إصدارات

ليبيا بين استقالة سلامة والوصاية الدولية

أثارت استقالة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، غسان سلامة، في 2 مارس/ آذار الحالي، بعضاً من القلق حول مستقبل بعثة الأمم المتحدة لدعم ليبيا، بعد ثماني سنوات من إنشائها، خصوصاً أن الاستقالة تترافق مع تصاعد الحرب الأهلية وتباعد البلاد عن السلم والانتقال السياسي، وهذا ما يفتح الطريق لمناقشة عدم تناسب الصلاحيات الواسعة للبعثة مع تضاؤل المساهمة في تأهيل الوضع في ليبيا فترة ما بعد النزاع وسقوط نظام الجماهيرية، ما يضع البلاد في حلقة مفرغة تنقلها إلى حالة من الوصاية الأممية.

البعثة تأسيساً وأهدافاً

وعلى الرغم من عدم انتهاء الأعمال القتالية، اتجه مجلس الأمن إلى تطوير التدخل الدولي، حيث أنشأ “بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا” حسب المادة 12 من القرار (2009/ سبتمبر 2011)، ويرأسها الممثل الخاص للأمين العام لفترة أولية ثلاثة أشهر، لكنه تم التمديد السنوي لها على مدى الفترات الانتقالية. وأسند قرار مجلس الأمن (2040/ 2012) عدة مهام للبعثة الأممية، وذلك على ثلاثة مستويات:

الأول، مساعدة الحكومة في تطوير الشرطة والمؤسسات الأمنية على مبادئ الحوكمة وسيادة القانون.

ويتمثل الثاني في وضع إطار للسياسات الدفاعية. وفي هذا السياق، عملت على صياغة ورقة بيضاء لتحديد المخاطر والتهديدات الرئيسية التي تواجه ليبيا، وتعريف المهام الرئيسية والعقيدة العسكرية والهيكل الأساسي للقوات المسلحة.

وكان المستوى الثالث في مهام البعثة في المساعدة في الانتقال نحو الحكم الرشيد والدولة المدنية.

كذلك تضمّنت الفقرات (16 – 19) في القرار 2259/ 2015 وجود اتجاه إلى توسيع دور البعثة الأممية في ليبيا، وكان من اللافت منح صلاحية زيادة عدد موظفيها وتعديل مهامها للأمين العام وإخطار مجلس الأمن بها، ما يضفي طابعاً ديناميكياً على دور المبعوث الخاص، مارتن كوبلر، في متابعة الشؤون الليبية.

وقد وضع مجلس الأمن خريطة واسعة لسياسات عمل البعثة الأممية وبرامجها، ويمكن تصنيفها “الرغبة الدولية كانت تميل إلى تقليل التغيير في رئاسة البعثة الأممية، لمنحها فرصة كافية للقيام بالمهام الملقاة عليها” في جانبين؛ الأول، وهو ما يتعلق بالقضايا الأساسية لتكوين السلطة والمؤسسات الدستورية، فمن جانب أفردت الأمم المتحدة بنوداً خاصة باستعادة سيادة القانون، وبسط سلطة الدولة والإنعاش الاقتصادي، وبدء حوار لأجل المصالحة الوطنية. الجانب الثاني ارتبط بتهيئة المناخ لدعم المسار السياسي، كالإنعاش الاقتصادي والعدالة الانتقالية وتعزيز حقوق الإنسان وتمكين الفئات الضعيفة. وعلى هذا الأساس، تداخلت صلاحيات البعثة الدولية مع كل مفاصل الدولة، كما تمتعت بسلطةٍ تقديريةٍ في تحديد المسؤولية عن الانتهاكات وإعداد قوائم المتهمين، غير أنه على الرغم من صلاحياتها الواسعة، مارست البعثة مهماتها عن طريق مجلس الأمن، ومن دون أن يتبعها جهاز تنفيذي أو قوات دولية لتأمين مقرّها وتحركات أعضائها، لكن، حسب القرار (2174/ 2014)، أسندت المهام التنفيذية للدول أعضاء الأمم المتحدة، وخصوصاً ما يتعلق بالرقابة على الحدود وحظر السلاح.

البعثة ومبعوثوها

من الناحية الهيكلية، تداول على منصب الممثل الخاص كل من إيان مارتن، طارق متري، برناردينيو ليون، مارتن كوبلر، وأخيراً غسان سلامة. وفيما استمر مارتن وليون لسنة واحدة، تم التجديد للآخرين سنتين، ويبدو أن الرغبة الدولية كانت تميل إلى تقليل التغيير في رئاسة البعثة، لمنحها فرصة كافية للقيام بالمهام الملقاة عليها، غير أن ما يثير الانتباه أنه على الرغم من تنوع سياسات المبعوثين الدوليين تتجه ليبيا نحو التفكك والتأزيم الأمني والسياسي. وقدّم المبعوث الخاص، إيان مارتن، في عام 2012، تقييماً متفائلاً لتجاوز تحديات المرحلة الانتقالية، فقد أشار إلى أن إفادته لمجلس الأمن ستكون الأخيرة، ورأى أن تجربة المجلس الوطني الانتقالي استوعبت شروط الديمقراطية والمساءلة. ولخص مارتن ملاحظاته لدى اجتماعه بالمجلس، في بنغازي، لمناقشة إمكانية تقديم الأمم المتحدة المساعدات إلى ليبيا بمجرد انتهاء الأعمال القتالية.

وقال: “لم أكن أتصوّر الأشواط الجبارة التي قطعتها ليبيا حتى اليوم. وفي خضم شعور الليبيين لأول مرة بالمسؤولية عن إخضاع قادتهم للمساءلة الصارمة، وجهوا انتقاداً شديداً إلى المجلس الوطني الانتقالي والحكومة المؤقتة، وقد كنت صريحاً اليوم حول بعض الأمور التي لم تعالج بعد بصورة كافية. غير أن الحالة في ليبيا، في الوقت الذي تجري فيه العملية الانتقال إلى السلطات الجديدة بصورة سلمية وديمقراطية، هي أفضل مقارنة مع أي سياق من سياقات حالات ما بعد انتهاء الصراع”.

وباستثناء الهدوء السياسي وقت نقل مسؤولية البعثة من إيان مارتن إلى طارق متري في 2012، ارتبط انتهاء فترة المبعوثين الخاصين بوجود أزمة سياسية في الدولة، وظهور أزمات في الانتقال السياسي وانحسار بناء المؤسسات، وهي حالة تكشف عن انقلاب في وظيفة الأمم المتحدة، فقد انتهت فترة طارق متري بعدم القدرة على جمع الليبيين للتفاوض، فيما تشتعل الحرب الأهلية على نمط حرب العصابات، ولم تستطع البعثة الأممية احتواء الاستقطاب السياسي والانفلات خارج القانون وتفشي الاغتيالات.

وبالإضافة إلى هذه الأزمات، ارتبطت فترة برناردينو ليون بوجود تلاعب في دور البعثة الأممية، “يعكس سلوك المبعوثين خبرات وميولاً شخصية، بما يحول دون امتلاك استراتيجية لحماية الانتقال السياسي” ما أدى إلى تعثر الحوار السياسي وغموض الإرادة الدولية، فقد كشفت تسريبات عن تواصل ليون مع الإمارات لأجل توجيه المفاوضات بين الأطراف الليبية.

وقد أدت تلك الأحداث إلى عدم التجديد لليون، وتعيين مارتن كوبلر في 2015، عامين لاحقين، تمكّن فيهما من إصدار الاتفاق السياسي في ديسمبر/ كانون الأول 2015 في الصخيرات المغربية، لكنه لم يتمكّن من وضع هذا الاتفاق على مسار التطبيق، ويمكن اعتبار فترة كوبلر إيجابية بشكل عام، غير أن امتناعه عن تضمين الحوار بين أطرافٍ ليبية ضمن مسار الأمم المتحدة زاد من عدد المستبعدين من الحوار السياسي بشكلٍ جعل اتفاق الصخيرات محل انتقادات متزايدة، دفع البعثة الأممية، مرة أخرى، إلى البحث في طرق لإدماج القوى خارج الاتفاق، وخصوصاً ما يتعلق بوضع اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، وقبول مجلس النواب بإجراء التعديلات الدستورية اللازمة.

وقد تسلم غسان سلامة مهمة رئاسة البعثة في 2017، في ظل افتقار سلطات الدولة إلى المشروعية القانونية. ولذلك، تركز برنامج عمله على جانبين؛ تصحيح الوضع القانوني للمؤسسات والإعداد للاستفتاء الدستوري والانتخابات التشريعية والرئاسية. ولذلك، حاول سلامة توسيع الحوار السياسي، خطوة للخروج من ثنائية الصراع. ولهذا اقترح “الملتقى الوطني الجامع” أساساً لسلطة جديدة، تساهم في حل مشكلة المشروعية، لكن هذه المحاولة لقيت ممانعةً داخليةً بالتنافس على تشكيل ملتقيات موازية، بغرض التحكّم في مسارها، وأيضاً تكاسلاً خارجياً، من خلال استمرار وصول السلاح والسكوت على خروج أطراف ليبية على قرارات الأمم المتحدة. في هذه النقطة، اعتبر غسان سلامة أن خطته تتصدّى لـ”وهم التجانس الوطني”، عبر تهيئة المناخ لامتصاص الخلافات بشأن الاتفاق السياسي وعقد “الملتقى الوطني”، إطارا لتوسيع نطاق المشاركين في الإعداد للانتخابات، بحيث يتجاوز تجربة الحوار السياسي في مرحلة “الصخيرات” ويتصدّى للانقسامات الاجتماعية. وعلى أية حال، عملت مقترحات البعثة الأممية انتعاشاً مؤقتاً في السياسة الليبية. ولكن حدث، بعد وقت قليل، انهيار للجدول الزمني، ولم يستطع رئيس البعثة الدفع باتجاه الحل السلمي.

وهنا يمكن الحديث عن مشكلتين:

الأولى، أنه على الرغم من وضوح المبادرات، ظلت مواقف مجلس الأمن بعيدة عن التلاقي مع مسارات الأزمة في ليبيا.

وكانت الثانية متعلقةً بضعف انسجام فريق البعثة وتشتته بين اختلاف المصالح الدولية، ولعل ظهور نشاط نائب رئيس البعثة، ستيفاني وليامز، يوضح جانباً من اختلاف الديناميكيات داخل المنظمة الدولية.

وبشكل عام، تعرّضت البعثة لانتكاستين:

الأولى عندما اندلع الصراع المسلح في 2014، والثانية مع شن هجوم على العاصمة، طرابلس، في أغسطس/ آب 2018 وإبريل/ نيسان 2019، فقد كشفت هذه الأزمات عن خلو ظهر البعثة من الدعم الدولي أو الاحترام الداخلي، حيث لم تتمكّن من وقف الأعمال القتالية وفرض هدنة مؤقتة أو السيطرة على الانفلات، وقد ظهرت ملامح أزمات البعثة الدولية على تحميل المبعوث الخاص المسؤولية السياسية عن التدهور السياسي وتفاقم أزمة مشروعية المؤسسات واتساع نطاق الحرب الأهلية.

وعلى أية حال، على الرغم من الصلاحيات الواسعة للبعثة، نظرياً، يعكس سلوك المبعوثين خبرات وميولاً شخصية، بما يحول دون امتلاك استراتيجية لحماية الانتقال السياسي وتشتتها ما بين قضايا فرعية، كالاهتمام بمكافحة الإرهاب والتمكين السياسي للمرأة، فيما تراجع الاهتمام بدعم الاقتصاد وحماية الثروة النفطية، ما أدّى إلى ظهور متلازمة تفكك السلطة وتزايد الانقسامات الاجتماعية.

البعثة بين القيود والتناقضات

كان من اللافت تأثر سياسة البعثة بتغير المبعوث الخاص، فقد اتجهت، منذ البداية، إلى ترجيح “تظل القرارات من دون تأثير واضح على المسار السياسي أو الحرب الأهلية” مشاركة الجهات الرسمية، ثم توسعت في مشاركة المجتمع المدني والمجالس البلدية، لتنتهي، في الوقت الحالي، إلى توسيع نطاق الحوار على مستوى المجتمع، وبالتالي، كان من المفترض أن يكون دور البعثة الدولية حاسماً في دعم الاتفاق السياسي، أو تسوية الخلافات حوله.

وهنا، يمكن الإشارة إلى ثلاثة مصادر من القيود على دور البعثة. وقد شكلت الأزمة الليبية عقدة للمبعوثين الخاصين، فمن جهة، وفر تباين مواقف الأطراف الليبية ضغوطاً مستمرة عليهم، فمنذ تجربة طارق متري، لم تتمكّن البعثة الأممية من جمع الأطراف الليبية في غرفة مفاوضات واحدة. وهناك جانب آخر، يتمثل في تسارع الليبيين على التواصل مع جهات دولية متنافسة والارتباط بقوى دولية.

وإلى الانقسامات الأيديولوجية والاجتماعية، راكمت هذه الظاهرة نوعاً من الاستتباع والشخصنة في التصورات والمواقف السياسية. وعلى الرغم من مساهمة “المؤتمر الوطني” ومجلس النواب في الانقسام السياسي، ظلت البعثة الدولية تعتبرهما أساس الحل السياسي، وقد أدّى هذا التوجه إلى اختلاق سلطات مُتخيلة للجهات التشريعية، حيث توزعت السلطة الفعلية على أطراف أخرى، ووقعت تحت تأثير المكونات المسلحة، فقد انهارت العملية السياسية بسبب الخلاف حول تطبيق المادة 8 من الملحق الإضافي، ما أدى إلى تداعيات متراتبة، حيث أعطت مبرّراً لتنامي دور المسلحين وفشل محاولات توحيد الجيش والترتيبات الأمنية. وقد انعكست هيمنة الطابع القانوني على خطط الأمم المتحدة على محدودية اهتمامها بتأثير الانقسامات الاجتماعية. وفي هذا السياق، بدت لجنة الحوار التي شكلها ليون، وسار عليها كوبلر، ضعيفة النفوذ السياسي، لانحسار تمثيلها الاجتماعي، ما أوجد مناخاً ملائماً للخلاف حول الاتفاق السياسي، وهي عوامل ساعدت على استنساخ الأزمة السياسية واستمرارها. وعلى مدى الفترة، تعاملت الأمم المتحدة بانتقائية مع قراراتها، حيث كانت هناك قرارات مؤثرة، “ظهور متلازمة تفكك السلطة وتزايد الانقسامات الاجتماعية” كما هي قرارات التدخل، 1970 و1973، كما كان القرار 2174/ 2014 لدعم نتائج الانتخابات، على الرغم من الخلافات حولها.

أما القرار الآخر، 2259/ 2015، فهو الخاص باعتبار الاتفاق السياسي وثيقة دستورية، والاعتراف بحكومة الوفاق الوطني، فهذه النوعية تصدّت لقضايا مفصلية في المرحلة الانتقالية، فيما تظل بقية القرارات من دون تأثير واضح على المسار السياسي أو الحرب الأهلية، فلم توفر حمايةً لاتفاق الصخيرات أو استجابة لمطالب حكومة الوفاق كسلطة قانونية. وفي هذا السياق، شكّل تباطؤ مجلس الأمن عاملاً مشتركاً في أزمات البعثة الدولية، فمن جهة، لم يُحاسب المبعوثون على تصرفاتهم الخاصة، وخصوصاً ما يتعلق بالتداخل بين مقتضيات المهمة والمصلحة الخاصة، فلم يفرد تحقيقاً خاصاً بالشبهات بانتفاع ليون من موقعه الوظيفي. ومن جهة أخرى، لم يوفر إسناداً حقيقياً لكل المبعوثين، بحيث صارت البعثة الأممية تعكس مظاهر الضعف الدولي، فعلى الرغم من احتدام المعارك والتدهور الأمني والسياسي، لم يطبق مجلس الأمن القرار 2510/ 2020، بوقف إطلاق النار والعودة إلى الحوار. في هذا السياق، لا تبدو استقالة غسان سلامة مرتبطة باحتمال حدوث تحولاتٍ في دور الأمم المتحدة، فالبعثة، كسلطة مشتقة من مجلس الأمن، لم تتمتع بالإرادة المستقلة، بل تعد الحلقة الضعيفة بين الفاعلين المحليين والدوليين. ولذلك، لم تتمكّن من تطوير مساهمات الأمم المتحدة كعامل هدم نظام معمر القذافي، وتحويلها إلى عامل بناء للنظام اللاحق، وبالتالي، فإن وصول البعثة/ الأمم المتحدة بليبيا إلى الحرب الأهلية يؤطر لنوع من الوصاية الدائمة، وليس تحقق سيادة الدولة وسلطتها.

المصدر: العربي الجديد في 18 مارس 2020

تابع الخبر من مصدره الاصلي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق