رأيليبيا

د. اسماعيل علي الشريف: هل انتهت صلاحية ليبيا.. كدولة موحدة؟

د. اسماعيل علي الشريف

( 1 )

(إعادة قراءة ماضي الأحداث يمكن من رسم مستقبلها)

مع رحيل شهر رمضان واطلالة عيد الفطر مثل هذه الأيام قبل تسع سنوات (نهاية أغسطس عام 2011 م) استيقظ الليبيون على واقع جديد كليا شديد الغموض والقتامة .. حيث اسقط النظام السياسي بالقوة المشرعنة من الناتو عبر نموذج R2I (Right To Intervene) للتدخل .. وانهارت مؤسسات الدولة المدنية والأمنية .. وانفصم المجتمع إلي فسطاطين .. ثنائية ( مع/ ضد .. مؤيد/ معارض .. سبتمبر/ فبراير) .. وغرقت ليبيا مبكرا بطريقة سلسة في براثن الفوضى الذكية وأفضت إلى المجهول.

علي بعد ثلاثة أشهر تماما .. في الثالث والعشرين من نوفمبر شاهد الليبيون عبر التلفاز تشكيل أول حكومة في عهد فبراير تجاوزت العشرين وزارة .. انضجت الطبخة برائحة المنتصر وطعم المكافأة .. واسندت أهم حقيبتين أمنيتين (الداخلية والدفاع) لأيقونات فبراير مصراته والزنتان .. فيما حذفت للجنوب بالكامل حقيبة وحيدة هي الشئون الاجتماعية برئاسة إمرأة .. (في مجتمع ذكوري) .. كانت الرسالة واضحة لأهل الجنوب كإطار جغرافي واجتماعي وموقفي .. ابقوا حيث أنتم فالوقت ليس وقتكم .. وفي الواقع فإن محاصصة المغالبة واستقطاع الجنوب وابعاده عن المعادلة الوطنية كان هو الاسفين الأول في نعش ليبيا الجديدة.

خلال تلك التسعون يوما تشكلت ملامح الحالة الليبية (ولا أقول الدولة الليبية) الجديدة .. بدأ عهد فبراير بحالة من التوحد المتوحش حيث أضحي الانتقام والاقصاء والتهميش ضمن مناخ الكراهية والعنف هو DNA المرحلة والتي أدت إلي جل التشوهات البنيوية اللاحقة في طريق ادارة واستقرار ليبيا ومنع تفككها.

توالت الأحداث لاحقا وبدأ سقوط الأقنعة سريعاً .. ومن كانوا (تحسبهم جميعا ظهرت قلوبهم واجنداتهم شتى) .. وطفي علي السطح الرغبات الجهوية الدفينة والمشاريع الأحادية بعباءات مختلفة .. ايدولوجية .. مناطقية .. قبلية .. سياسية .. شبكات المصالح .. الرغبات الشخصية .. وأطلت على المشهد من الشرق (الذي بدأ في التململ مجددا) مجموعات ذات توجهات انفصالية تحت عباءة الفيدرالية واستعادة الحقوق وتوزيع الثروات والغنائم .. ليدخل الشرق وقبائله في حالة من الارتباك وفقدان البوصلة وولوج متاهة عويصة .. لا زال حبيسها حتى اللحظة .. يدفع ثمنها غاليا دماء وارواح ومقدرات وعدم استقرار.

ومع اطلالة ربيع العام 2013 م أثخنت الجراح بدق اسفين آخر في النعش عبر تشريع الإقصاء والتفرقة وتجسيد واقع الكراهية والانتقام بتمرير قانون العزل السياسي لتدخل ليبيا في غياهب الصراعات والتفكك والهشاشة .. مرورا بمنعطف كارثة حرب فجر ليبيا 2014 م وصولا إلي أم المآسي .. الحرب المدمرة الدائر رحاها علي العاصمة طرابلس منذ 4 أبريل 2019 م.

ليس من الحكمة في اعتقادي أن نقيم حالة وطبيعة الصراع في المشهد الليبي بالغ التعقيد بحوادث محددة ومنتقاة بمعزل عن سياق الأحداث وتاريخيتها .. والركون إلي ثنائية السبب والنتيجة .. الفاعل والمفعول به .. والعودة لمتلازمة المع والضد .. فالصراع هو أحد السنن الكونية وصيرورة الحياة .. ويرتبط أزليا بحدوث إختلال في حالة توازن القوى المجتمعية حول إدارة السلطة والموارد والأمن .. وبالتالي فإن تحليل جذور وطبيعة ومآل الصراع هو من الأهمية بمكان للوصول لتصورات للخروج منه وإعادة حالة التوازن مجددا وحماية ليبيا الموحدة.

في تقديري هناك أربعة أخطاء كارثية استراتيجية وتاريخية (فبرايرية) أتت كحزمة واحدة .. وأدت لوأد حلم دولة ليبية جديدة موحدة على أسس عصرية .. وإضاعة فرصة ثمينة للملمة الشتات الوطني .. وأصابت في مقتل جهود وطنية مشترطة كان من الممكن أن تنطلق لتحمي ليبيا من مخاطر التفكك .. وأعتقد أنه ضرب من الخيال تصور استرجاع ليبيا كدولة موحدة جامعة وضابطة لكل تناقضاتها بدون التعاطي مع هذه السقطات وإعادة معالجتها :

أولها : تبني منهاج القطيعة الكلية مع الماضي بقضه وقضيضه وحرق المرحلة السابقة وغياب التقييم الموضوعي المتوازن الذي يفصل النظام عن الدولة .. وهذا الأمر كان هو الوقود المغذي لمناخ الكراهية والعدائية والانتقام والعنف وحملات التشويه الإعلامية .. علي حساب أية مبادرات جادة للتصالح والتسامح ورتق نسيج الوحدة الوطنية وحماية رأس المال الاجتماعي من التآكل والتشظي .. وإن ظهرت محاولات مرتبكة ومحتشمة تحت ستار المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية والعفو العام لم تعد كونها ذر للرماد في العيون.

ثانيها : أحادية طيف فبرابر واستئثاره المطلق بإدارة الدولة واختزال الدولة كمفهوم وكيان في تداعيات الصراع المسلح عام 2011 م والإضرار الفادح بقيم العدالة الاجتماعية والسيطرة والهيمنة علي مفاصل الحكم والموارد وإقصاء الآخر ضمن ثنائية (مع أو ضد) .. ثم استدراك ذلك بنموذج استغفالي ذي سماحية محدودة للقليل (من ذاك الآخر المختلف) للمرور عبر مواصفات مختارة ومقاييس مفصلة ل (مكيجة) المشهد .. وما نظام المحاصصة الجهوية واختيار شخوص بعينها لمناصب قيادية محسوبة علي نظام سبتمبر إلا احد صورها.

ثالثها : غياب المشروع الوطني الجامع لبناء الدولة وإدارة الانتقال عبر صياغة عقد اجتماعي جديد بمشاركة كل الأطياف الثقافية والاجتماعية والسياسية يستوعب الخلافات وحالة الصدام المجتمعي ويؤسس لنظام حكم جديد متطور وملائم لفسيفساء الوضع الداخلي العاصف ويراعي سياقات المرحلة التاريخية الحرجة التي تعصف بالمنطقة والاقليم .. والأسواء هو الانزلاق نحو المقايضة بمحددات الأمن القومي مقابل مشاريع مدفوعة بالدعم الأجنبي للهيمنة والسيطرة والحكم بخلفيات الدين والايدولوجيا والأمن والمصالح تحت وهم استنساخ نماذج (ديموقراطية) مستوردة.

رابعها : تلاشي قواعد الاشتباك عند الصدام وتجاوز الحدود الأخلاقية والأعراف الاجتماعية والفجور في العداء واستدعاء العصبيات الاجتماعية المقيتة علي حساب المصلحة الوطنية .. مما دفع البلد إلي اتون مزيد من التشظي والتفكك تجلي في إنقسام مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والأمنية .. إلا أن الأخطر علي ليبيا الموحدة هو امتداد هذه الحالة اللامتناهية من تجاوز ضوابط صراع الأمة الواحدة ليعزز تبرير الاستقواء بالأجنبي بشكل قد يدفع حتي للاستعانة بالكيان (الاسرائيلي) أواستخدام طرف للاسلحة الكيماوية ضد الطرف الأخر.

أؤمن بقوة بأن (التغافل عن الحقيقة وان كانت مؤلمة يقود للمجهول) .. ولذا فإن حقيقة القفز فوق الإختلالات العميقة للبعد الداخلي تؤثر بشكل بالغ في الحفاظ علي ليبيا كدولة موحدة ضمن ما يشهده الإقليم برمته من اضطرابات سياسية واقتصادية واجتماعية بنيوية وإعادة تشكل جيوسياسي .. وأكاد أجزم أن الأخطاء التاريخية في مسار بناء دولة ليبية موحدة ومستقلة وذات سيادة لما بعد فبراير أفضت إلي تعميق التدخل الأجنبي واستشراء الفساد واستنزاف مقدرات وثروات البلد وترسيخ النموذج الريعي .. وبات يعرض جديا وبشكل متصاعد مستقبل واستقرار ووجود ليبيا للخطر ويجعل من تقسيمها أو الابقاء عليها كدولة مرتهنة القرار قاب قوسين أو أدني.

ما تضمنته هذه السردية العابرة لسنوات تسع مريرة علي الكثير مربحة للقليل من أبناء ليبيا .. ليست من باب الرثاء ولا التشفي ولا التشاؤم .. بل من قراءة (تكنوقراطية) إن جاز التعبير تستوعب المعطيات الخطيرة والحقائق القاتمة القائمة على الأرض التى أفرزتها عملية التحول الفوضوي .. حيث صار مستقبل و سيادة وأمن واستقلال ووحدة ليبيا ملف علي طاولة مصالح دول متنفذة ومنظمات ومافيات دولية .. وفي نفس الوقت تستنهض الحد الأدني من المشتركات الوطنية لدي النخب الواعية والمتعقلة والواقعية .. المترفعة عن الخلافات وحسابات المصالح والمتجاوزة لللآلام لرسم الأولويات لإنقاذ ليبيا من ورطتها التاريخية .. ومحاولة اسنادها من حالة الترنح التي تمر بها.

الأزمة الليبية تتشابه في اسباب اندلاعها مع حالات صراعات مسلحة وحروب أهلية شهدتها البشرية .. إلا انها تكتسي خصوصية معقدة في طبيعة تفاعل أطراف الصراع وآليات تطوره السلبي والمتسارع .. وتبدو فرص انهاء الصراع عبر وسائل مجربة كاندلاع ثورة حقيقية عارمة لنسف القائم أو تدخل دولي مباشر لوقف العبث بعيدة المنال .. إلا أنه لا زالت هناك امكانية لتغيير الأوضاع عبر تطوير أدوات المقاومة والرفض للواقع المأزوم عبر حشد قوي المجتمع المدني بكافة مكوناته بمنهجية سلمية بداية والتأثير في الرأي العام و مجمل القوي الشعبية للضغط علي المؤسسات الرسمية التشريعية والتنفيذية ونزع شرعيتها إن استعدي الحال وتوسيع حالة الرفض والعصيان لكل ما يؤذي الوحدة الوطنية واستمرار حالة عدم الاستقرار.

هذه الرؤية تستمد أهميتها من المسئولية الأخلاقية والتاريخية للمجتمع المدني في مراحل إعادة بناء الدول لما بعد الصراعات العنيفة .. حيث يتبوأ المجتمع المدني دور محوري وبارز وريادي في هذا السياق .. ويكون شريكا مساندا أحيانا وضاغطا أحيانا أخرى على مؤسسات الدولة لاسترجاع حالة التوازن المجتمعي وضبط آليات التفاعل بين السلطة والمجتمع .. وأتصور خلال هذا الظرف التاريخي الحرج وفي هذا المقام كنخب ليبية تقع عليها مسئولية كبيرة  بإلقاء حجر في الماء الراكد يتجاوز الدعوات والبيانات التي تتعرض لحوادث منعزلة (وإن كانت مؤلمة) .. عبر التنسيق مع جهود وطنية أخري بذلت في اتجاه الوصول إلي توافق وطني وإنجاز وثيقة للمبادئ الوطنية يتم الضغط بها علي أطراف الصراع وتشكل منطلقا لحل الأزمة السياسية وحالة الاحتراب وأرضية للحوار والتفاوض القادم .. وثيقة تشمل المشتركات الوطنية لهذه المرحلة التي يجب أن نتوافق عليها وعلي رأسها رفض كل أشكال التدخل الأجنبي وبمختلف صوره ودوافعه والوقوف الصريح ضد كل من يستخدم القوة المسلحة لفرض الرأي والمشروع وتحديد الخطوط الأخيرة التي يجب أن يتوقف عندها الجميع إذا ما حصل نزاع .. وثيقة وطنية جامعة تضمن ألا يتكرر الخطأ التاريخي عام 2011 م حينما قوضنا الدولة من أجل إنهاء نظام سياسي.

مستشار “سابق” بمجلس التطوير الاقتصادي والاجتماعي/ طرابلس

باحث مشارك “سابق” بجامعة يورك البريطانية

essmail.alsharif@gmail.com

المصدر : رأي اليوم بتاريخ 28 ماي2020

لقراءة الخبر من مصدره اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق