رأي

الإسلام السياسي في ليبيا.. إشكالية المرجعية والواقع

علي أبوزيد/ كاتب ليبي

 

يعترض كثير من المنخرطين في العمل الإسلامي على مصطلح “الإسلام السياسي” مبرّرين ذلك بأن الإسلام دين شامل لكل مناحي الحياة وجوانبها وهو رسالة عامة ترشد الإنسان وتبين له منهج الحق ليقوم بخلافة الله في أرضه، وإنْ كنّا نوافق على ذلك إلا أنّ التجوز في استخدام المصطلح يأتي من شيوعه إضافة إلى أن أبرز خلاف يقع بين المشتغلين في العمل الإسلامي مع غيرهم يكون غالباً في جانبه السياسي، ونحن إذا أردنا الحديث عن الجانب السياسي فلا بد لنا من أن نبين أموراً ننطلق منها لمعالجة موضوعنا في هذا المقال.

فعند الحديث عن العمل الإسلامي نقصد به ذلك النشاط الذي يهدف للإصلاح المجتمعي متخذاً من الإسلام ركيزة يؤسس عليها إصلاحه، مهما تعدد أوجه هذا النشاط من دعوي وسياسي وثقافي وفكري وغيره، فالإسلام عقيدةً ومنهجاً وسلوكاً هو مرجع هذا العمل ومنطلقه.

ولمّا كان الإسلام هو منطلق هذا العمل ومرجعيته تعددت التيارات والحركات المشتغلة في نطاقه باختلاف اجتهاداتها وبيئاتها التي تحدد أولوياتها وقضاياها، وليبيا كغيرها من الدول فيها من ينشطون في العمل الإسلامي إلا أن النشاط السياسي فيه لم يظهر إلا بشكل محدود في مشروع ليبيا الغد، ثم برز بعد ثورة فبراير بشكل أكبر وأوسع كتيار سياسي له ثقله في المشهد الوطني من خلال أحزاب وكيانات.

وإذا كان العمل السياسي هو الاجتهاد الذي يسعى لتحقيق المصلحة الوطنية وصون السيادة وتحقيق العدالة الاجتماعية وبلوغ الرفاه واستدامة التنمية من خلال المساهمة والمشاركة في عملية الحكم، فإن المرجعية الإسلامية تسعى إلى تحقيق ذلك بما يتلاءم مع المنظور الإسلامي لهذه المفاهيم، ولا شك فإن الاجتهادات تتفاوت في تفسير هذه المفاهيم وسبل وآليات الوصول إليها وتحقيقها، الأمر الذي يستدعي تفهّماً جيداً للواقع وإدراكاً واعياً لمتطلباته، ثم معالجة هذا الواقع من خلال المرجعية الإسلامية التي لها من خصائصها المرونة والاستيعاب ما يجعلها قادرة على التعاطي معه بكل حكمة ونجاعة، فهل كانت التيارات الإسلامية في ليبيا تمتلك مرجعية تتفهم الواقع بما يشكل عندها رؤية تجعلها قادرة على التعاطي معه بإيجابية؟

العمل السياسي يجعل الحديث فيما يخصّ التيارات الإسلامية محصوراً في تيارين هما: جماعة الإخوان المسلمين، والسلفية الحرَكية، أما غيرها من التيارات فهي إما غير مؤمنة بالممارسة السياسية المتعارف عليها كـ “المداخلة”، أو أنهم يتخذون من العنف وسيلة لتحقيق رؤيتهم السياسية كداعش والقاعدة “السلفية الجهادية”، وهذا لا ينفي أن للأخيرين أثر سياسي بشكل عام وإن لم يكن مباشر.

وبالعودة للحديث عن جماعة الإخوان المسلمين الليبية والسلفية الحركية كأبرز ناشطين في تيار الإسلام السياسي ومحاولة تفحص حالة المرجعية ومعالجتها للواقع يمكن القول إن جماعة الإخوان المسلمين برغم ما لها من أدبيات تعينها على تشكّل المرجعية المتفهمة لواقع الحالة الليبية، إلا أن ثقافة العمل السرّي الذي بقيت رواسبه وأثره في سلوك بعض قيادات الجماعة وتمسكها بالآليات القديمة لبناء الكوادر جعل هيكلها التنظيمي يتخلخل عندما أرادت أن تعمل في العلن بعد ثورة فبراير، بل إنها فقدت السيطرة على كثير من أعضائها إضافة إلى أن كثيراً منهم لم يتشرب فكر الجماعة ويستوعبه وصار يحمل خليطاً من الأفكار التي قد تبلغ حد التناقض، إضافة إلى ذلك عجزت قيادتها عن صوغ رؤية واضحة للتعاطي مع الحالة الليبية، بل لم تتمكن من مواكبة التطورات المتلاحقة في المشهد الوطني مما جعلها تتراجع وتنكمش مع تحميلها أغلب مساوئ المشهد من قبل الآلة الإعلامية الشرسة التي حشدت كل إمكاناتها ضدها.

وأما السلفية الحركية والتي يمكن اعتبارها حالة سلفية متعقّلة قليلاً انبثقت من السلفية الجهادية بعد مرحلة من المراجعات أقحمت فيها، فإن فكر هذا التيار بسبب رواسبه الفكرية المتطرفة لم يستطع التعامل مع واقع المشهد السياسي القائم على التعددية، ولم يملك من الأدوات ما يجعله قادراً على التعاطي معه، فلم يجد بدّاً من الاتكاء على الخطاب الثوري التصعيدي كخطاب جاهز وجذّاب خاصة في مرحلة ما بعد ثورة فبراير مباشرة، وقد نجح هذا الخطاب في استقطاب كثير من الناس خاصة بعد تبنيّ دار الإفتاء لهذا الخطاب وإصراره على استخدامه، بل استمال هذا الخطاب كثيراً ممن كانوا في جماعة الإخوان المسلمين أو قريبين منها، غير أن هذا الخطاب فقد زخمه وخسر قاعدته الكبيرة التي حظي بها في بدايته، وتم تجاوزه في المشهد السياسي مما جعله في حالة انعزال وتقوقع.

وبذكر دار الإفتاء لابد من الإشارة إلى أمر مهم في الحالة الليبية، وهو حالة الإرباك التي تسببه دار الإفتاء بوضعها الحالي، فدار الإفتاء مؤسسة تكوّن مع غيرها من المؤسسات جسم الدولة، ولكي يعمل هذا الجسم بشكل سليم لابد أن تتوفر بين أجزائه حالة من الانسجام والتكامل، ولاشك أن تدخل المؤسسات والأجهزة في اختصاصات بعضها سيحدث حالة إرباك وتعطيل، كما أن العمل السياسي قائم على التنافس بين الفاعلين فيه من خلال تقديم الاجتهادات الأكثر إقناعاً للناخب الذي يمثل الرصيد الأهم لأي منافس سياسي، وتدخل دار الإفتاء كموجه للناخب ومسيّر للعمل السياسيي يجعل موقعها غير مفهوم في جسم الدولة ومربك لعملية إدارتها، وهذا لا يعني منع العلماء والمشايخ من إبداء آرائهم، بل لهم ذلك من خارج منصة الإفتاء الرسمية.

من هنا يمكن القول: إن تيار الإسلام السياسي لم يستطع صوغ رؤيته السياسية المبنية على مرجعية إسلامية قادرة على تفهم الواقع السياسي متعدد التوجهات والمنفتح على ما حوله، وذلك من خلال آليات مراعاة المصالح المعتبرة شرعاً المبنية على فقه موازنة الأولويات من دفع المفسدة وجلب المصلحة، واعتبار المآلات بما يحقق مناطات المقاصد الشرعية، إن هذا العجز خلق ضبابية في الرؤية وانسداداً في الأفق تمت محاولة تغطيتها من خلال استدامة الحالة الثورية التي خلقت حالة من العداء لأي تيار إسلامي أو جسم سياسي قريب منه حاول التعاطي مع الواقع بالمتاح لديه ليحافظ على وجود متوازن للتيار الإسلامي مع غيره من التيارات في المشهد السياسي، هذا العداء الذي كان في كثير من الأحيان أشد ضراوة العداوة للتيارات الأخرى يستوجب ضرورة المراجعة داخل هذه التيارات بأسئلة وجودية جذرية والخروج بإجابات صادقة وواقعية.

المصدر: ليبيا الخبر 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق