تحاليلتونس

بعد التفويض للحكومة: الغنوشي يعيد تشكيل المشهد السياسي .. تكامل في الحكم وتوافق سياسي

علاء حافظي

تُؤشّر التطوّرات والمستجدّات الأخيرة إلى أنّ راشد الغنوشي رئيس مجلس نواب الشعب ورئيس حركة النهضة أمكن له، برغم دقّة الظرف وصعوبته، من استعادة الجزء الأهم من أوراق اللعبة السياسيّة في البلاد، خاصة بعد تجاوز “مطبات” ما أصبح يعرف بصراع الرئاسات الثلاث، وقد تجسم مشهد عودة الرشد للتضامن بين مؤسسات الحكم، من خلال الجلسة العامة البرلمانية الأخيرة، التي منحت حكومة الفخفاخ، الضوء الأخضر للعمل بالمراسيم، على معنى الفصل 70 من الدستور، وهو مطلب كان محل جدل وكاد أن يساهم في الرفع من منسوب التوتر وأزمة الثقة بين البرلمان والحكومة.

 

لا يمكن في الواقع عزل عودة أجواء “التوافق” في الحكم، التي تأكدت في جلسة منح الحكومة التفويض على معنى الفصل 70 لادارة الأزمة المترتبة عن وباء الكورونا، عن الدينامية السياسية العامة التي يقوم بها البرلمان، برئاسة راشد الغنوشي، الذي أكدت الأحداث وخاصة الازمة المستجدة الناجمة عن “كورونا فيروس”، عن وجود ارادة سياسية هدفها الاستمرار في نهج “التوافق” وتأكيد معاني الوحدة الوطنية، بوصفها الخيار الأسلم في هذه المرحلة، لرعاية مصالح المجموعة الوطنية، فضلا عن كونه خيار يخدم استمرار التجربة الديمقراطية في البلاد.

 

دينامية سياسية في قصر باردو

 

كما تمكن البرلمان من خلال ادارة أزمة الكورونا، من منح رئيسه لعب دور اساسي ذكرنا بذلك الدور الذي لعبه  منذ 2013 والمتمثل في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء وتحقيق الوفاقات الواسعة بينهم والتي جنّبت شعبنا الاحتراب ودفعته دوما إلى المسالك السلمية ومُراكمة منجزات مهمّة في سياق تثبيت أسس دستور الثورة.

للاشارة فان المآلات التي انتهت إليها الانتخابات الرئاسية والتشريعيّة الأخيرة أوشكت أن تدفع بالحياة الوطنية إلى واقع صدامي وقطيعة نتيجة تصاعد موجة الشعبويّة وعودة الأحقاد والتقسيمات الأيديولوجيّة والسياسية.

وكان لافتا في غضون ذلك أنّ الأعين كانت ترقُب ما كان يدور في رحاب مجلس نواب الشعب من تجاذبات ونقاشات وتفاهمات كان محورها الأساسي راشد الغنوشي الذي صعد لرئاسة المجلس بتوافقٍ مهمّ بين مكوّنات برلمانيّة وازنة تمثل الأغلبيّة الانتخابيّة ممّا منح مجلس النواب ثقلهُ وأعادهُ إلى موقعه المركزي في منظومة الحكم الثلاثيّة التي نصّ عليها الدستور، فرئاسته للبرلمان وبعيدا عن الجدل ورفض البعض فإنها في الواقع مثلت عنصر قوّة لسلطة بلغت درجات الشيطنة لها مدى كبيرا وتأكّد أنّ ساكن قرطاج الجديد يكنّ لها قدرًا من الازدراء والتحقير.

وحتّى لمّا آل الأمر إلى يد الشخصيّة الأقدر، بعد فشل المكلّف الحبيب الجملي، بقي الجميع يُتابع خفايا وكواليس ما يجري في مجلس نواب الشعب، لذا لم يكن غريبا أن تكون أروقة البرلمان مؤثّرة في الاختيارات النهائيّة للمكلف بتشكيل الحكومة الجديدة إلياس الفخفاخ.

عدم تحقّق مطلب حكومة الوحدة الوطنيّة الذي دعا إليه الغنوشي باعتباره مطلبا يتساوق مع المرحلة التاريخية الصعبة التي تمرّ بها البلاد، أدّى إلى تشكيل حكومة قائمة على توافق منقوص بعد أنّ تمّ استبعاد حزب قلب تونس، وعلى الرغم من أنّ تلك الحكومة قد ضمّت وزراء من توجّهات فكرية وسياسيّة مختلفة إلاّ أنّ المحللين نظروا إليها على أنّها حكومة دون سندٍ برلمانيّ عددي متين، إضافة إلى كون حزامها السياسي مهتزّ بسبب الفقدان الواضح لعنصر الثقة والانسجام بين البعض من مكوّناتها.

حكومة إلياس الفخفاخ وبالرغم من أنّها كانت في بدايتها فكرة صادرة عن قصر قرطاج (حكومة الرئيس) فقد تحوّلت في النهاية يوم منحها الثقة إلى حكومة الائتلاف البرلماني الذي شارك في تركيبتها وصوّت لها، وهي الحكومة التي ما إن تسلّمت مهامها حتّى وجدت نفسها في مواجهة أزمة خانقة وشديدة ناجمة عن تفشّي وباء الكورونا.

في أوجّ الأزمة ومع بداية تصاعد المخاطر وبأداء مرتبك للحكومة نتيجة صدمة ما بات يتداول حول سيناريوهات مُرعبة لفيروس كورونا صحيا واقتصاديا واجتماعياً، واختلاط الأمور على ساكن قرطاج الذي لم تمنعهُ حساسيّة الظرف ودقّتها من مواصلة السياسة الشعبويّة بما فيها من إثارة للحماس وإلهاب للمشاعر وإلقاء دروس القانون الجامدة عوض فهم الواقع الضاغط واتخاذ ما يلزم من إجراءات عاجلة.

ضمن هذا المناخ السياسي تحرك مجلس النواب للعب دور في ادارة الأزمة التي نجمت عن وباء كورونا وذلك على مستويين:

 

الخطوة الأولى: خلية أزمة برلمانية وتوافق سياسي

 

في غضون تلك اللحظة الضاغطة وما بات يتهدّدُ البلاد نتيجة المؤشرات الخطيرة المتصاعدة لوباء الكورونا، بادر رئيس مجلس نواب الشعب، منذ 16 مارس 2020 باستنفار السلطة التشريعيّة والدعوة لتشكيل خلية أزمة تضمّ مكتب المجلس ورؤساء كلّ الكتل النيابيّة، بما فيها الكتل المعارضة، انتهت حينها بندوة صحفية تمّ خلالها التأكيد على تثبيت “الوحدة البرلمانيّة” والتأكيد على ضرورة رفع الوعي بخطورة الوضع واتخاذ ما يلزم من إجراءات عاجلة منها أساسا الغلق الفوري للحدود وفرض حظر تجوال عام وشامل.

خليّة الأزمة في البرلمان التي ترأسها الغنوشي، عمليًّا وواقعيًّا كانت هي المحفز لسائر القوى الوطنيّة، ومنها السلطة التنفيذيّة، للتحرّك العاجل وتفادي السيناريو الكارثي، ولكن نفس الخليّة كرّست تعديلًا جوهريًا في المشهد السياسي بتحقيق توافق سياسي واسع وغير مسبوق، توافق أنهى كلّ التجاذبات وفتح الطريق لاستعادة مطلب الوحدة الوطنيّة.

وهذا ما تحقّق بانعقاد مجلس الأمن القومي الذي أقرّ حظر التجوال والبدء في غلق الحدود، وتفعيل مجلس الرئاسات الثلاث الذي أعطى صورة جيّدة عن تماسك أجهزة الدولة وانسجامها ووحدتها في خوض المعركة ضدّ فيروس كورونا ومواجهة ما بات واضحا من التداعيات والتأثيرات بالغة الخطورة.

 

الخطوة الثانية: تكامل مؤسّسات الحكم

 

في محاولة لترميم صورة البرلمان الذي كان محل استهداف و”شيطنة” عمل رئيسه على تعزيز علاقة الثقة بين الكتل النيابيّة وبين الحكومة والبرلمان وتحدّث عن وحدة الدولة وتكامل جميع أجهزتها ومؤسّساتها، نافيا أيّ صراع للصلاحيات مؤكدا أنّ اللحظة هي لحظة وحدة وطنيّة حقيقيّة وشاملة.

وبرغم ما صاحب  مطلب التفويض وتفعيل الفصل 70 من الدستور من جدل كانت يمكن أن تعصف بالحد الأدنى من الانسجام بين الحكومة والبرلمان والإضرار بمشهد التوافق الواسع بين الكتل النيابيّة، فقد انتهى الأمر إلى نجاح جلسة التوافقات بين الحكومة ورؤساء الكتل النيابيّة ، وتمّ تدعيم أجواء الثقة والاتفاق على نص نهائي لمشروع قانون التفويض ، صادقت عليه الجلسة العامة ليوم السبت 4 أفريل 2020 بأغلبية كبيرة جدا (178 صوتًا)، أغلبية تجاوزت بكثير ما حصدته الحكومة نفسها في جلسة منح الثقة.

في السياسة ائما تكون العبرة بالنتيجة والخلاصة النهائية، وفي واقع الحال، استطاعت مؤسسة مجلس نواب الشعب إعادة ترتيب المشهد السياسي، فالصورة اليوم ليست كما كانت عليه قبل شهر مضى، والمشهد اليوم هو أقرب من المشهد الذي دعا إليه الغنوشي نفسه منذ ما بعد الانتخابات الأخيرة وإلى حين تشكيل حكومة السيد إلياس الفخفاخ في شهر فيفري الماضي، مشهد التوافق الوطني الواسع والوحدة الوطنية والتكامل بين مؤسّسات الحكم في ظل الاحترام الكامل للدستور وحماية المسار الديمقراطي والدفع نحو الاستجابة العاجلة لحاجيات البلاد الصحيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة ومجابهة الأزمات على اختلافها، ومنها الأزمة الخطيرة الراهنة الناجمة عن تفشي وباء كورونا.

https://bit.ly/2Vo7RKl

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق