتوجهات تقدمية، فرسم بثبات انجازات صحية واجتماعية، كما اعتمد على الزواتنة في نشر التعليم وتكريس اجباريته ومجانيته في كل المدن والقرى في كل ربوع تونس من برج الخضراء جنوبا الى بنزرت شمالا، كما أشرف بنفسه على متابعة تحسين البنية التحتية وتعصير الحياة الاجتماعية، وتأميم أراضي المعمرين وتحويلها إلى قاعدة لتعصير الفلاحة الوطنية، وبعث القطاع السياحي وتابع تطوره وسوق له دوليا، كما قام بإرساء خطة وطنية للتصنيع مرتبطة بالتنمية الجهوية من خلال بعث اقطاب صناعية حسب خصائص الجهات، ولا الردة التي اتاه من جاؤوا بعده في عقدي السبعينات والثمانينات لكانت تونس على عكس ما هي عليه الآن ولما استطاع المخلوع “زين العابدين بن علي”، أن يفعل بالمؤسسات والقطاعات ما فعل من بيع وخوصصة وتدمير منهجي واختراق في المفاصل دبر بليل مع حاشيته …

  • وظف “أحمد بن صالح” علاقاته الدولية في الخارج لتوظيف ملف الهجرة المنظمة إلى أوروبا كرافد للتنمية الوطنية وهو ما مكن من بناء ديبلوماسية تونسية نشيطة وانتشارها في القارات الخمس بل ولا زلنا الى اليوم نرتكز الى أسسها وبناها الرئيسية…
  • مما لا شك فيه أن كل عمل بشري ينبني على ثنائية الإيجابيات والسلبيات، ومن القصور في هذه الدراسة الرصدية والتحليلية عدم القول أن “أحمد بن صالح” لم يرتكب أخطاء كبيرة خاصة في ظل غياب التكاتف داخل الحزب والدولة وكان عليه عدم الانسياق وراء قرارات مؤتمر المصير في بنزرت وهي قرارات كارثية وتعاني تونس الى اليوم من تبعاتها ومؤثراتها (“ضم المنظمات الوطنية للديوان السياسي للحزب الحاكم” – حضر كل الأحزاب والتصدي للتعددية” – “بعث ما يسمى بالشعب المهنية بما يعني حنق التونسيين في مقرات العمل أيضا…”)
  • طبعا أخطاء “بن صالح” تضمنت الذاتي والموضوعي، حيث ارتكزت موضوعيا على عدم انتباهه للمؤامرات والعراقيل التي وضعت في طريقه كما أنه لم يحسن قراءة الوضع محليا وإقليميا ودوليا وخاصة وضع الحزب والمنظمات الوطنية وآليات العلاقات المتداخلة اجتماعيا وسياسيا وخاصة بعد ارهاصات وترتبات الصراع اليوسفي البورقيبي، ومع كل ذلك كان أحمد بن صالح زعيما وطنيا فذا ورجلا استثنائيا بكل المقاييس ومحبا لتونس، حيث كان متفانيا في خدمتها والتضحية بكل ما أوتي من جهد منذ كان شابا حتى واته المنية بعد أن عانى من أمراض عدة في اقامته في ضاحية رادس بالعاصمة قبل ان يترجل يوم 16 سبتمبر 2020 في المستشفى العسكري بالعاصمة، ولقد أحب بن صالح “رادس” ورفض مغادرتها ونقل عنه قولها انه أحبها مثلما أحب المكنين وكل مدن تونس وقراها حتى أن كل الناس عرفوه باسم “سيدي أحمد” أي التسمية التي كان ينادى به حبا له وكان يشعرون بصدق الرجل واستثنائيته…
  • لم يدافع أي تونسي مثلما دافع سيدي أحمد عن ثورة الحرية والكرامة كما دافع عن التعددية وهو موضوع بقية الحلقات وخاصة اسرار التعاضد والمحاكمة وبناء حركة الوحدة الشعبية وعلاقاته باليساريين والقوميين العرب والإسلاميين وقصة تحالفه معهم ومواقفه من أطروحاتهم إضافة الى قصة رفضه للمخلوع ولحزبه التجمع الدستوري الديمقراطي وعلاقته الدولية الممتدة ومواضيع أخرى من بينها أسرار تكشف لأول مرة مضاف الى ذلك شهادته أمام مؤسسة التميمي وفضحه لحقبة الاستبداد بنسخيتها البورقيبية والنوفمبرية…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق