رأي

رأي / ما تبقى من حفتر

بقلم : ماجدة العرامي

أخرست الهزائم حفتر وأنطقت داعميه، فالسيسي يترك ملف إثيوبيا بعدما استنجد بمجلس الأمن، ويهرع إلى حدود بلاده الغربية، ويصرخ أمام جيشه بأن وسط ليبيا خط أحمر، وأن تجاوزه يهدّد الأمن القومي، ويتوعد بتدخّل قواته، ويؤكّد أنه «سيسلّح أبناء القبائل الليبية ويدرّبهم للقتال ببلادهم»، وكأن كل تلك الدماء الليبية التي سالت ليست كافية لذلك الجار وبئس جواره.
طرابلس أرجعت إلى السيسي خطوطه الحمراء، ووضعتها بمحلها الجغرافي الصحيح، وانهالت الردود بشتى الصيغ، وكلها أجمعت على أن كلامه إعلان للحرب: أحدها يصف ليبيا كلها بالخط الأحمر، وآخر يطلب منه إغلاق حدوده، وثالثها يسأله عن سبب غيبوبته المدة الماضية أمام قصف حفتر للمدنيين، ورابع وخامس وسادس.
ناطق قوات الوفاق مثلاً، ذكّر السيسي أنهم عندما حرّروا سرت في 2016 قتلوا دواعش مصريين هناك وسلّموا القاهرة أبناءها في صمت دون مزايدة إعلامية، ومجلس الدولة الليبي اتهم السيسي بإذكاء الفتن ودفع الليبيين إلى التقاتل، والمجلس الرئاسي يعد بأنه سيرد بقوة على أي تهديد، ويصف تلك التصريحات بالمنتهكة للسيادة الليبية.
نعم، انقلبت الموازين في ليبيا، فمنذ كان تعويل الدول الداعمة لحفتر على بعض المرتزقة والعتاد، صار الحديث عن خطوات أكبر لإنقاذ ما تبقى من حفتر، ومن مشاريع الخراب والانقلاب على الشرعية.
يضع الخطوط الحمراء كيفما شاء حول سرت الليبية، التي يدعم من خلالها الحليف المهزوم، ويعلن أن «أيّ تدخل مباشر من جانب مصر باتت تتوفر له الشرعية الدولية، فالدفاع عن النفس والأمن القومي حق يكفله ميثاق الأمم المتحدة»، تلك تعليلات السيسي، ويتخفى وراءها دفع من الحلفاء البعيدين في الجغرافيا.
تقارير إعلامية قالت، إن الإمارات تقف بشكل مباشر وراء التهديد المصري، فقد بان جلياً أن حلفاء حفتر أرادوا أن يلعبوا الورقة الأخيرة في كفّتهم، وهي الجارة الأقرب لليبيا مصر، وكلمة السر لأي تدخّل مغلّف بالشرعية هو حماية الأمن القومي والحدود.
فشلت إذن التدخلات غير المشروعة والمتخفية للقاهرة، فراح حلفاء حفتر يبحثون أي الأبواب أقرب لإنقاذ ما تبقى من حفتر، ومن آمال مشروعات الانقلاب.
«لماذا يهدّدون باستخدام القوة كل يوم وليلة؟ هل نسي هؤلاء أنهم ساعدوا وأيّدوا حفتر الجنرال المنقلب في ليبيا على مدار أكثر من خمسة أعوام، والنتيجة يعرفها العالم»، هكذا علّق المتحدث باسم الرئاسة التركية ياسين أقطاي في سلسلة تغريدات رداً على تصريحات السيسي!
تركيا حليفة حكومة الوفاق في إطار اتفاقية أمنية موقّعة ومودعة لدى مجلس الأمن، صرّحت على لسان وزير خارجيتها، أن «القاهرة تتصرف بناء على توجيهات فرنسا والإمارات»، فسِرت والجفرة بعيدتان عن الحدود المصرية، وتقعان وسط البلاد، فكيف تعتبران خطاً أحمر لمصر؟
موقف أميركا المعلن ما زال ضبابياً، لكن اجتماعاً موسعاً بين قيادات «أفريكوم» وسفير واشنطن عُقد مع مسؤولي حكومة الوفاق، وصرّح بعده وزير داخليتها بأن هزائم حفتر زادت التوافق مع الولايات المتحدة حول فرض الحلّ السياسي بليبيا.
ربما قد تعيد بعض الأطراف الفاعلة في ليبيا حساباتها، لا سيما أن كل الدلائل تشير مؤخراً إلى تقارب وجهات النظر بين تركيا وأميركا بشأن ليبيا، فحفتر لا شك بات الحلقة الأضعف في أعين داعميه، والشخصية الأشد ثقلاً عليهم في ظل الهزائم المتلاحقة.

المصدر: العرب بتاريخ 28 جوان 2020 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق