تحاليل

المغرب العربي وضرورة نحت ملامح استراتيجيات ما بعد كورونا

المغاربي للدراسات والتحاليل — علي عبداللطيف اللافي*

1- تمهيد

  • منذ عشر سنوات نظمت “مؤسسة التميمي للدراسات التاريخية” مؤتمرا علميا درست فيه التكلفة الباهضة لتكلفة “ألا مغرب”، وتبين من خلال الورقات المقدمة يومها والتي صدرت في مؤلف ضخم ومهم[1]، أن تلك التكلفة باهضة جدا وهي أكثر من أن تضبطها الأرقام والاحصائيات[2]، ولكن السياسيين والخبراء والمثقفين لم يقطعوا عمليا أي خطوات تذكر كما لم يلتقطوا رسائل ثورات الربيع العربي المنادية بالحرية والكرامة والتي تتضمن ضرورة التقدم العلمي والسيادة والتباهي بين الأمم…
  • بقي المغرب العربي وكل بلدانه يُلاحق منذ عقود تطورات الثورات الرقمية دون الاستفادة التامة منها،لا في تطوير الاقتصاديات المغاربية ولا في الحياة اليومية للشعوب،وبالتوازي مع ذلك تواصل وأد حلم وحدة البلدان المغاربية والتي بقيت ضمن أطر برامج إعلامية تبث وتبرمج كل 17 فيفري من كل سنة…
  • أثبتت ازمة تفشي فيروس كورونا ان المغرب العربي لا يزال يُعاني غياب العقلية الاستراتيجية وغياب الوحدة والتكامل بين بلدانه خاصة وان العرب بشكل عام مازالوا خارج حركة التاريخ وهو ما تبينه الأرقام والاحصائيات والتقارير الصادرة عن أكبر مراكز البحوث شرقا وغربا…
  • السؤال المطروح اليوم والمهم هو: “هل ستكون الازمة الصحية العالمية الحالية سببا في الانتباه للبحث عن الخلل المنهجي والاساسي مغاربيا؟”…
  • لعل أولى مقدمات الإجابة الصحيحة عن السؤال السابق هي خطوة التقليل من كلفة “ألامغرب”ثم السعي ثانيا لقطع خطوات أولية في الوحدة والتوحد في انتظار ان يستفيق السياسيونويقطعون مع السبات المستمر منذ 1994 بل وقبله أيضا ويسعون لنحت استراتيجيات فاعلة ومؤثرة ليقع تنزيلها في مرحلة ما بعد كورونا…

2- “كورونا” وواقع الرقمنةمغاربيا

  • نبه في الآونة الأخيرة العديد من مستشاريالتنمیة وعدد من المختصين في الذكاء الاقتصادي والتحول الرقميإلى ضرورة التوجه نحو الرقمنة والانفتاح الاقتصادي[3]، وهي في الحقيقة إشارات لا غنى للبلدان المغاربية من الانتباه اليها، ذلك أنه لا خیار في المرحلة القادمة سوى السیر نحو ذلك التوجه، ذلك أن فیروس”كوفیدـ 19″ أعطى دروسا وكشف التأخر الحاصل في الأنظمة العمومیة والمؤسسات الاقتصادية المغاربية لتسییر الأزمة…
  • لقد ثبت بما لا يدع مجال للشك،أن الأمن القومي الحاصل في العالم لم يعد يرتكز على الغذاء والسلاح والطاقة فقط، بقدر ما ھو مرتكز على الرقمنة بالنظر إلى حجم الجرائم “السبريانیة” الحاصلة في العالم وقرصنة معلومات أكبر البنوك والمؤسسات والتحكم في الموارد المعلوماتیة وتقديم الخدمات عن بعد…
  • الثابت أنغیابالرقمنة جعل البلدان المغاربية تتأخر في إحصاء الخسائر الناجمة عن الفیروسورغم ان بعض الدول العربية والافريقية أصبحت تسابق الزمن لتفتح مصانع ذكیة، في الوقت الذي لا تزال فيه البلدان المغاربية تتحدث عن سرعة تدفق الأنترنت…
  • تبين للمتابعين أن مخططات الحكومات المغاربية تتحدث عن مشروع الانتقال الرقمي حتى يصبح قیمة مضافة للدخل، كما أن “كورونا” كشفت عمليا أن البلدان المغاربية متأخرة جدا في مجال الرقمنةومن الواضح أن الانعكاسات الأولية لتأخر المغرب العربي ستكون كبيرة ذلك أن التخلف عن الركب العالمي ستكشف حجم الخسائر غیرالمعلن عنھامغاربيابسبب غیابالأنظمةالرقمية، ذلك أنه لو كان للبلدان المغاربية أنظمة مبنيةبدقة كبيرة على الاقتصاد المعرفي، لأدركت فعليا القطاعات المشلولة في بلدانه الخمس والتي أثبتت التقارير أنها عرفت خسائر كبیرة، ومن المهم القول أن العولمة والأنظمة العالمیة تجاوزت منذ سنوات التسییرالتقلیدي فأين البلدان المغاربية من كل ذلك؟…
  • من الواضح أن التأخر في التوجه الرقمي وإدراج الذكاء الاصطناعي فضح العیوب المسجلة في مختلف القطاعات الاقتصادية المغاربية التي وقفت عاجزة عن التحكم في مواردھاأمام “كوفید ـ19″، وهو ما يعني أنه لا يمكنللمغاربيينأن يستمروا في التسییر بنفس الآليات التقليدية، ذلك أن النظام الجديد مبني على الرقمنة وطريقة التحكم فیھا حتى عن بعد، ذلك أن التحول الرقمي الحقيقي هو شكل من أشكال التطور التكنولوجي، حیث يستخدم في تطوير اقتصاد الدول والمجتمعات على كافة اختلافاتھا، وھذا ما يجب أن نتبناه الدول المغاربية مستقبلا، ومن المعلوم أن التطور التكنولوجي قد ألقى بظلاله على الشركات والمؤسسات حول العالم، حیث أدى إلى فقدان العديد من الشركات لبريقھا بعد أن أصبحت غیر قادرة على الصمود أمام المنافسة الشديدة، في حین استطاع البعض الآخر من الشركات العالمية الاندماج والتكیفوتجنب خطر الاندثار…
  • اثبت التقارير المتداولة عالميا، أن أغلب الإدارات والمؤسسات في بعض الدول ومن بينها الدول المغاربية تفتقد للنظام الرقمي وهو ما جعل مھامھا في جذب الاستثمارات ورؤوس الأموال ضعیف، خاصة وأن البنوك والمؤسسات المالیةالمغاربية لا تزال تقلیدية، في حین أن المؤسسات في العالم المتقدم تحولت إلى أرقام وأن البنوك في تلك البلدان تحولت إلى عالم افتراضي مضبوط بقوانین عن بعد، بينما لا تزال المؤسسات البنكية في الدول المغاربية تحت رحمة الإدارة والبیروقراطیة والسوق الموازية التي تعتبر من العراقیل للتطور الاقتصادي…

3- أولويات يجب ان تستحضر في نحت استراتيجيا ما بعد كورونا

  • ان الدول المغاربية بعد “كوفیدـ19” يجب أن تتعلم الدرس وتستفید من التجربة، ذلك أن الدول المتقدمة تكنولوجيا ترتكز على ما نسبته 60 بالمائة من دخل القیمة المضافة على النشاطات الحاصلة في المجال الرقمي[4]، ذلك أن الرقمنةبإمكانها خلق ثروة وتوفير مناصب شغل، ناھیك على أنھا ترتكز على بنك معلوماتي يمكن من إحصاء وإعطاء النتائج بسرعة دون تكلفة كبیرة ولا استنزاف الأموال الضخمة مثلما حدث مع بعض القطاعات في الدول المغاربية التي نھبت الخزائن دون فائدة على غرار قطاع السیارات في الجزائر أو السياحة في تونس كمثالين للذكر لا الحصر، وهو ما يعني أن الأموال التي ضخت في قطاعات أثبتت فشلھا لو تم استثمارھا في الأنظمة المعلوماتیة أو إنشاء مؤسسات رقمیة لكانت البلدان المغاربية تحصلت على 10 مرات مداخیلمالیةفقدتھا في بعض القطاعات…
  • على الدول المغاربية اغتنام فرصة الشراكة مع الصین والغرب وتحويل التكنولوجیا إلى البلدان الخمس، وعلى المستوى الاستراتيجي يترتب على الحكومات المغاربية إنشاء شراكة مع الدول التي تملك تكنولوجياعالیة مثل الصین وأمريكا وأن تستفید من خبراتھا وتغتنم فرصة وجود بعض مؤسساتها بأراضي بلدانها لخدمة مصالح بلدانها بالدرجة الأولى، وذلك عن طريق نقل التطور الصناعي والرقمي إلى مؤسساتها، ومن المعلوم أن الصینوالھند مثلا بإمكانها أن تقدم للمغرب العربي وبلدانه خدماتھا أكثر من الغرب المرتكز على الرأسمالية…
  • من الضروي في الأخير بعث الأقطاب التكنولوجية والرفع من القدراتالتكوينية والتعلیمیةللإطارات والعمال والفنيين والاداريين، إضافة للشراكة مع الجامعات الأجنبیةلنیلمنھا التطور الحاصل في مجال التكنولوجيا والقادة على التلاؤم مع المتغيرات، ومما لا شك فيه أن حشد المجتمعات في التصدي والوقايا من كرورنا هي خطوة أولى للبقاء والتطور ولكن الثابت ان المغرب العربي لن يكون قادرا على التلاؤم وركب التطور ما لم تستطع الشعوب والنخب العربية العودة الى قطار التاريخ والذي لا يركبه الا من وعى بمتطلبات ركوبه وهي أساسا الوعي والفاعلية وقبل كل ذلك القابلية للتطور والريادة والتأثيروالتأثر…

 

*-كاتب ومحلل سياسي


الهوامش:

[1] “تكلفة اللا مغرب”، مؤلف يضم مشاركات جامعيين وميقفين مغاربة في ندوة نظمتها مؤسسة التميمي نهاية العقد الأول من الالفية الحالية…

[2] أنظر أيضا كتاب ” تكلفة عدم انجاز مشروع الاتحاد المغاربي” لمجموعة من المؤلفين…

[3] أنظر حوار أحد المختصين الجزائريين في التحول الرقمي “عبد الرحمان هادف”، يومية البلاد الجزائرية 21-04-2020 ص 3

[4] حوار المختص الجزائري المشار اليه في هامش سابق – بتصرف-

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق