رأي

الغنوشي رجل حوار بامتياز..سيرة المفكر والسياسي والزعيم

من قرأ للشيخ الأستاذ راشد الغنوشي أو جالسه أو سمعه أو حاوره أو حتى تقاطع معه في مرة من المرات، أو تابع مسيرته الفكرية والسياسية، اختلف أو اتفق معه، يدرك جيدا بأن الرجل هو عنوان لسيرة ثرية ودربة طويلة ورحلة شاقة ومتعرجة في عالمي الفكر والسياسة يزيد عمرها عن الخمسين سنة أمضاها بدون كلل ولا ملل، وبدون انقطاع حتى وهو سجين في زنزانات بن بورقيبة وبن علي وهو يواجه الحكم بالإعدام.

وإذا كان علي أن أعطي عنوانا للغنوشي فلن أجد أفضل وأبلغ من أن أصفه بأهمّ خصلة غلبت عليه في كل مراحل حياته الفكرية والسياسية، الغنوشي رجل حوار بامتياز لأن رحلة الغنوشي لم تكن إلا حالة مزمنة من السؤال والنقد والمراجعة والحوار والتأمل ثم إنتاج المعرفة والأفكار.

ويبدو هذا الخيط الناظم في الشخصية الفكرية والسياسية للغنوشي واضحا في سيرته التي نجد فيها شهادات كثيرة تؤكد أنه رجل حوار بامتياز.

النشأة الأولى للغنوشي كانت في رحاب التعليم الزيتوني بقابس حيث تعلم القرآن وحفظ أجزاء منه وحصّل بعض العلوم والمعارف الإسلامية بمنهج التعليم الزيتوني التقليدي فطبع ذلك سمته الأخلاقي وغرس فيه روح الانتماء للإسلام وأمته. عندما بدأ الغنوشي يخطو خطواته الأولى في طرح السؤال والحيرة والشك في الواقع لم يجد أجوبة مقنعة يفسّر بها أسباب المفارقة الكبيرة بين روح الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان وبين الواقع المتردي لأمة الإسلام على كل الأصعدة الفكرية والثقافية والاجتماعية جعلت منها أمة ملحقة مسلوبة الإرادة وجعلت أوطانها مجزأة ومستعمرة ومنهوبة يسودها التخلف والأمية والفقر وتسكنها الأمراض والأوبئة.

اختزن الغنوشي حيرته واتجه إلى فضاء آخر لعلّه يجد فيه بعضا من جواب على أسئلته، فكان انتقاله الأول مكانيا من تونس إلى سوريا وانتقاله دراسيا من العلوم الشرعية إلى الهندسة الفلاحية وانتقاله ثقافيا من المغرب إلى المشرق.

احتكاك الغنوشي بعالمه الجديد في كل أبعاده ولّد لديه أسئلة جديدة فعاد يسأل نفسه مرة أخرى ويحاكي أفكاره وقناعاته، فتعاظمت حيرته وتعدّدت أبعادها بتعدّد بيئته الجديدة، فنشط داخله الحس النقدي، نقد بضاعته من الأفكار ونقد الأفكار المعروضة أمامه من خلال محاورة رموزها والمدافعين عنها فكان الانتقال مرة أخرى من الهندسة الفلاحية إلى الفلسفة والانتقال بعد رحلة من التأمل الفكري إلى اختيارات فكرية جمع فيها الغنوشي بين الإسلام والعروبة فأصبحت بذلك شخصيته الفكرية مركّبة وصدى لتزاوج الفكرة الإسلامية مع الانتماء القومي وهما أهم مكونين من مكونات شخصية العربي المسلم.

لقد كان هذا التركيب في الشخصية الفكرية للغنوشي منذ بواكير رحلته الفكرية تعبيرا واضحا عن قدرة الرجل على محاورة الأفكار وعلى منزع لازمه في بقية مسيرته هو البحث عن المشتركات التي يمكن أن تكون أساسا لقيام اجتماع عربي وإسلامي مركّب ومعقّد. لم تكن هذه المزاوجة بين العروبة والإسلام هي نهاية مطاف رحلة الغنوشي بقدر ما كانت بدايتها، ليواصل السير بعد ذلك في نفس الاتجاه، محاورا الأفكار أخذا وعطاء من أجل البحث عن مشتركات تؤسس للعيش المشترك والاعتراف المتبادل وإدارة الخلافات على قاعدة حق الاختلاف وواجب وحدة الصف.

تلك كانت سيرة الغنوشي المفكر والسياسي والزعيم، جهدا متواصلا في نقد القناعات ومحاورة المخالفين وإنتاجا لأفكار جديدة أكثر صلابة وأكثر فاعلية وأكثر استجابة للواقع وتحدياته، تنهي معارك وتتجاوز مشكلات وتفتح آفاقا.

فقد حاور الغنوشي على امتداد سيرته ولا يزال الإسلام السياسي ونقد أسسه وقدمّ مشروعا فكريا جديدا يقوم على أن الإسلام لا يتعارض مع الديمقراطية وأن الإسلام ليس في خصومة مع الحريات الفردية والجماعية وإنما هو يعلي من شأن الانسان الذي كرّمه الله بأن جعله حرّا مريدا ومسؤولا عن تصرفاته. فليس من الصدفة أو الترف الفكري أن يكون أهمّ مبحث أمضى الغنوشي عقودا طويلة في دراسته وتقليبه هو مبحث الحرية في الإسلام الذي قدّمه للإسلاميين ولكل العالم في ثوب جديد وفي سياق جديد وبمعاني ودلالات جديدة متأصلة في الفكرة الإسلامية وقادرة على تغيير الواقع نحو الأفضل وتجاوز العديد من المشكلات التي أعاقت لعقود وربما أكثر من ذلك تطور الحالة الإسلامية والعربية وكرست وصمها بمعاداة الحرية والديمقراطية.

بدأ الغنوشي رحلته في هذه الطريق تقريبا وحيدا، وبدأت أفكاره في النقد وأطروحته في حوار العقل الإسلامي في هذه المادة، مادة الحرية، منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي على صفحات جريدة المعرفة التونسية وغيرها من المنابر الأخرى رغم ندرتها ولاقى من التهجم والعنت الشيء الكثير ولكن عزم لم يفتر وواصل نضاله الفكري في بيئة محافظة ومتكلسة ولم يمض وقت طويل حتى بدأ الشباب يلتف حول أفكاره وبدأ المفكرون يناقشونه فتوسعت دائرة المؤمنين بالحرية داخل العقل والفضاء الإسلاميين وقتها لتتواصل المسيرة بعد ذلك رغم الملاحقات الأمنية والسجن.

لم يمض وقت طويل حتى ظهر في الجامعة التونسية تيار طلابي إسلامي كان من أول شعاراته “نريد الحرية في الجامعة كما في البلاد”، وتيار شبابي في البلاد التفّة حول أفكار الغنوشي الذي كان يجوب البلاد طولا وعرضا ويقطع المسافات الطويلة لملاقاة الشباب والحوار معهم في جلسات كانت يصلون فيها الليل بالنهار، كما أصبح للغنوشي متابعين في بلدان عربية وأعجمية وأوربية كثيرة رأوا في أطروحته مادة جديدة ربما بحثوا عنها طويلا ولم يجدوها إلا لدى الغنوشي.

لم يكن العقل الإسلامي هو المحاور الوحيد للغنوشي، فقد وجدت أفكار الغنوشي لدى أقطاب المعارضة التونسية وعددا من الشخصيات التاريخية ومن بناة الدولة الحديثة ما رغّبهم في الحوار معه، وعندما خالطوه وجدوا فيه مفكرا عميقا وسياسيا محنكا ومحاورا جيدا.

حاور الغنوشي أعلام الفكر القومي ورموز المسيحية العربية، وكانت له مساهمة مقدّرة في تأسيس المؤتمر القومي الإسلامي في تسعينيات القرن الماضي مما ساهم في هيكلة الخلافات ودفع الحوار القومي الإسلامي والتقدّم به أشواطا مهمة من التقارب كان الكثيرون يعتقدون لعقود وربما لقرون استحالة تحقق ذلك وكأن الخصومة بين الإسلام والعروبة خصومة أبدية وبأنهما ضدّان لا يلتقيان رغم أنهما منغرسين في وجدان العرب والمسلمين وعنصرين هامين وأساسيين في البنية العقلية والشخصية الثقافية للمسلم في بيئة عربية وأن افتراقهما قد حرم الأمة من استجماع كل طاقاتها وأن اجتماعهما سيمنح أمة العرب والمسلمين عقلا أكثر عمقا وروحا أكثر صفاء وفكرا أكثر توازنا واجتماعا أكثر انسجاما وقوة لمواجهة تحديات الشتات والتخلف وكسب معركة النهضة التي تأخرت.

حاور الغنوشي الجامعيون والأكاديميون ومراكز الدراسات والأبحاث وتحديد السياسات في عواصم عديدة من العالم، وتمّت دعوته للحديث والاستماع إلى أفكاره ومناقشتها في أعرق المنتديات والملتقيات الدولية وأكثرها تأثيرا في السياسات الدولية مثل منتدى دافوس ومنتدى روما ومنتدى الدوحة، كما حرص العديد من رؤساء الدول والحكومات والوزراء إلى الاستماع إليه ومحاورته والاستفادة من مقارباته في الفكر والسياسة في قضايا حارقة تشغل العالم.

حاور الغنوشي قامات تونسية كبيرة مشهود لها في عالم الفكر والسياسة في تونس من أمثال محمد مزالي ومصطفى الفيلالي والهادي البكوش رحمهم الله جميعا، وأحمد المستيري ,أحمد نجيب الشابي وحمودة بن سلامة وغيرهم كثير من الدساترة واليسار والقوميين ومن مختلف العائلات الفكرية والسياسية، وكان في كل جولة من الحوار يستفيد منهم ويترك فيهم أثرا طيبا ولم نسمع يوما من أي شخصية تونسية قابلت الغنوشي وحاورته في الفكر أو السياسة رغم شدة الاختلاف معه أحيانا أنه لا يقبل الحوار أو لا يتقن فنونه.

وحاور الغنوشي خصومه السياسيين بتعدّد خلفياتهم الفكرية، ومن أبرزهم الرئيس محمد الباجي قايد السبسي رحمه الله على امتداد السنوات الأخيرة، حيث انتقلت العلاقة بين الرجلين من التنافي والضدية إلى تبادل الاعتراف والتعايش والتشارك في الحكم، فكانت التجربة رحلة ممتعة تابع التونسيون فصولها وشهادة على قدرة الرجلين على الحوار وإدارة الخلافات وصياغة توافقات أفادت كثيرا التجربة التونسية، ليس المجال هنا إلى تفصيل الحديث فيها.

كما تابع التونسيون الغنوشي وهو في قلب الحوار الوطني الذي قاده الرباعي الراعي للحوار سنة 2013 وكيف استطاع الرجل أن يساهم في نقل البلاد من أجواء الإحتراب وربما الحرب الأهلية والفوضى، إلى مناخات الثقة التي كانت ضرورية لإنجاح الحوار الوطني وتفعيل مخرجاته التي لا يختلف اثنان بأنها كانت بردا وسلاما على بلادنا نالت بها تونس جائزة نوبل للسلام المرموقة جدا كما كانت سياسة التوافق الذي كان الغنوشي أحد أضلعها البارزين علامة مميزة لتجربة الانتقال الديمقراطي التونسية.

الغنوشي محاور دائم لقيادات النهضة ومؤسساتها ومناضلاتها ومناضليها وأنصارها وناخبيها ويشهد بذلك الازدحام اليومي لمكتبه بالزوار من المخالفين قبل المتفقين معه، كما تشهد على ذلك الجلسات العديدة والمطولة لمجلس الشورى والمكتب التنفيذي التي تتواصل أحيانا كثيرة ساعات طوال يكون فيها الغنوشي في حالة إنصات شديد لكل المداخلات ويكون فيها حريص على التفاعل مع أهم الأفكار التي يتم تداولها. أحيانا يكون الغنوشي أقليا ولكنه لا يفتر في البحث عن حجج أخرى يدعّم بها موقفه وتلك سمة المفكرين والزعماء السياسيين.

وحاز الغنوشي الكثير من الجوائز والأوسمة المرموقة والدكتوراه الفخرية من جامعات ودول كثيرة مثل بريطانيا والولايات المتحدة والهند وماليزيا والصين والباكستان وقطر، كل ذلك اعترافا له بسبقه الفكري والسياسي في طرح أفكار يحتاجها العالم جدّد بها الفكرة الإسلامية وأثبت من خلالها أن العقل المسلم قد تعافى وهو بصدد المغادرة النهائية لمواقع الجمود والتقليد.

للغنوشي منتج فكري وسياسي عميق وغزير لم يكن ليحصل عليه لو لم تكن بنيته الفكرية والعقلية قائمة على النقد والسؤال والمراجعة، ولو لم يكن ديدنه الحوار والتفاعل مع الأفكار المخالفة والمختلفة. لا يسأم الغنوشي من الحوار ولا أعلم أنه قد أوقف حوارا او انسحب من حوار، بل كان ولا يزال يستمتع بالحوار، متمسكا به إلى الحد الذي يختار فيه محاوره التوقف عن الحوار.

الغنوشي رجل حوار بامتياز وليس هذا اكتشافا مني، وإنما مسألة يشهد بها كل منصف اختلف معه وحاوره بصرف النظر بعد ذلك عن الاتفاق أو الاختلاف معه كليا أو جزئيا. وتبدو مشكلة الغنوشي اليوم وهو رئيسا لمجلس نواب الشعب ورئيسا للحزب الفائز في الانتخابات الأخيرة البلدية والتشريعية، وقبل ذلك مفكرا ومجدّدا، في عدم وجود مناخات للحوار حوله وغلبة الانفعال والايديولوجيا على الخطاب السياسي من حيث محاوره ومفرداته.

لا أقصد بما كتبه تنزيه الغنوشي أو تقديمه على أنه معصوم وإنما هو بشر يعتريه الضعف، قد تغلبه نفسه أحيانا وقد يخطئ في حق نفسه وفي حق الآخرين، ولكنني أعود فأقول أن الحكم على الشيء هو بالغالب فيه، والحوار والانفتاح والقدرة على المحاججة العقلية خصائص ثابتة في شخصية الغنوشي وبنيته العقلية التي اكتملت لديه بعد كل هذه المسيرة الطويلة في عالمي الفكر والسياسة والتي تصدّقها إنجازات الغنوشي الفكرية برواج أفكاره التي وصلت إلى حيث لم يكن يحلم الغنوشي أنها ستصلها في مشارق الأرض ومغاربها وتصدّقها إنجازاته السياسية بنجاحه في بناء حزب قوي وفي كسب أغلب معاركه الانتخابية وفي موقعه الراسخ في قلب العملية السياسية باعتباره فاعلا ميسٍرا وليس معيقا.

ويهمني الإشارة إلى أن ما كتبته هو عن معرفة بالرجل ومرافقة طويلة نسبيا له. فأنا لا أنظر للغنوشي في جبة رئيس النهضة ورئيس مجلس نواب الشعب، وأن رأيي فيه لن يتغير سواء بقي على كرسي مونبليزير أو غادره أو بقي على كرسي قصر باردو أو غادره. الغنوشي قيمة ثابتة سواء بقي في السلطة أو غادرها.

ويهمني الإشارة أيضا أن الغنوشي رئيسا لمجلس نواب الشعب هو الرجل المناسب في المكان المناسب، لأن المجلس بعد ثورة الحرية والكرامة وبحكم دستورها هو بامتياز فضاء التعدّد وإدارة الاختلاف السياسي، والغنوشي هو رجل الحوار بامتياز.

أخيرا، ليس في الوارد أن يتغير الغنوشي، وإنما سيبقى حريصا وربما يكون أكثر حرصا على الحوار والتفاعل، باب مكتبه مفتوح وعقله منفتح وقلبه يسع الجميع، الفرقاء قبل الأصدقاء. لن يضيق صدر الغنوشي بالحوار ولكن ربّما يزعجه غياب الحوار وقلة المحاورين. وأنا على يقين بحكم معرفتي بالغنوشي أنه سيكون محاورا جيدا للسيد رئيس الجمهورية قيس سعيد مثلما كان مع سلفه الباجي رحمه الله.

فمتى تعود للفضاء العام عقلانيته حتى يأخذ الغنوشي مكانه الذي هو أهل له وحتّى يقوم بالدور الذي تنتظره منه تونس وتجربتها الديمقراطية؟

تابع الخبر من مصدره الاصلي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق