تدوينات

الخطّ العربي … الفنّ المغيّب

المغاربي للدراسات والتحاليل

بقلم : سامي براهم

عندما كنت مديرا لمركز الشيخ الفاضل بن عاشور للثّقافة والتنوير بالمرسى نظمنا معارض للفنون التّشكيليّة كنّا نخصّص فيها قسما للخطّ العربي ، ونظمنا مرّة صالونا للوحات الخطّ العربي وفنونه ، وكانت وزارة الثّقافة ترسل أثناء العرض لجنة “محكّمة” مهمّتها اختيار الأعمال الفنيّة الجديرة بالاقتناء من طرف الوزارة لدعم الفنّانين وتأثيث المتحف المزمع تخصيص للأعمال الفنيّة التّونسيّة ، في معارض الفنون التّشكيليّة لم تكن اللجنة تقف أبدا أمام لوحات الخطّ العربي أو تدرجها ضمن اختياراتها ،

استفسرت فقيل لي إنّ الخطّ العربي ليس مدرجا ضمن قائمة الفنون التّشكيليّة التي تقيّمها اللجنة وهو ليس مدرجا ضمن قانون الشّراءات بل هو عند أغلب من تداولوا على هذه اللجان التحكيميّة ليس فنّا تشكيليَا بل هو تقليد ومحاكاة ذات خلفيّة دينيّة إحيائيّة وقد استمعت لهذا الرّأي مباشرة من أحد أعضاء هذه اللجان ويستثنون من ذلك بشكل جزئيّ محتشم ما يندرج ضمن الحروفيّة وهي فنّ يقوم على استعمال الحروف في الفنون التشكيليّة ،

عند تنظيمنا لأوّل صالون للخطّ العربي في المركز افتتحه رئيس الدّولة ووزير الثّقافة ووزير التربية وحرصنا بجهد جهيد من خلال الإلحاح على وزارة الثّقافة لاستقدام اللجنة لاختيار اللوحات التي تستحقّ الاقتناء ، وقد شارك في الصّالون خطّاطون تونسيّون حاصلون على جوائز عالميّة ، بعض اللوحات كتبت بماء الذّهب وحصلت لاحقا على جوائز خارج تونس ، لكنّ اللجنة التي لم يتجاوز تجوّلها في قاعة المعرض الفسيحة دقائق معدودة لم تختر سوى لوحتين حروفيتين لم تكونا على درجة عالية من الابداع الفنّي

اكتشفت من خلال هذه التّجربة وممّا سمعته من الخطّاطين أنّ هذا الفنّ مغيّب غير معترف به رسميّا في تونس من دون كلّ دول العالم العربي والإسلامي التي تخصّص له برامج ومراكز وترصد له مسابقات وجوائز وتعتني بأهله وتحتفي بأعمالهم، بينما المركز العمومي الوحيد لفنون الخطّ في تونس يعيش صعوبات منذ عقود وهو شبه معطّل عن العمل ،

الغريب في الأمر أن يتمّ تهميش هذا الفنّ في بلد تاريخ الخطّ العربي فيه عريق إذ يتميّز بالخطّ القيرواني ذي الأصالة والعراقة والخصوصيّة الجماليّة المتفرّدة التي تجعله جزءً من التراث الوطني ،

استبشر عديد الخطّاطين ومحبّي هذا الفنّ الجميل بحرص رئيس البلد على كتابة رسائل التكليف بخطّ عربي واعتبروا ذلك شكلا من إنصاف هذا الفنّ ربّما يمهّد لرفع الضَيم والمظلمة المسلّطة عليه جرّاء نظرة عنصريّة لا تحترم المبدعين وتسلّط رؤية أيديولوجيّة قاصرة ضيَقة على فنّ من الفنون العريقة التي لها حضور في كلّ دول العالم ،

لكن يبدو أنّ الطَريق مازال طويلا ومحفوفا بالأشواك أمام الاعتراف بهذا الفنّ وإنصاف أهله

المصدر : الصفحة الرسمية بالفيسبوك للكاتب بتاريخ 21 فيفري 2020 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق