رأي

انتصارات “الوفاق” الليبية وتحدياتها خارجياً وداخلياً

شهدت ليبيا، قبل أيام، تسارعا في بسط حكومة الوفاق سيطرتها على غرب البلاد، في ما يبدو مؤشرات واضحة على انكسار حدّة موجات الهجوم على العاصمة، طرابلس. غير أنه في ظل التناقضات الدولية والمحلية، تبرز أهمية مناقشة اتجاهات التفاعل والصراع على المستويات المختلفة، بطريقةٍ تساعد على استكشاف إمكانية ظهور اتجاهات جديدة للحسم العسكري، أو إعادة بناء المسار السياسي.
وفي هذه المرحلة، هناك أهمية الاقتراب من التداخلات الدولية مع الأزمة الليبية، فبجانب مؤتمر برلين، ظهرت محاولات للتموضع السياسي، كان أولها من الاتحاد الأوروبي، عندما أعلن في يناير/ كانون الثاني الماضي عن تدشين عملية “إيرني”، حسب قرار مجلس الأمن رقم 2292 (2016)، مهمتها مراقبة حظر السلاح، بالإضافة إلى جمع المعلومات عن الصادرات غير القانونية من النفط ومحاربة الهجرة “غير الشرعية” إلى الاتحاد الأوروبي. وظهرت تساؤلات من روسيا وجنوب أفريقيا بشأن مدى اندراج العملية الأوروبية تحت قرارات مجلس الأمن، ما يعكس التشكك في مشروعية التصرفات الأوروبية تجاه ليبيا، وأنها بحاجة لتفويض دولي جديد يخضع أي عملية للأمم المتحدة/ لجنة الخبراء، ومن دون أن تنفرد بها مجموعة دولية.
وفي هذا السياق، تبدو العملية الأوروبية خارج سياق المواقف الدولية بشأن ليبيا، فمن جهة تجاهلت الدخول الروسي والتركي السلس على مفاصل الأزمة، وهو ما يقتضي توافقاتٍ دوليةٍ لا تقتصر على مجلس الأمن، وإنما يشترط توافق الأطراف الدولية الجديدة، كما أنها، في الوقت نفسه، تتجاهل التحيزات الأوروبية لصالح بعض الأطراف المحلية في ليبيا، بشكل يفقد المساعي الأوروبية الحد الملائم من الحياد.
وقد اعتبرت الحكومة الليبية في طرابلس، أول إبريل/ نيسان الحالي التوجهات الأوروبية مثيرة
للقلق، ولذلك أبدت تحفظها على عدم شمولها المراقبة الجوية والبرية، ما يحمل تفسيراً واحداً، أنها صممت لفرض قيود على حكومة الوفاق، وترك القوات التابعة للواء المتمرد، خليفة حفتر، تتحرك في البر والجو من دون قيود، ما شجع دولا غير أوروبية على المطالبة بمناقشة السياسات بشأن ليبيا مع السلطات المحلية قبل تطبيقها.
دفع تراكم الأحداث وتعقيداتها إلى أن تخلص ستيفاني ويليامز، القائم بأعمال بعثة الأمم المتحدة، في 24 إبريل الحالي، إلى تقييم متشائم للحالة في ليبيا، حيث ترى أن الوضع اتخذ أبعاداً شرسة لحروب بالوكالة. ويزداد تفاقم الأزمة مع تعليق عمل المؤسسات والفساد وانهيار العوائد النفطية، بعد إغلاق الموانئ النفطية في يناير الماضي، لمنع وصول الموارد لحكومة الوفاق. وعلى الرغم من إقرارها بانهيار مسار برلين، تحاول البعثة الأممية إنقاذ المسار الأمني وضمان وقف إطلاق النار بمراجعة التزام الدول بحظر السلاح، من خلال دعوتها إلى التفاوض في برلين حول وقف الانتهاكات.
وقد ساهمت الاتفاقية التركية ـ الليبية في خفض فجوة التسليح مع المجموعات الموالية لخليفة حفتر، وثمّة مؤشرات على أن هذه التغيرات ساهمت في توسيع حكومة الوفاق عملياتها العسكرية في المنطقة الغربية، والاستحواذ على كل المدن تقريباً، فمع بداية إبريل الحالي، تمكّنت من تطوير عمليتها العسكرية لتبسط سيطرتها على المدن الغربية، باستثناء ترهونة، ما يمثل تطوراً نوعياً في الصراع المسلح، ليس فقط في صدّ مشروع حفتر، ولكن في سيطرتها على مناطق الكثافة السكانية في ليبيا، غير أن إثارة حكومة الوفاق، 22 إبريل، استخدام غاز الأعصاب في الحرب على طرابلس، قد تكون مقدّمة لتغيير نوعي في الصراع المسلح وقواعد الاشتباك، خصوصاً إذا ما تراخت الأمم المتحدة في فحص هذه الاتهامات والتحقق منها، وبالتالي، يرتبط ثبوت استخدام أسلحة كيميائية أو نفيه بقدرة لجنة الخبراء الدولية على إعداد تقرير يحدد المسؤولية عن الانتهاكات العسكرية.
وفي سياق مواز، تبدو تحركات المجلس البلدي لبني وليد في 17 إبريل، متوافقة مع التغير في التوزانات العسكرية والاجتماعية، فبجانب وقوفه على الحياد، فترة اندلاع الحرب على طرابلس، فإن تحركاته أخيرا تتقارب مع تجانس المواقف السياسية في المدن الغربية للحفاظ على النسيج الاجتماعي الموحد والأمن المشترك، وهي توجهاتٌ تتكامل مع الخبرات السابقة في المصالحات الاجتماعية بين المدن الغربية، لأجل تخفيف حدّة الصراع السياسي أو التنافر الاجتماعي. وبغض النظر عن فاعلية عملية “إيرني”، تفرض هذه الأوضاع تحدّياً متجدّداً أمام مشروع حفتر على مستوى ليبيا، حيث يمكن النظر إلى إبعاده عن طرابلس ليس كمجرّد عمليات عسكرية، بل كمؤشر واضح على تراجع دوره السياسي والعسكري، حيث يكشف الوضع الحالي تدهور تطلعاته للسيطرة على العاصمة، وانهيار مشروع استكمال بناء السلطة العسكرية على كامل تراب الدولة. على أية حال، تبدو الموجة العنيفة في حالة انكسار تحمل في طياتها الافتقار للتراضي الاجتماعي.
وعلى الرغم من التراجع الواضح لأوضاعه العسكرية، لم يتجه حفتر إلى البحث عن تسوياتٍ
لوقف إطلاق النار أو طرح مسار سياسي، لكنه، على العكس، دعا المدن الغربية إلى تفويضه لحكم البلاد وفق إعلان دستوري. ويمكن قراءة هذا التوجه كمحاولة لتعويض نقص القاعدة الاجتماعية، وعدم القدرة على الحسم العسكري، ما يدفعه إلى طلب اللجوء لطلب التفويض الاجتماعي لإدارة البلاد. وهنا، يبدو النداء الأخير امتداداً للحصول على تفويضٍ عبر استطلاع للرأي في المنطقة الشرقية في 2017، تم استخدامه للتمهيد لنقل العمليات إلى الجنوب والمنطقة الغربية.
بشكل عام، تترابط الدعوة إلى النفير العام والتفويض السياسي من وجهة التأكيد على تطوير العمليات العسكرية في الجنوب، وشن الهجوم على العاصمة، غير أن طرح طلب التفويض في ظل فشل حدوث اختراق في طرابلس، بل وانحسار نفوذه في الغرب الليبي، يمكن اعتباره أقرب إلى حالة الاستغاثة الدفاعية لأجل استنهاض المناطق وتوحيدها تحت سيطرته لمواجهة مخاطر انتقال الحرب إلى المنطقة الوسطى أو الشرقية. وفي هذا السياق، يأتي بيان المكتب السياسي لقبيلة العبيدات ضمن النتائج المباشرة لطلب التفويض، وتأكيد التساند القبلي في الشرق الليبي.
يشير السياق العام إلى افتقار خليفة حفتر المرونة السياسية والإصرار على مسار وحيد، على الرغم من تغير الظروف وضآلة نتائجه. وقد ساهم هذا الوضع في تعقيد المشهد السياسي، بحيث صار جزءا من القيود على تسوية الأزمة السياسية، حيث لا نعثر على تصور للانتقال السلمي تم طرحه على مدى السنوات الماضية، وكان واضحاً تركيزه على إسقاط اتفاق الصخيرات، من دون توفير بدائل سلمية لملء الفراغ، والمساهمة في الانتقال السياسي.
وعلى خلاف الصراعات الدائرة، حاول رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، اقتراح م
سار سياسي في 23 إبريل الحالي، تقوم فكرته على استصحاب تجربة بناء الدولة في مرحلة الاستقلال، والقائمة على وجود ثلاثة أقاليم بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 284-4، الصادر في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 1949، حيث يقول إن المشكلة التي لازمت مسيرة الدولة تمثلت في غياب التنظيمات السياسية، فيما هيمنت التركيبة الاجتماعية التقليدية للقبائل، والتي ظلت صاحبة الحل والعقد ومخزن النخبة السياسية. وبالتالي، يرى أن حل المشكلة يقتضي الرجوع إلى الشعب الليبي بقواه التقليدية الاجتماعية، ليختار هيئة تعيد الاستقرار للدولة، ما يعني تلقائياً استبعاد الأحزاب السياسية من الترتيبات الجديدة. ولهذا الغرض، اقترح إعادة تشكيل المجلس الرئاسي،
عبر التصويت السري تحت إشراف الأمم المتحدة، تمهيداً لتسمية رئيس الوزراء ونوابه على أساس إقليمي. وليست واضحة طبيعة الهيئة الناخبة، ما يلقي بظلال على تماسك المقترح نحو تكوين حكومة شرعية جديدة. كما انطلق رئيس النواب إلى إعادة صياغة مشروع الدستور عبر تشكيل “لجنة خبراء”، يكون التصويت فيها بالتوافق، بحيث تكون خطوة للانتقال إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية، وهو ما يعدّ تكراراً لمقترحات سابقة، هي في طبيعتها تتجاهل الميراث الدستوري لـ”الهيئة التأسيسية” ومشروعها للدستور القائم على مرجعية قانونية، ما يفتح جدلا آخر حول مرجعية المرحلة الجديدة وحجتها القانونية. ولذلك سوف تقع العمليات التنظيمية تحت تأثير الخلافات بشأن مسار بناء السلطة الانتقالية.
ولدعم هذا التوجه، اعتبر صالح أن بداية المشكلة ارتبطت بمقاطعة “الإسلام السياسي” للتجربة الديمقراطية الوليدة، مجلس النواب، وهي حالة ترتب عليها ظهور تناقض المصالح بين مجلسي النواب والدولة، ترتب عليه فشل الحوار السياسي. ويعد هذا الخطاب متسقاً مع قرارات مجلس النواب، سواء بالتحفظ على دور بعض المكونات السياسية للإسلاميين، أو اعتبارها منظمات إرهابية تسعى إلى الاستيلاء على المدن بالقوة، وهو ما يعني عملياً استبعادها من ترتيبات المرحلة الانتقالية. وعلى العكس، بدا متحيزاً عندما وضع شروطاً مسبقة على كتابة الدستور من خلال تأكيده على حق “القوات المسلحة” في ترشيح وزير الدفاع، وهو ما يعيد إلى الأذهان الخلافات حول المادة 8 من المحلق الإضافي لاتفاق الصخيرات، بشكل عطّل المسار السياسي.
تبدو هذه المقترحات بعيدة عن مخاطبة تطورات الأزمة والحرب الأهلية، فمن جهة تبدو تكرارا للمناقشات بشأن إعادة تشكيل المجلس الرئاسي، والتي شغلت الحوارات السياسية عبر سنوات مضت. ومن جهة أخرى، فإنه على الرغم من السعي إلى إعادة بناء السلطة الانتقالية على أساس الشرعية الاجتماعية، فقد خفتت لغة الاحتواء وتمهيد الأرضية لانضواء كل الديناميات السياسية تحت مظلة العملية السياسية المبتغاة.
في هذا السياق، يشكل تاريخ 4 إبريل 2019، تحولاً واضحاً في الحرب الأهلية الليبية، إذ يمثل المرحلة الأخيرة، سواء للسيطرة على العاصمة وتشكيل حكومة عسكرية أو كسر هذه الموجة
والتوجه نحو الحل السياسي، غير أن تداعياتها راكمت ثقافةً سياسيةً محمَلةً بالصراع وتعميق الانقسام الاجتماعي. قد يتطلب تجاوز الواقع الصعب ابتكار أفكار وسياسات تستوعب الخلافات بين القبائل والمكونات السياسية، بحيث لا ترتكز فقط على نتائج الحرب، فالأزمة الليبية تواجه حالة تمزّق مزدوجة، فعلى المستوى الدولي، لا يتوفر إطار سياسي واضح، يمكنه الوصول إلى تفاهماتٍ دوليةٍ لوقف إطلاق النار أو فرض حل سياسي. وهنا يمكن ملاحظة أن عملية “إييني” تساعد على تمديد الصراع المسلح.
وعلى المستوى المحلي، تبدو الأطراف الليبية في حالة من التباين السياسي، فبينما ينحصر فريق “الجيش العربي” في الحلول العسكرية من دون أفق سياسي، يقف فريق الوفاق عند رد “العدوان” من دون خريطة سياسية للمرحلة التالية، فهذه الحالة تمثل جزءًا مهماً من جوهر الأزمة الليبية، حيث إن فشل حفتر في تحقيق أهدافه لا يعني بالضرورة قدرة “حكومة الوفاق” على ملء الفراغ السياسي والعسكري. وهنا، تكمن أهمية ابتكار أفق سياسي يحل التناقضات الملازمة للمراحل الانتقالية، وخصوصاً ما يتعلق بالتفاهم حول الصيغة اللامركزية الملائمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق