الجزائرتحاليل

الْجَمَاجِمُ وَحَرْبُ الذَاكِرَةِ بين الجزائر و فرنسا

بقلم : توفيق المديني
لَا تَزَالُ صَفْحَةُ الماضي الْمُتَمَثِّلَةِ بِالْحِقْبَةِ الْكُولُونْيَالِيَةِ الْفِرَنْسِيَّةِ، وَ حَرْبُ التَّحْرِيرِ الْوَطَنِيِّ الْجَزَائِرِيَّةِ، تُلْقِيْ بِإِرْثِهَا وَحُمُولَتِهَا التَّارِيخِيَّةِ الثَّقِيلَةِ عَلَى مُسْتَقْبَلِ الْعَلَاَّقَاتِ الْفِرَنْسِيَّةِ- الْجَزَائِرِيَّةِ.في هذا الماضِي الْكُولُونْيَالِي تَحْتَلُ الْجَزَائِر مكانةً خاصةً، بسببِ المآسِي التاريخيةِ التي حلَّتْ بالشَعْبِ الْجَزَائِرِي. وَيُعَلِّمُنَا التَّارِيخُ أَيْضًا، وَبِالْدَّرَجَةِ الْأُولَى، أَنَّ النِّظَامَ الْكُولُونْيَالِي الْمُتَنَاقِضِ جِذْرِيًّا مَعَ المبادىءِ وَالْقَيِّمِ الَّتِي نَادَتْ بِهَا الثَّوْرَةُ الدِّيمُقْرَاطِيَّةُ الْفَرَنْسِيَّةُ، قَدْ أَدَّى إِلَى اِرْتِكَابِ مَجَازِرٍ بمئاتِ آلَاَفِ الْجَزَائِرِيِّينَ، وَاِقْتَلَعَهُمْ مِنْ أرْضِهِمْ، وَشَرَّدَهُمْ، أَوْ « clochardises » إِذِ اِسْتَعَدْنَا التَّعْبِيرَ الدَّقيقَ الَّذِي اِسْتَخْدَمَهُ الْبَاحِثُ الْفَرَنْسِيُّ جُرْمَانِ تِيلِيُونَ، فِي تَوْصِيفِهِ لِتِلْكَ الْمَأْسَاةِ التَّارِيخِيَّةِ.
عودة جماجم المقاومين الجزائريين
في عام 2011 استطاع الأنثروبولوجي الجزائري علي فريد بلقاضي،أنْ يكشفَ عن وجودِ جماجمٍ لمقاومين جزائريين في متحف الإنسان بباريس،عندما كان يقومُ بِبَحْثٍ تَارِيخِيٍّ حول المقاومة الشعبية الجزائرية للاستعمار الفرنسي،إِذْ تَمَّ قطع رؤوس المقاومين في سياق انتقامي . وفي متحف الإنسان في باريس بقيت جماجم المقاومين أسيرة الاستعلاء الأوروبي. ويقول رئيس قسم الأنثروبولوجيا في المتحف، آلان فرومون، إنَّ 18 ألف جمجمة من مختلف مناطق العالم موجودة في هذا المتحف، يعتبرها القانون الفرنسي من الممتلكات الفرنسية العامة، بما فيها جماجم الجزائريين الموجودة في المتحف منذ القرن التاسع عشر، وعددها 36 جمجمة، 12 منها لقادة في المقاومة الجزائرية ضد فرنسا. تعرّضت هذه الجماجم للتشريح والخضوع للدراسة في تاريخ الأشخاص، والبحث عن أصل الإنسان وعن التطور البشري. كان الباحث الأوروبي، والفرنسي خصوصاً، يعتقد بتفوق الإنسان الغربي على بقية البشر.
وفي فبراير/ شباط 2016، أطلق مثقفون جزائريون عريضة المليون توقيع لاستعادة جماجم المقاومين من فرنسا ودفنها في الجزائر.وفي السابع من يناير/ كانون الثاني 2018، أعلنت الحكومة الجزائرية تقديمها طلب استعادة جماجم تعود لقادة المقاومة الشعبية من متحف باريسي.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أعلن في زيارته الأخيرة إلى الجزائر في السادس من ديسمبر/ كانون الأول 2017 موافقته على إعادة الجماجم.وفي يناير/ كانون الثاني 2019، أعلنت السلطات الجزائرية تحديد هوية 31 جمجمة تعود لمقاومين جزائريين تتواجد في متحف الإنسان بباريس منذ 150 سنة، كانت معروضة للجمهور، قبل أن يتم سحبها من قاعة المتحف.
واسترجعت الجزائر، الجمعة3 يوليو 2020، 24 جمجمة تعود لمقاومين وقادة المقاومة الشعبية ضد الاستعمار في القرن الـ19، بينها جمجمة قائد المقاومة الشعبية شريف بوبغلة الملقب بـ”الأعور”، واسمه الحقيقي محمد الأمجد بن عبد المالك المدعو الشريف، وجمجمة مساعده مختار بن قويدر التيطراوي، وجمجمة الشيخ بوزيان زعيم ثورة الزعاطشة في منطقة بسكرة جنوبي الجزائر، والمقاوم عيسى الحمادي، والشريف بوقديدة، والمقاوم سعيد مرابط، وجمجمة شاب مقاوم يدعى محمد بن الحاج، وجماجم المقاومين علي خليفة بن محمد، وقدور بن يطو، والسعيد بن دلهيس من بني سليمان، وبلقاسم بن محمد الجنادي، والسعدي بن ساعد من نواحي القل، والحبيب ولد (اسم غير كامل)، إضافة إلى تسع جماجم أخرى لم تذكر أسماء أصحابها، وججمة غير محددة الهوية تم قطعها في منطقة الساحل عام 1841، ورأس غير محدد الهوية محفوظ بالزئبق والتجفيف الشمسي منذ 1865.وقطعت رؤوس هؤلاء المقاومين من قبل قوات الاستعمار الفرنسي، ونقلت إلى باريس، حيث سلمت إلى الأطباء لإجراء بحوث عليها، قبل أن يتم الاحتفاظ بها في متحف الإنسان بباريس.
وَوُرِيَتْ، يوم الأحد 5يوليو 2020، جثامين 24 من المقاومين وقادة المقاومة الجزائرية الثرى في مربع الشهداء بمقبرة العالية في الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، بعد مراسم رسمية وعسكرية أقيمت لهم بحضورالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وكبار مسؤولي الدولة وقادة الجيش، حيث تزامن دفن هؤلاء المقاومين مع احتفال الجزائر بالذكرى ال58 لعيد الاستقلال والشباب.
وطالب الرئيس عبد المجيد تبون “الأجيال الشبابية الجديدة في الجزائر” بـ”الاستذكار المستمر للشهداء. نتذكر دفاعهم المستميت عن الهوية الوطنية، دفاعهم ضد سياسات التنصير والتمسيح وفرنسة اللسان والمكان”، وقال: “سنقف سدا منيعا ضد كل محاولات استهداف الهوية الوطنية. هويتنا تعرضت لمحاولات استهداف متكررة بمناورات خارجية وداخلية”، وشدد: “شبابنا في أمس الحاجة لكي يحفظ الدروس من الشهداء التي تعزز عقيدة ثورة نوفمبر (ثورة التحرير) التي تحصن الوطن والدولة من التكالبات والمؤامرات”.
مطالبة الجزائر فرنسا بحل الملفات الأربعة
بعد استرجاع جماجم قادة المقاومة الشعبية الجزائرية إبَّان بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر في النصف الأول من القرن التاسع عشر،قال وزير المجاهدين (قدماء المحاربين) وذوي الحقوق، الطيب زيتوني، في تصريح صحافي على هامش جلسة للبرلمان، إِنَّ الحكومة الجزائرية قدمت للجانب الفرنسي قائمة تضم أكثر من 2200 مفقود جزائري أثناء ثورة التحرير الوطني (1954-1962)، وذكر أنَّ منْ بينهم “الشهداء موريس أودان ومحمد بوقرة والعربي تبسي”.
ويعد موريس أودان، (25 عاماً)، المتخصص في الرياضيات والأستاذ المساعد في جامعة الجزائر، والناشط الشيوعي المؤيد لاستقلال الجزائر، الذي اعتقل في منزله في الجزائر العاصمة في 11 يونيو/حزيران 1957 بأيدي مظليين بعد الاشتباه بأنه يؤوي أفراداً ينتمون إلى الخلية المسلحة للحزب الشيوعي الجزائري، أبرزالشيوعيين المؤيدين للاستقلال. فقد نقل إلى مكان آخر في المدينة حيث تعرض للتعذيب مراراً.
وَبَعْدَ عَشْرَةِ أيَّامٍ، أُبْلِغَتْ زَوْجَتُهُ جُوزِيَتْ، رَسْمِيًّا بِأَنَّ زَوْجَهَا فَرَّ خِلَالَ عَمَلِيَّةِ نَقْلِهِ.
وَاِسْتَمَرَّ تَبَّنِيِّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الرَّسْمِيَّةِ حَتَّى أَكَّدَ الرَّئِيسُ الْفَرَنْسِيُّ السَّابِقُ فرَانْسُوَا هولاند فِي 2014 أَنَّ “أُودَانٍ لَمْ يَفُرْ “؛ بَلْ “قَضَى خِلَالَ اِعْتِقَالِهِ”.وَزَعَمَ الْجَيْشُ الْفِرَنْسِيُّ أَنَّهُ فَرَّ مِنَ الْاِعْتِقَالِ، لَكِنَّ الأرشيفَ الْفَرَنْسِيَّ الَّذِي فُتِحَ مُؤَخَّرًا، تَضَمَّنَّ إقْرَارًا رَسْمِيًّا بِاِغْتِيَالِهِ وَرَمْيِ جُثَّتِهِ.
وَفِي سِبْتمبَرِ / أيلول2018، أقرَّالرئيس مَاْكْرُونَ بِأَنَّ فِرَنْسَا أَقَامَتْ خِلَالَ حَرْبِ الْجَزَائِرِ نِظَامًا ” اِسْتُخْدِمَ فِيهِ “التَّعْذِيبَ “وَأَدَّى خُصُوصًا إِلَى وَفَاةِ الْمُعَارِضِ الشُّيُوعِيِّ أُوَدَانٍ.
وَسَلَّمَ مَاكْرُونَ أَرَمْلَةَ أُودَانٍ بَيَانًا فِي هَذَا الصدد، أَعْلَنَ فِيهِ ” فَتْحَ الأرشيف الْمُتَعَلِّقَ بِقَضَايَا اِختِفَاءِ مَدَنِيِّينَ وَعَسْكَرِيَّيْنِ فَرَنْسِيَّيْنِ وَجَزَائِرِيِّينَ”، عِلْمًا بِأَنَّ حَرْبَ الْجَزَائِرِ لَا تَزَالُ أَحَدِ الْمَلَفَّاتِ الْأَكْثَرَ إِثَارَةً لِلْجَدَلِ فِي تَارِيخِ فَرَنْسَا الْحَديثِ.
وفي مقال نشره موقع “ذي كونفرسايشن” يوم 12سبتمبر 2018، تساءلت المؤرخة الفرنسية سيلفي تينو: “ما دام اختفاء أودان ناتج من نظام، فهو ليس حادثاً وليس خطأ (…) عبر الإقرار بمسؤوليات الدولة في اختفاء موريس أودان، أفلا يتم الإقرار تالياً بمسؤوليات الدولة في كل حالات الاختفاء التي حصلت العام 1957 في الجزائر العاصمة؟”.ولسيلفي تينو كتاب بعنوان: “تاريخ حرب الاستقلال الجزائرية”.
أَمَّا الْعَرْبِيَّ اِلتَبِّسِي، فَيُعَدُّ أحَدَ أَبْرَزِ الْمَرَاجِعِ الدِّينِيَّةِ فِي الْجَزَائِرِ، اِعْتَقَلَتْهُ سُلْطَاتُ الْاِسْتِعْمَارِ الْفَرَنْسِيِّ، وَبَعْدَ رَفْضِهِ إِصْدَارَ فَتْوَى لِصَالِحِ الْاِسْتِعْمَارِ وَضِدَّ الثَّوْرَةِ، تَمَّ اِغْتِيَالُهُ وَدَفْنُهُ دُونَ أَنْ يَعْرَفَ أحَدٌ قَبْرَهُ، فِيمَا يُعَدُّ جيلالي بونعامة أَحَدَ قَادَةِ ثَوْرَةِ التَّحْرِيرِ وَلَا يُعْرَفُ مَصِيرُهُ وَقَبْرُهُ حَتَّى الْآنَ.
وذكر الوزير الجزائري أنَّ حكومةَ بلاده “متمسكةٌ بحلِّ أربعةِ ملفاتٍ عالقةٍ، ولا تزال مطروحةً على الجانب الفرنسي، تتعلق، بالإضافة إلى قضية المفقودين، في استرجاع كامل رُفَاتِ شهداء المقاومة الشعبية، إذ استرجعت الجزائر 24 من رفات وجماجم المقاومين وقادة المقاومة الجزائرية الجمعة الماضية،كدفعة أولى من ضمن 518 جمجمة جزائرية ما زالت تتواجد في متحف بباريس، بينما تشتغل لجان علمية مشتركة في الوقت الحالي على تحديد ما تبقى منها، تمهيدا لاسترجاعها واستعادتها لدفنها في الجزائر.
ويوجد بين الملفات الأربعة ملف الأرشيف الوطني الذي تطالب الجزائر باستعادته من باريس. والأحد الماضي، قال مدير الأرشيف الجزائري والمستشار الخاص للرئيس الجزائري عبد المجيد شيخي، إنَّ الجزائِرَ ستستهدف في المرحلة المقبلة استرجاع أرشيفها المتواجد بفرنسا، والجزائر “لن تتراجع أبداً عن مطالبتها باسترجاع كل الأرشيف الوطني الذي يؤرخ لعدة حقب من تاريخنا، والذي تم ترحيله إلى فرنسا”. واتهم شيخي الطرف الفرنسي بالمماطلة وعدم الجدية الكافية لطي هذا الملف نهائياً، لافتاً إلى أن “فرنسا قامت في 2006 بسن قانون يقضي بإدراج الأرشيف كجزء من الأملاك العمومية، لتعطيل تسليم الجزائر أرشيفها الخاص”.
وَتُطَالِبُ الْجَزَائِرُ فِرَنْسَا بِتَعْوِيضَاتٍ عَنْ ضَحَايَا الْأَلْغَامِ الَّتِي زَرَعَهَا الْاِسْتِعْمَارَ الْفَرَنْسِيَّ، بَعْدَ أَنْ سَلَّمَتْ تَقْريرًا لِمُنَظَّمَةِ الْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ حَوْلَ جُهُودِ نَزْعِ الْأَلْغَامِ الْأَرْضِيَّةِ الْمَوْرُوثَةِ عَنِ الْاِسْتِعْمَارِ الْفَرَنْسِيِّ، تَضَمَّنَّ كَشْفًا بِأَعْدَادِ ضَحَايَا هَذِهِ الْأَلْغَامِ مُنْذُ زَرْعِهَا قُبَيْلَ اِسْتِقْلَالِ الْبِلَادِ فِي الخمسينات مِنَ الْقَرْنِ الْعِشْرِينِ، وَالَّذِي يَفُوقُ السَّبْعَة آلَاَفٍ قَتِيلٍ وَعَشَرَاتِ الْمَعْطُوبِينَ.
وكشف التقرير السنوي للجزائر لعام 2019، أنّ الألغام التي زرعها الاستعمار الفرنسي،وما زالت تقتل الضحايا حتى الآن، خلَّفَتْ في مجموعها 7300 ضحية، بينهم 4830 ضحية مدنية جزائرية خلال ثورة التحرير الوطني،و2470 ضحية بعد الاستقلال، إضافة إلى مئات المعطوبين الذين بُتِرَتْ أَطْرَافُهُمْ أو إعاقات لا تقل عن نسبة 20 بالمائة.
ومنذ الاستقلال باشرت قوات الجيش الجزائري عمليات كشف وتدمير كل الألغام، حيث تم كشف وتدمير حوالى 8.8 ملايين لغم، وتطهير 42 مليون هكتار من الأراضي، والتي سيعاد استغلالها في الزراعة والأنشطة الاقتصادية والتنمية المحلية، بعدما ظلت لعقود ممنوعة من الاستغلال بسبب الألغام المزروعة فيها، حيث تم إطلاق حملات للتشجير فيها.وكلف تفجير هذه الألغام الدولة الجزائرية أعباء مالية، بينها التكفل الصحي بالضحايا وعائلاتهم، ومنحهم منحا مالية لمساعدتهم على مواجهة أعباء الحياة.
وتعود هذه الألغام إلى فترة الاستعمار الفرنسي، حيث لجأت سلطات الاستعمار إلى إقامة أسلاك شائكة وحقول من الألغام على الحدود الجزائرية الشرقية والغربية بطول 1710 كيلومترات، في الفترة بين 1956 و1962، لمنع تسلل الثوار الجزائريين من تونس والمغرب، وإدخال السلاح والذخيرة لدعم الثورة الجزائرية.
وأقامت السلطات الفرنسية خط “موريس”، نسبة إلى وزير الدفاع الفرنسي السابق آندريه موريس، على الحدود الجزائرية الغربية مع المغرب، على امتداد 700 كيلومتر، ووضع تحت مراقبة دائمة اعتبارا من شهر يوليو/ تموز 1957، عبر زرع حقول من الألغام، وتم تعزيز هذا الخط بخط “شال” نسبة إلى الجنرال موريس شال، على الحدود الشرقية مع تونس وليبيا ، ويمتد على طول الحدود التونسية (460 كيلومترا) بين سنة 1958 و1960.
وتطالب الجزائر أيضًا، وفي السياق ذاته بتعويض ضحايا التجارب النووية التي أجرتها فرنسا في منطقة رقان جنوبي الجزائر، بين عام1958 وحتى ما بعد الاستقلال، إذ مازالت آثار الإشعاعات النووية قائمة حتى الآن، وتسببت في تلوث الهواء والمياه، وكذا في ولادات مشوهة وتشوهات خلقية وسرطانات وأمراض عيون. ووثق البروفيسور العبودي في كتابه “يرابيع رقان.. جرائم فرنسا النووية في الصحراء الجزائرية”، الذي صدر قبل سنوات، آثار ما وصفه بـ”المحرقة النووية الفرنسية”، مشيراً إلى أن مجموع ضحايا هذه التفجيرات على امتداد ثلاثة أجيال، قد يصل إلى 150 ألف شخص.
عقدة الماضي الكولونيالي بين فرنسا و الجزائر
يُشَكِّلُ الْجِنِرَالُ الْفَرَنْسِيُّ بُولْ أُوسَارِيسْ الَّذِي تُوُفِّيَ فِي مِنْطَقَةِ سراتسبورغ شَرْقَ فِرَنْسَا عَنْ عُمُرٍ يُنَاهِزُ ال95، يَوْمَ 4ديسمبر 2013، وَكَانَ يَعِيِشُ بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ،والْمَشْهُورِ بِدِفَاعِهِ عَنِ اِسْتِخْدَامِ الْقُوَّاتِ الْفَرَنْسِيَّةِ لِلتَّعْذِيبِ فِي الْجَزَائِرِ، شَخْصِيَّةً مُثِيرَةً لِلْجَدَلِ فِي فِرَنْسَا.
وكان أوساريس بطل المقاومة ضد النازية خلال الحرب العالمية الثانية، أكثر الرجال تكتمًا للأمور في الجهاز الأمني الفرنسي ،إذْ تولى منصب رئيس الاستخبارات تحت قيادة الجنرال ماسو اثناء معركة الجزائر عام 1957، وكان رجل الأعمال الشريرة و الإعدامات بلا محاكمةٍ و التعذيب المنظم/، حيث وضع فرنسا مجدَّدًا أمام الجرائم التي ارتكبتها قواتها خلال الثورة الجزائرية.وفي كتاب صدر عن دار”بيران” الفرنسية ، ويحمل العنوان التالي:”الأجهزة الخاصة.الجزائر 1955-1957″،عام 2001 اعترف الجنرال أوساريس بتعذيب وقتل 24 أسير حرب جزائري خلال حرب استقلال الجزائر عن فرنسا 1954 – 1962.
في مقابلة مع صحيفة لوموند الفرنسية بتاريخ 23نوفمبر 2000، قال الجنرال أوساريس، إِنَّهُ أعدم بنفسه مساجين من “جبهة التحرير الوطني”الجزائرية، و أمر بإعدام مئات المشبوهين من دون محاكمة، و اضاف أن نحو ثلاثة ألاف مشتبه بهم قتلوا،و كان من الضروري أن “تختفي جثثهم”، و أنه كره الأساليب المستخدمة، ولكنه سوف يتصرف بالطريقة نفسها إذا وضع في ظروف مشابهة.
أَمَّا الْجَدِيدُ الْآخَرُ الَّذِي كَشَفَهُ أُوسَارِيسْ فِي كِتَابِهِ، فَهْوَ أَنَّ هَذِهِ الْمُمَارَسَاتِ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدُ اِنْتِهَاكَاتٍ يَتَحَمَّلُ مَسْؤُولِيَّتُهَا الْعَسْكَرِيُّونَ الْمُنْخَرِطُونَ فِي الْمُوَاجَهَاتِ عَلَى الْأرْضِ، بَلْ إِنَّهَا كَانَتْ تُحْظَى بِتَغْطِيَةٍ مِنْ الْمَسْؤُولِينَ السِّيَاسِيِّينَ فِي فِرَنْسَا، لَا سِيَمَا مِنْ قِبَلِ وَزِيرِ الْعَدْلِ آنذاك الرَّئِيسَ الرَّاحِلَ فرَانْسُوَا مِيتِرَانٍ.وَيُؤَكِّدُ أوساريس أَنَّ التَّعْذِيبَ وَ الْإِعْدَامَاتَ السَّرِيعَةَ وَقَتْلَ الْمَدَنِيِّينَ الَّتِي تُقَدِّمُ لَاحِقًا عَلَى أَنَّهَا ” أَعْمَالٌ اِنْتِحَارِيَّةٌ ” كَانَتْ مِنَ الْمُمَارَسَاتِ الشَّائِعَةِ لَدَى الْأَجْهِزَةِ الْأَمْنِيَّةِ الْفَرَنْسِيَّةِ فِي الْجَزَائِرِ عِنْدَ اِلْتِحَاقِهِ بِهَا عَامَ 1955، كَمَا يُدَافِعُ عَنْ هَذِهِ الْأَسَالِيبِ بِقَوْلِهِ: إِنَّهَا فُعَّالَةٌ، فَبِدَافِعِ الْخَوْفِ يَنْهَارُ الْمُعْتَقَلُونَ وَ يَبْدَؤُونَ فِي الْكَلَاَمِ، وَيَنْتَهِي الْأَمْرُ بِتَصْفِيَتِهِمْ.”وَاعْتَرَفَ الْجِنِرَالُ أوساريس لِلْمَرَّةِ الْأوْلَى بِقَتْلِهِ عَامَ 1957 الْمَحَامِّيَّ الْجَزَائِرِيَّ عَلِي بُومِنْجَلْ، وَالزَّعيمَ التَّارِيخِيَ الْمَسْؤُول عَنْ جَبْهَةِ التَّحْرِيرِ الْوَطَنِيِّ فِي الْجَزَائِرِ الشَّهِيد الْعَرْبِيِّ بِنْ مَهِيدِي.
وأثار كتاب أوساريس سلسلة من ردود الفعل لدى الطبقة السياسية الفرنسية الحاكمة آنذاك،التي وصفته بالشخص”القبيح”و “المقيت”و “المثير للإشمئزاز”، فيما صرح رئيس الحكومة الفرنسية السابق ليونيل جوسبان بأن اعترافاته”تنطوي على انتهاكات رهيبة، تستدعي إدانة أخلاقية”. وقال الرئيس السابق جاك شيؤاك في بيان له: إن “رئيس الجمهورية الذي صعق لتصريحات الجنرال أوساريس يدين مرة جديدة الفظاعات و أعمال التعذيب و الإعدامات الفورية و الاغتيالات التي ارتكبت خلال حرب الجزائر.ليس هناك من شيء يمكن أن يبررها أبداً”.و خلص البيان إلى أن ” رئيس الجمهورية يامل أن يتمكن المؤرخون من إلقاء الضوء سريعاً على المسؤوليات من خلال الإطلاع على محفوظات تلك الحقبة”.
وَيَبْدُو مِنْ كِلَاَمِ زُعَمَاءِ الطَّبَقَةِ السِّيَاسِيَّةِ الْفِرَنْسِيَّةِ أَنَّ الْمَيْلَ السَّائِدَ فِي السِّيَاسَةِ الْخَارِجِيَّةِ الْفَرَنْسِيَّةِ يَقْضِي بِحَصْرِ الْأَعْمَالِ الشَّنِيعَةِ الَّتِي ارْتُكِبَتْ إبَّانَ حَرْبِ الْجَزَائِرِ بِأُوسَارِيسْ وَسِوَاهِ مِنَ الْعَسْكَرِيَّيْنَ الَّذِينَ مَارَسُوا التَّعْذِيبَ، وَالْهُرُوبَ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى الأمام بَدَلًا مِنْ مُوَاجَهَةِ الْوَاقِعِ.
فَقَدْ أَغْلَقَتْ فِرَنْسَا خَزَائنَ التَّارِيخِ الْمَحْشُوَّةِ بِالذِّكْرَيَاتِ الْألِيمَةِ طِيلَةَ الْقَرْنِ الماضي، وَلَكِنَّ أَيْنَ تَنَامُ الْأشْبَاحُ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تَعُودَ إِلَى الظُّهورِ يوماًمَا، لِتَفْرُضَ نَفْسَهَا عَلَى مَسْرَحِ الْأَحْدَاثِ السِّيَاسِيَّةِ فِي فِرَنْسَا؟
وإذا كانت فرنسا قد فتحت خزائن الذاكرة التاريخية بسبب الجرائم التي ارتكبت في الحرب العالمية الأولى 1914-1918، وفي الحرب العالمية الثانية 1939-1945، حين تعاون نظام الماريشال بيتان مع النازيين ، فإِنَّه آن الأوان لكي تفتح الخزانة الثالثة للذاكرة التي تحتوي على جرائم ارتكبت باسم فرنسا إبان الثورة الجزائرية، فيما كان يعرف في مامضى بالحقيقة التاريخية أصبح الآن حقيقة سياسية يبين فيها الواجب و الأخلاق.
إِنَّ صُعُوبَةَ الْمُقَاوِمِ لِلنَّازِيَّةِ فرَانْسُوَا مِيتِرَانٍ فِي مُوَاجَهَةِ الْعَمِيلِ فِيشِي، هِيَ الصُّعُوبَةِ عَيْنَهَا الَّتِي يُوَاجِهُهَا الْيَوْمُ زُعَمَاءَ باريس بِسَبَبِ جَرَائِمِ فِرَنْسَا فِي الْجَزَائِرِ، إِذْ إِنَّ الْوَقَائِعَ التَّارِيخِيَّةِ مَاثِلَةٌ الْيَوْم أَمَامَ الْجَمِيعِ.وَهِي مُعْلَنَةٌ وَصَرِيحَةٌ، وَتَتَحَمَّلُ مَسْؤُولِيَّتُهَا حُكُومَةَ الْجُمْهُورِيَّةِ الْفِرَنْسِيَّةِ الرَّابعَةِ الْمُتَمَتِّعَةِ بِسُلْطَاتٍ اِسْتِثْنَائِيَّةٍ، وَ الَّتِي خَطَّطَتْ وَ أَمَرَتْ وَ غَطَّتْ عَلَى الْجَرَائِمِ الَّتِي اِرْتَكَبَتْهَا الْقُوَّاتُ الْفَرَنْسِيَّةُ فِي الْجَزَائِرِ فِي مُوَاجَهَةِ الْمُقَاوَمَةِ الْوَطَنِيَّةِ التَّحَرُّرِيَّةِ، بِوَصْفِهَا تَتَنَاقَضُ كُلِّيَّا مَعَ كُلَّ الْقَوَانِينِ الْإِنْسَانِيَّةِ، بِمَا فِيهَا قَوَانِينَ الْحَرْبِ.
إِنَّ الْوَاجِبَ الَّذِي فَرَضَ نَفْسُهُ عَلَى فِيشِي يَفْرُضُ نَفْسُهُ الْيَوْمَ عَلَى الْجَزَائِرِ، إذْ إِنَّ الْجَانِبَ الْاِسْتِعْرَاضِيِّ الْعَامِّ وَ التَّفَاخُرِيِّ الَّذِي قَامَ بِهِ الْجِنِرَالُ أوساريس عَبْرَ كِتَابِهِ الَّذِي دَوَّنَ فِيهِ جَرَائِمَ الْحَرْبِ، يَفْرُضُ عَلَى الدَّوْلَةِ الْفَرَنْسِيَّةِ وَاجِبَ الْقِيَامِ بالإعتذار التَّارِيخِيِّ.أَمَّا صَمْتُ السُّلْطَاتِ الْعُلْيَا فِي الدَّوْلَةِ وَ عَدَمُ الْقِيَامِ بِهَذَا الإعتذار، فَإِنَّهُمَا يَعْنِيَانِّ الْقَبُولُ بالديالكتيكِ الْإِجْرَامِيِّ الَّذِي يَضْطَلِعُ بِمَسْؤُولِيَّتِهِ الْمُنَظَّمِ السَّابِقِ لِحَمْلَةِ الإرهابِ وَ الْقَتْلِ فِي الْجَزَائِرِ الْجِنِرَالَ أوساريس وَ سِوَاهُ مِنَ الْعَسْكَرِيَّيْنَ.
إِنَّ المسالةَ لم تَعُدْ قضية المؤرخين، كما زعم في السابق رئيس الحكومة السابق ليونيل جوسبان ، فقد قام هؤلاء المؤرخون أمثال:”بيير فيدال ناكيت” و “بنجامين ستورا”،بأعمالهم منذ وقت طويل ،حين فضحوا ممارسات الجيش الفرنسي أثناء حرب الجزائر.المسالة هي سياسية بامتياز. وهي من دون شك قضائية أيضاً.
لقد كانت السلطات الفرنسية باسم الصراع ضد الحصانة من العقاب، تطالب لندن بتسليم الجنرال الراحل أوغيستو بينوشيه لمحاكمته في فرنسا في بداية الألفية،و تطالب قيادات الخمير الحمر أيضا، التي ارتكبت جرائم إبادة ضد شعبها في كمبوديا، ومجرمي الحرب في يوغوسلافيا، بتقديمهم إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، في حين أنَّها تَرْفُضُ تقديمَ مُجْرِمِي الحرب في الجزائر إلى المحاكمة، لا سيما تقديم الجنرالين ماسو واوساريس، اللذين اعترفَا بارتكابِ جرائمَ التعذيبِ.وكان أوساريس أعلن أنَّه ليس “نادمًا أو آسفًا”، قائلاً إنَّه تمَّ اقرارَ التعذيبِ على أعلى المستوياتِ بالحكومة الفرنسية،وكان ذلك ضروريا للحصول على معلوماتٍ استخباريةٍ. وَبِمُوجِبِ شُرُوطِ الْعَفْوِ مَا بَعْدَ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ بِالْمُسْتَطَاعِ مُحَاكِمَتِهِ بِاِرْتِكَابِ جَرَائِمِ حَرْبٍ.
وَبَدَلاً مِنْ ذَلِكَ، حُوكِمَ وَ أُدِّينَ لِكَوْنِهِ اِعْتَذَرَ عَنْ جَرَائِمِ الْحَرْبِ – وَهْي جَرِيمَةٌ يُعَاقِبُ عَلَيْهَا بِالْغَرَامَةِ.كَمَا جَرَى تَجْرِيدُهُ مِنْ رُتْبَتِهِ الْعَسْكَرِيَّةِ وَوِسَامِ جَوْقَةِ الشَّرَفِ وَهُوَ أَعْلَى الْأَوْسِمَةِ فِي فِرَنْسَا.
مستقبل العلاقات الفرنسية- الجزائرية ما بعد الجماجم
يشكل ملف الذاكرة المطروح بين الجزائروالقوة الاستعمارية السابقة فرنسا عاملاً قويًا يتحكم في منحى العلاقات بين البلدين، أحد العناصر التي كانت تُعكر الأجواء السياسية بين الجزائر وباريس منذ الاستقلال قبل 58 عاماً. وتطالب الجزائر منذ الاستقلال باعتراف فرنسي رسمي عن جرائم الاستعمار بين 1830 و1962، لكنَّ باريس تُؤَكِّدُ في كلِ مرَّةٍ أنَّ الأبناءَ “لا يمكن أن يعتذروا عما اقترفه الآباء”، وتدعو إلى طَيِّ الْمَلَّفِ والتَطَلُّعِ لِلْمُسْتَقْبَلِ الْمُشْتَرَكِ ، حيث كانت قيادات الصفِّ الأولِ في منظومة الحكم الفرنسي، ومن ورائها بعض القادة العسكريين، تقف ضد كل محاولة لفتح مَلَّفِ الذاكرةِ الذي يَكْشِفُ عَارَ هؤلاءِ بالجزائر على امتداد 132 عاماً من الجرائمِ البشعةِ التي ارْتُكِبَتْ بِحَقِّ الشَعْبِ الْجَزَائِرِي، وعمليات الْإِبَادَةِ الْمُمَنْهجَةِ والنهب التي طاولت خيرات هذا الوطن المخضب بدماء الشهداء.
غير إِنَّ وصول الرئيس ماكرون إلى قصر الإليزيه في مايو 2017،الخالي من عقد الماضي الاستعماري،والذي عُرِفَ بمواقفه الجريئة فيما يتعلق بملف جرائم الاحتلال الفرنسي للجزائر، بل وينتظر بعض المتابعين في الجزائر أن تقوم فرنسا بالاعتذار عن حقبة الاستعمار،وإصرار المسؤولين الجزائريين، وعلى رأسهم تبون، على ضرورة ربط ملف الذاكرة بمجمل القضايا العالقة مع فرنسا، كانا من بين العوامل التي مكنت من إعادة جماجم االمقاومين الجزائريين.
سبق وأثار  الرئيس ماكرون غضب بعض التيارات السياسية الفرنسية عندما صرح في حواره له مع صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية “إنَّ 132 عامًا من الاستعمار الفرنسي للجزائر شهدت جرائم وأفعالاً بربريةً التي سَتُصَنَّفُ اليوم بوصفها جرائمَ ضد الإنسانية”. كما دعا خلال زيارته للجزائر في شباط/فبراير2017 فرنسا للاعتذار عن جرائم الماضي،لا سيما تلك التي ارتكبت إبان حرب استقلال الجزائر التي انتهت في عام 1962.
يَرَى الْمُتَابِعُونَ لِمَلَفِّ الْعَلَاَّقَاتِ الْفِرَنْسِيَّةِ -الْجَزَائِرِيَّةِ الْمُتَعَلِّقِ بِحَرْبِ الذَّاكِرَةِ التَّارِيخِيَّةِ، أَنَّ صُعُودَ حُكَّامٍ جُدَدٍ فِي باريس مَكَّنَ مِنْ تَغْيِيرِ دَفَّةِ الْعَلَاَّقَاتِ مَعَ الْجَزَائِرِ، لَا سِيَمَا فِي الْعَلَاَّقَةِ بِمَلَفِّ الْاِسْتِعْمَارِ.فَقَدْ شَهِدَتِ الْعَلَاَّقَاتُ الْفَرَنْسِيَّةُ – الْجَزَائِرِيَّةُ تَوَتُّرَاتٍ حَقِيقِيَّةٍ بَعْدَ اِنْدِلَاعِ الْحِرَاكِ الشَّعْبِيِّ الْجَزَائِرِيِّ فِي فِبْرَايرِ 2019، بِسَبَبِ الْحَمَلَاتِ الْفَرَنْسِيَّةِ غَيْرَ الرَّسْمِيَّةِ فِي الْإعْلَاَمِ، وَالرَّسْمِيَّةِ أَحَيَّانًا، وَتَطَوُّرَاتِ الْمَلَفِّ اللِّيبِيِّ، وَاِخْتِلَاَفِ وِجْهَاتِ النَّظَرِ بِشَأْنِ الْأَزْمَةِ اللِّيبِيَّةِ، وَالْعَامِلِ التُرْكِيِّ وَتَقَارُبِهِ مَعَ رُؤْيَةِ الْجَزَائِرِ فِي الشِّقِّ السِّيَاسِيِّ، بِخِلَاَفِ الشِّقِّ الْعَسْكَرِيِّ، كُلَّ ذَلِكَ أَدَّى إِلَى خَشْيَةِ فِرَنْسَا مِنْ فُقْدَانِ التَّوَازُنِ فِي طَيِّ مَلَفِّ الذَّاكِرَةِ.
وجاء وصول الرئيس عبد المجيد تبون إلى السلطة في الجزائر،وإعلان قصر الإليزيه عن حسن نواياه تجاه القيادة السياسية الجديدة في الجزائر،واستدراكِ أخطاءٍ سياسيةٍ ارتكبتها القيادة الفرنسية في قراءتها للواقع الجزائري ما بعد الحراك الشعبي ،وتسليم جماجم المقاومين الجزائريين،وهو ما اعتبره المؤرخون بأنَّه ينطوي على إرادةٍ جدِّيَةٍ لحكّام باريس في إغلاق وتصفية ملف الذاكرة المعطّل للعلاقات مع بلدٍ حيويٍّ مثل الجزائر، وفي المقابل محاولة السلطة الجزائرية استثمار هذا المنجز الرمزي لصالح تبون بعد ستة أشهر فقط من فترة حكمه، ووجود اتصالات متقدمة تجري بين باريس والجزائر لترتيب عقد اجتماع اللجنة الكبرى الجزائرية الفرنسية، برئاسة رئيسي حكومتي البلدين، يرتقب أن يُعقد في باريس قبل نهاية الشهر الحالي، قبل زيارة متوقعة سيقوم بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى العاصمة الفرنسية، بدعوة من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، مباشرة بعد نهاية أزمة وباء كورونا،كل هذه المعطيات تؤشر إلى أن فرنسا تريد استرجاع التوازن في العلاقة مع الجزائر من خلال حلحلة ملف الذاكرة.
في ضوء أزمة جائحة كورونا، وتفاقم الأزمة الليبية في المتوسط، ودخول منافسين كبار إلى السوق الجزائرية، ترغب القيادة الفرنسية في عدم خسارة مصالحها في الجزائر، حيث تواجه منافسة من شركاء اقتصاديين، كألمانيا والصين التي أصبحت الشريك الاقتصادي الأول للجزائر بدلاً من فرنسا، وتركيا التي أزاحت فرنسا وباتت المستثمر الأول في الجزائر.
يَحْتَاجُ طَيَّ صَفْحَةِ الماضي الْكُولُونْيَالِي،إِلَى شَجَاعَة سِيَاسِيَّةٍ وَأدَبِيَّةٍ وَأخْلَاقِيَّةٍ عَالِيَةٍ،مِنَ الْجَانِبِينِ الْفِرَنْسِيَّ وَ الْجَزَائِرِيِّ، فَالتَّارِيخُ لَا يَطْوِي صَفْحَاتُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ.كَمَا أَنَّهُ مِنَ الصَّعْبِ جِدًّا تَجَاوُزِ تَارِيخِ الذَّاكِرَةِ لِشَعْبٍ بِأَكْمَلِهِ، حَتَّى وَإِنْ أُسْهَمَ الْمُؤَرِّخُونَ فِي رَدْمِ الْهُوَّةِ الْمَحْفُورَةِ بَيْنَ فِرَنْسَا وَ الْجَزَائرَ.مِنْ هُنَا، فَإِنَّ مَوَاقِفَ الرَّئِيسِ الْفِرَنْسِيِّ الْجَدِيدِ مَاكِرُونَ بِشَأْنِ نَقْدِهِ للماضي الكولونيالي، وَالَّتِي لَاقَتْ تَرْحِيبًا وَاسِعًا فِي الْجَزَائِرِ، تَقْتَضِي أَنْ تُقَدِّمَ فِرَنْسَا اِعْتِذَارًا وَاضِحًا لِلشَّعْبِ الْجَزَائِرِيِّ، حَتَّى يَسْتَطِيعَ تَجَاوُزَ تَارِيخِ الْألَمِ.وَنَسْتَطِيعُ حِينَهَا أَنْ نَقُولَ إِنَّ هُنَاكَ تَحَوُّلًا قَدْ حَدَثَ فِي الْمَوْقِفِ الرَّسَمِيِّ الْفَرْنَسِيِّ، بِمَا يَجْعَلُ عَلاقَات فِرَنْسَا مَعَ الْجَزَائِرِ تَنْتَقِلُ مِنْ عُقْدَةِ الْهَيْمَنَةِ إِلَى مَجَالِ الشَّرِيكِ الْفَاعِلِ فِي مَنْظُورِالْعَلَاقَاتِ الْإِقْلِيمِيَّةِ وَالدَّوْلِيَّةِ لَمَا بَعْدَ الْحِرَاكِ الشَّعْبِيِّ.
المصدر: نشرة أفق عن مؤسسة الفكر العربي في بيروت،16سبتمبر2020

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق