رأي

حكومة الرئيس الثانية … أي حظوظ لاستمرار المسار الديمقراطي في تونس؟

بقلم : بحري العرفاوي 

بعد فشل حكومة الحبيب الجملي (حكومة حركة النهضة باعتبارها الحزب الفائز في انتخابات تشرين الأول/ أكتوبر 2019) في نيل ثقة البرلمان، آل الأمر إلى رئيس الجمهورية قيس سعيد الذي كلف إلياس الفخفاخ بتشكيل حكومة؛ اختار أن تكون “شراكة” بين أبرز الأحزاب ذات الكتل البرلمانية الضامنة لتزكيتها ولتمرير القوانين، فكان أن نالت يوم 27 شباط/ فبراير ثقة 129 نائبا، وهي أغلبية شبه مريحة. ثم كانت أزمة كورونا، فطلب إلياس الفخفاخ تفويضا من البرلمان لتسريع الحكم بـ”الإجراءات” بدل الرجوع كل مرة إلى البرلمان في زمن وبائي تعطلت فيه  (بشكل كبير) مختلف مرافق الدولة.

ولكن وبعد أن فرح التونسيون بنتائج حكومة الفخفاخ الإيجابية، خاصة في مواجهة الوباء، كانت المفاجأة السيئة حين تم الكشف عن شبهة فساد أو ما عُرف بـ”تضارب مصالح” لدى رئيس الحكومة، فكانت دعوة حركة النهضة إلى سحب الثقة منه.

هل كانت الدعوة إلى سحب الثقة دعوة مبدئية أم هي عقوبة له بسبب عدم تشريكه لقلب تونس في الحكم، كما طالبت به النهضة وكما يرفضه قيس سعيد؟ هل فعلا حركة النهضة تريد “معاقبة” الفخفاخ والضغط عليه حتى يبتعد قليلا عن قيس سعيد، كما فعلت من قبل مع يوسف الشاهد حين أفلحت في “سحبه” من أحضان الرئيس السابق الباجي قائد السبسي رحمه الله؟

حركة النهضة فقدت الثقة في شركائها في الحكم (التيار الديمقراطي، وحركة الشعب، وتحيا تونس)، فكانت حاجتها أكيدة لتوسيع المشاركة في الحكم بإدخال حزب قلب تونس الذي تجده أقرب إليها من بقية الأحزاب، والذي تحتاج أصوات كتلته في مناسبات “حرجة”، كما حدث فعلا في جلسة “سحب الثقة” يوم 30 تموز/ يوليو الماضي.

قيس سعيد كان يعلم أن سحب الثقة من الفخفاخ يعني سحب التكليف منه هو شخصيا ليعود الأمر إلى الحزب الأول فتختار حركة النهضة رئيس حكومة جديدا، لذلك استبق انعقاد جلسة سحب الثقة بإعلان استقالة الفخفاخ، وهي “استقالة” قيل أنها متأخرة عن لائحة سحب الثقة، ولكن حركة النهضة رفضت الدخول مع الرئيس في معركة تأويل فصول الدستور في هذه المسألة.

الفخفاخ تصرف بعدها بطريقة انفعالية حين أعلن على الفور إخراج وزراء حركة النهضة الستة من الحكومة، وهي حكومة تصريف أعمال وهو في وضعية الاستقالة، فكيف يقيل وزراء، خاصة وزير الصحة عبد اللطيف المكي الذي شهد له التونسيون بكفاءة عالية في إدارة المعركة ضد كورونا؟

قيس سعيد لم يستشر الأحزاب بطريقة جدية حول الاسم المرشح لرئاسة الحكومة، بل اعتمد معها أسلوبا مهينا كان استعمله أيضا عند التكليف الأول، حين طلب منها تضمين مقترحاتها المكتوبة في مراسلة تودع في مكتب خارج بناية القصر

هناك “شبهة” أخلاقية طالت الرئيس بسبب “فعلته” تلك، تلك “الفعلة” هي التي حافظ بها على حق التكليف من جديد، فكان اختياره على هشام المشيشي. وهناك “سقطة” أخلاقية أخرى طالت الفخفاخ.

قيس سعيد لم يستشر الأحزاب بطريقة جدية حول الاسم المرشح لرئاسة الحكومة، بل اعتمد معها أسلوبا مهينا كان استعمله أيضا عند التكليف الأول، حين طلب منها تضمين مقترحاتها المكتوبة في مراسلة تودع في مكتب خارج بناية القصر، أُعِدّ خصيصا لتلك المهمة العابرة.

هشام المشيشي هو وزير داخلية حكومة الفخفاخ المقالة، ولم يرد اسمه في أي قائمة من قوائم الأسماء المقترحة من الأحزاب، وهو شخصية غير سياسية ولكنه محسوب على قيس سعيد.

ثمة “توجس” من كونهما يستهدفان وجودها السياسي ويعملان على إقصائها من المشهد، في تحالف واضح مع حركة الشعب والتيار الديمقراطي، وفي التقاء موضوعي مع الحزب الدستوري الحر برئاسة عبير موسي

السلوك السياسي لكل من الفخفاخ وقيس سعيد جعل كثيرا من المراقبين يعتبرون أن الرجلين يتصرفان بغير منطق الدولة، بل ولا يلتزمان بالأخلاق السياسية في منافسة أبرز شريك في الحكم وهو حركة النهضة، بل ثمة “توجس” من كونهما يستهدفان وجودها السياسي ويعملان على إقصائها من المشهد، في تحالف واضح مع حركة الشعب والتيار الديمقراطي، وفي التقاء موضوعي مع الحزب الدستوري الحر برئاسة عبير موسي.

قيس سعيد لم يُصدر أي موقف تجاه ما تعرض له رئيس البرلمان راشد الغنوشي من استهداف مركز مسيء ومدمّر؛ اشتركت فيه عبير موسي وبعض الأسماء البرلمانية المعروفة بالتهريج وتصديع الرؤوس. لم يتخذ أي موقف ولم يُرسل أي إشارة، حتى لكأنه كان ينتظر أن يُزفّ له خبر سحب الثقة من رئيس البرلمان في جلسة تجنّد لها خصوم النهضة كلهم.

كل ما فعله رئيس الدولة قيس سعيد حين زاره راشد الغنوشي في القصر، بصحبة نائبيه في البرلمان، هو إلقاء خطبة بحضورهم عن المسؤولية في إدارة شأن البرلمان وتسيير الجلسات، ثم أطلق كلاما غامضا حول “صواريخ على منصاتها جاهزة للإطلاق”.

رئيس الحكومة المكلف الجديد هشام المشيشي أعلن منذ البداية عن حكومة غير سياسية وخالية من الأحزاب، وهو “تصور” اعتبره الكثير من المراقبين تعبيرا عن موقف قيس سعيد من الأحزاب ومن السياسيين، بل ومن النظام السياسي برمته، وحتى من النظام الانتخابي ومن الديمقراطية، ومن الثورة التي لم يتكلم فيها وعنها.

كيف يمكن طمأنة التونسيين بأن البلاد ليست بصدد الخروج عن المسار الديمقراطي؟ كيف يمكن الثقة بسياسيين لا يكفون عن نصب الفخاخ وتصيد الفرص للإيقاع بمنافسيهم من شركائهم في المشهد السياسي وفي مقتضيات المواطنة؟

هل فعلا ستكون حكومة خالية من الأحزاب أم ستكون خالية من النهضة؟ هذا سؤال يطرحه مناضلو حركة النهضة تحديدا، وهم يعلمون أن أغلب الأسماء التي وردت في تشكيلة المشيشي ليست مستقلة. لقد عبّرت عبير موسي بوضوح عن أنها ستدعم أي حكومة بشرط ألا يكون فيها أي شخص له أدنى “شبهة” ارتباط بحركة النهضة (الإخوان كما تقول هي).

ليس مهمّا أن تحظى حكومة المشيشي يوم الأول من أيلول/ سبتمبر القادم بثقة البرلمان أو لا، ولكن الأهم هو كيف يمكن طمأنة التونسيين بأن البلاد ليست بصدد الخروج عن المسار الديمقراطي؟ كيف يمكن الثقة بسياسيين لا يكفون عن نصب الفخاخ وتصيد الفرص للإيقاع بمنافسيهم من شركائهم في المشهد السياسي وفي مقتضيات المواطنة؟ كيف يمكن الاطمئنان لرئيس دولة لم يكشف بوضوح حتى الآن عن رؤيته السياسية ومشروعه في الحكم، وعن نواياه تجاه الأحزاب وتجاه البرلمان وتجاه المسار الديمقراطي؟ كيف يمكن التعامل مع رئيس دولة كلما تكلم لجأ إلى الثكنات وخطب بحضرة الجيش، وألقى بجُمل كـ”الحِمم” تصدم المتلقي ولا تبيّن عن موقف ولا تجيب عن أسئلة؟

المصدر: عربي 21__ 31 اوت 2020

تابع الخبر من مصدره الاصلي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق