تحاليلتونس

هل عمقت “حركة الشعب” الناصرية أزمة التيار القومي في تونس؟ (1 من2)

بقلم : علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

مثّل السلوك السياسي لحركة الشعب الناصرية خلال الفترة الماضية، صدمة لعدد من المتابعين السياسيين وحتى لأنصار التيار القومي بمختلف مشاربه وتياراته وروافده في تونس بل وفي كل المنطقة العربية، وان كان مرد ذلك هي مواقف وسياقات واصطفافات وتصريحات عدة بعضها انفعالي وبعضها ظرفي وطارئ وحتمته خيارات تنظيمية وقناعات فكرية سابقة وأخرى تأسيسية للتيار الناصري في تونس والعالم العربي، ولكن هل يمكن موضوعيا القول أن حركة الشعب قد عمقت فعليا أزمة التيار القومي في تونس على أزماته السابقة والتي تعود بعض ارهاصاتها لمنتصف عقد الثمانينات من القرن الماضي، وهل راكم الفعل السياسي المهتز لحركة الشعب تخبطا أكثر للقوميين في تونس وخاصة في ظل عدم نجاح العمل الجبهوي بينهم، إضافة الى فشل عمليات التوحيد المتكررة بين مدعي الوحدوية منذ سنة 1980؟

*** مرد طرح السؤال؟

  • التيّار القومي أصيل في تونس المعاصرة ولرواده ومؤسسيه نضالات وبطولات عدة حيث تعود جذوره الأولى الى أهم رافد رئيسي في الحزب الدستوري الحر وفي الحركة الوطنية التونسية، وهو أيضا أحد أهم الأطراف التي استطاعت مقارعة الاستبداد في ظل حقبتي الاستبداد بعد أن رفض المرحوم “صالح بن يوسف” اتفاقيات الاستقلال الداخلي وتصدى للانحراف في الحزب الدستوري الجديد، ورغم الخيبات والانكسارات والانقسامات التي عرفتها تنظيماته وتشكيلاته، فقد استطاع أنصار التيارات القومية تكوين أحزاب ذات مرجعيات قومية عربية ورفع مطالب العروبيين في كل المنطقة وكان منطلقا لبعث تيارات فكرية قومية تصدت بالتكامل مع تيارات المعارضة التونسية لتيار التغريب والإلحاق الحضاري كما تصدر للنزعات الاستبدادية وركوب موجة التنازلات في القضايا العربية الكبرى…
  • عانى التيار القومي في تونس من انقسامات التيار القومي في المشرق العربي وخيبات التجارب القومية في الحكم، خاصة وأن هذه الأخيرة كانت لها انعكساتها الكبرى على بنيته الفكرية والتنظيمية وعلى تشتيت المشتت تنظيميا وتجزئة المجزأ سياسيا، وٍرأينا بعد الثورة أكثر من 13 تنظيما وحزبا قوميا عربيا (حزبين يؤمنان بالديمقراطية المباشرة لم يقننا أصلا – حوالي أربع تنظيمات بعثية عراقية، تنظيمين بعثيين سوريين – حزب قومي ديمقراطي – حزبين ناصريين أو أكثر – حزبين أو أكثر على علاقة بالماركسيين العرب….)، إضافة لشخصيات بقيت مستقلة ونشطت في المجال الجمعياتي وفي المنظمات الوطنية وأخرى انتمت لأحزاب ليبيرالية وأخرى أقرب لليسار الماركسي، إضافة الى وجوه ومجموعات التحقت بأحزاب التيار الإسلامي…
  • راهن كثيرون على “حركة الشعب” كتيار استطاع كسب أصوات الناخبين وعوض الجبهة الشعبية في برلمان 2019 بعد أن كان كحزب أحد مكونات “الجبهة ” الـــــــــ13 في بداية سنة 2013 رغم أن حركة الشعب لم تكن طرفا مؤسسا في الجبهة في أكتوبر 2012، ولكن مختلف مواقف “حركة الشعب” اليوم (أوت- سبتمبر 2020)، هو محل خلاف وجدل كبيرين لا في الأوساط السياسية العامة بل أيضا بين مكونات اليسار العروبي وحتى داخل المجلس الوطني للحزب/الحركة ولعل انتقادات أحد مؤسسي التيار الناصري ومكونه الطلابي في عقدي السبعينات والثمانينات “عمران المدوري” مسألة دالة ومعبرة ومضاف الى ذلك سيل الاتهامات التي أطلقها بعض قياديين بعثيين للناصريين وخاصة بشأن علاقاتهم بالإيرانيين ولآليات فعلهم في قضايا قومية تهم تونس وكل العالم العربي، وهو مثال ثان وراءه أمثلة أخرى ليس المجال لتعدادها وحصرها في مقال/دراسة الحال…

*** حول آليات الفعل السياسي لــ”حركة الشعب” بين 2010 و2020

  • رغم أننا في مقال/دراسة الحال ليس في موقع تقييم نقدي للفعل السياسي لحركة الشعب بين سنتي 2010 و2020 فان ارث السنوات العشر له أثر بين على مواقف حركة الشعب الأخيرة سياسيا واجتماعيا، وهي مواقف ستكون محددة لمستقبل اهم الأحزاب القومية في تونس خلال السنوات القادمة ومدى قدرتها على الصمود كحزب موحد أو كحزب مُمثل للتيار القومي في المشهد السياسي التونسي الراهن وبالتالي مدى قدرتها كحزب يرفع لافتة الوحدوية على توحيد كيانها أولا وتوحيد القوى الوحدوية ثانيا، ذلك أن هدفها الاستراتيجي المعلن لأنصارها وحلفائها هي توحيد الأمة العربية وتدعيم الفعل الوجودي أولا والحضاري ثانيا لكل العرب في مواجهة الصهيونية والامبريالية، ولكن قبل ذلك هل غلب التكتيكي وسيطر على الاهتمام الاستراتيجي خلال السنوات العشر الماضية؟
  • عديدة هي الأخطاء التي سقط فيها مؤسسو “حركة الشعب” وقياداتها الميدانية والسياسية باعتبارها كحزب هي نتاج عملية توحيدية بين تيارين قوميين ناصريين توجت سنة 2012 بالإعلان عن حركة الشعب (بقيادة المرحوم الحاج محمد البراهمي) بعد الاختلاف مع البشير الصيد ومجموعته والتيارات المناصرة له، قبل أن يحدث في وقت لاحق انشقاق كل من “حزب الغد” (بقيادة عمر الشاهد) و”التيار الشعبي” (بقيادة زهير حمدي)، وهو ما يعني وأنه عوضا عن تأسيس وتوحيد تيار قومي جامع لكل القوميين والعروبيين، تم تأسيس حزب من بين أحزاب يمثل التيار الناصري، وهو في رأينا أول الأخطاء الاستراتيجية التي ستمثل تكريس لأزمة التيار القومي في تونس (رغم ان ذلك تتحمله طبعا كل مكونات القوميين في تونس بما فيها بقية الناصريين والوحدويين)، وهو أمر دفع بشخصيات وسياسيين ناصريين يعدون بالعشرات للبحث عن مواقع للفعل السياسي والاجتماعي خارج الأحزاب القومية العربية…
  • إضافة إلى ما سبق لم تستطع قيادات “حركة الشعب” إدارة حوارات كبرى لاحتواء بقية أنصار الفكرة الناصرية فهي مثلا لا حصرا، لم تبلور موقف من “تجربة القذافي” في حكم ليبيا لأكثر من أربعة عقود ولا حتى قراءة الساحة الاقليمية قراءة حقيقية بل ووجدت نفسها في اصطفافات إقليمية، وتراجعت ملفات أخرى من اهتماماتها على غرار قضية “الأحواز” (والتي كانت اعلامهم حاضرة في الندوات الصحفية التأسيسية سنتي 2011 و2012 لتغيب لاحقا حتى من النصوص والبيانات) إضافة الى أمثلة أخرى دالة ومعبرة…
  • فكرة الذهاب في تأسيس حزب ناصري بقراءات مُعينة وبالآليات التي حدثت سنتي 2011و2012 عمقت الهوة بين مجموعة “الخيار الاستراتيجي” (عدم الايمان بفكرة الأحزاب) وبين قيادات حركة الشعب والتيارين المتعايشين داخلها، وتلك الهوة /الخلاف لم تُمكن حركة الشعب فعليا من الالتقاء مع التيار القومي الديمقراطي (توفيق المديني-عمر الماجري وآخرين)، كما أن الخط السياسي المُتبع جعل ارث “الحركة اليوسفية” بكل أشكاله وترتباته يذهب لحركة النهضة وبقية أحزاب وتنظيمات أكثر مما يأتي الى رحاب “حركة الشعب” وهو أمر يدعو للدراسة والغرابة، كما أن الموقف من التطورات في سوريا عمقت الهوة مع شخصيات تؤمن بالعروبة ولا تؤمن بــــــــــــــ”القومية” كفكرة ومصطلح كلاسيكيين، والسؤال هنا لماذا لم يلتق الناصريون مع الدكتور “المرزوقي” كمثال دال ومعبر ولكنه ليس الوحيد طبعا….

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية بتاريخ 03 سبتمبر 2020

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق