ملفات

عقلية الاستباق وفرض الأجندات والانتظار الحذر للمآلات : ليبيا وتعدد الرهانات على مؤتمر باليرمو

تمهيد

 

رغم الاشتباكات والتجاذبات والصراعات الجانبية هنا وهناك في الشرق والغرب وأيضا في الجنوب الليبي ومضي البعثة الأممية في التحرك في كل الاتجاهات بناء على تنزيل هادئ لأجندات الخطة ب لمساعدة غسان سلام الأمريكية ستيفان ويليامز، فإن الأنظار تتجه لمؤتمر بلايرمو المقرر ليومي 12-13 نوفمبر/تشرين الأول القادم بل أن كل المتغيرات والتطورات ترتكز عمليا على عقلية الاستباق لنتائج ذلك المؤتمر ومحالة البعض بطريق شتى فرض أجنداتهم بشكل غير مباشر على الجلسات ومقررات المؤتمر الذي تعتبره البعثة الأممية ضمن مسار ثالث إضافة لمساري تغيير السلطة التنفيذية وتحقيق بناء أسس الدستورية ليمكن لاحقا اجراء الاستحقاقات الانتخابية، فما هي الرهانات المتعددة لهذا المؤتمر ولماذا تخشى بعض الأطراف وتحذر من مآلاته المنتظرة، وهل يمكن فعليا للبعض أن يبقى خارج اطار المؤتمر الدولي خاص اذا ما ثبت ان الرئيسين الأمريكي والورسي سيكونان من بين الضيوف الرئيسيين على المؤتمر وهو أمر يتماهى عمليا مع أجندة الازمات المستقبلية المرتب لها منذ سنوات والتي يرى البعض أنها ستكون بعيدة نوعا ما على المنطقة شمال افريقية مما يعني ان ليبيا ستعرف بداية حقيقة لمسار الانتقال الديمقراطي تأسيا بالمثال التونسي خلال الأشهر القادمة؟

وبناء على ذلك اختار فريق التحرير للإجابة على تلك الأسئلة ولتأثيث ملف العدد 17 من رؤية ليبيا أن يقدم للقراء….

* أربع رؤى ليبية مختلفة من زوايا متباينة وعبر كتاب من مختلفي المشارب الفكرية

* قراءتين تحليليتين أولى لكاتب ومحلل سياسي ليبي وثانية لمحلل سياسي تونسي مختص في الشؤون الافريقية…

* وجهة نظر لخبير وكاتب واعلامي متابع لتطورات الشأن الليبي نشرت في صحيفة القدس العربي…    

رؤية أولى : الجديد في مؤتمر باليرمو

 علي أبوزيد/ كاتب ليبي

تتجه الأنظار في 12/13 نوفمبر القادم إلى مدينة باليرمو عاصمة مقاطعة صقلية الإيطالية، حيث سيعقد المؤتمر الدولي المتعلق بليبيا والذي تسعى إيطاليا إلى أن يحظى بحضور دولي وإقليمي واسع.

يتساءل كثيرون عما يمكن أن يقدمه هذا المؤتمر في سبيل حل الأزمة الليبية التي طال أمدها وزاد تعقيدها، وقبل محاولة الإجابة عن هذا التساؤل لابد من استقراء المشهد الليبي محلياًّ، وما يتعلق به دولياً، فعلى المستوى المحلي بعد اشتباكات طرابلس بدأت الأجسام العاجزة وشبه العاجزة بالحراك لتثبت فعالياتها، وتم تفعيل الإصلاحات الاقتصادية والترتيبات الأمنية، كما بدأ التقارب بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والذي يسعى لتعديل وإعادة هيكلة المجلس الرئاسي، كما سارع مجلس النواب إلى إقرار قانون الاستفتاء على مشروع الدستور وتحصينه بتعديل دستوري بآلية هي محل إشكال قانوني، وكل هذا تم بضغط كبير مارسه المبعوث الأممي غسان سلامة مع تغيّر في لهجته التي أصبحت أشد حزماً وصرامةً.

وما أن هدأت العاصمة وبدأت الحياة فيها تعود إلى طبيعتها، حتى بدأت تظهر المناورات السياسية من مختلف الأطراف، فالسراج في خطوة استباقية للالتفاف على محاولة إعادة هيكلة وتعديل المجلس الرئاسي، غيّر في تشكيلة حكومته وعيّن وزراء جدد يقول إنهم أكفأ وأقدر على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه فيما يخص الإصلاحات الاقتصادية والترتيبات الأمنية، ورغم ترحيب البعثة الأممية بأي تقارب وتوافق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إلا أنها كانت أكثر حماساً وترحيباً بالتعديل الوزاري لإدراكها أنه أكثر ما يمكن تحقيقه لجعل السلطة التنفيذية أكثر كفاءة في ظل صعوبة التوافق بين النواب والأعلى للدولة، خاصة وأن رئيس مجلس النواب بدأ يتراجع فيما يخص صحة الجلسة التي عدّل فيها الإعلان الدستوري وأنه تم التوقيع على وثيقة تفاهم بخصوص التعديل فقط كما صرّح مستشاره الإعلامي، وهذا ما يفسّر عدم إحالة قانون الاستفتاء إلى المفوضية العليا للانتخابات، ويرى كثيرون أن صالح يستخدم قانون الاستفتاء والتعديل الدستوري كورقة ضغط ومساومة للمجلس الأعلى للدولة كي يكون رئيساً للمجلس الرئاسي في حال تم تعديله.

في حالة الجمود السياسي التي بدأت تعود من جديد تسعى إيطاليا لتحشيد أكبر قدر ممكن من الدعم الدولي لها لتتولى قيادة المجتمع الدولي فيما يتعلق بالملف الليبي، وتبرز فرنسا كعقبة كؤود أمامها لاختلافهما في آلية الحل وللتنافس الكبير بينهما على المصالح في ليبيا، إضافة إلى الخلاف بين الدولتين فيما يتعلق في سياسة الهجرة التي تمثل إيطاليا البوابة الجنوبية الرئيسية للمهاجرين إلى أوروبا وأكثر المتضررين من هذا الملف.

نجحت إيطاليا في كسب الدعم الأمريكي لها في توجهها الجديد واستطاعت أن تقضي على مخرجات لقاء باريس، ولكن تدرك إيطاليا جيداً ما لفرنسا من نفوذ قوي على قائد الكرامة خليفة حفتر المسيطر على المنطقة الشرقية، ولا زالت الدبلوماسية الإيطالية تسعي لإفقاد فرنسا هذه النقطة القوية، فزيارة وزير الخارجية الإيطالي للرجمة ولقائه بحفتر وزيارته للقاهرة وما ظهر في هذا اللقاء من تقارب وتفاهم مع مصر خاصة فيما يتعلق بالجانب الأمني وعدم ترحيب القاهرة بمخرجات باريس، كل هذا لم يكن كافياً لضمان انخراط حفتر بشكل فعال في التوجه الإيطالي، وهو ما جعل وزير الخارجية الإيطالي يشد الرحال نحو موسكو التي تربطها علاقة جيدة مع حفتر، وهناك تقارير تفيد بسعي روسيا إلى أن يكون لها تواجد عسكري في الشرق الليبي، خاصة وأنها لا تريد أن ينفرد الناتو بإدارة المياه الدولية للبحر الأبيض المتوسط، ويبدو أن روسيا ستميل إلى الجانب الإيطالي خاصةً وأن وزير الخارجية الإيطالي بدا في تصريحاته الأخيرة أكثر تركيزاً على الجانب الأمني وهو ما يهم مصر وروسيا اللذان قد يشكلان ضغطاً كافيا لإقناع حفتر بالانخراط الجاد في التوجه الإيطالي.

وبالعودة إلى التساؤل في أول المقال فيمكن القول إن مؤتمر باليرمو لن يعيد اختراع العجلة من جديد، ولن يأتي بحلول جوهرية جديدة، فالكل يدرك أن المخرج من الأزمة يكمن في إجراء انتخابات عامة، ولكن الجديد الذي تأمل إيطاليا في الوصول إليه بشأن ليبيا هو تحقيق إجماع دولي مُلزم لكافة الأطراف يتمثل في الاتفاق على خارطة طريق واقعية وبمواعيد محددة ومعقولة لتحقيق حالة الاستقرار الأمني من خلال توحيد المؤسسات وإقرار مرجعية دستورية من شأنها أن تصل بليبيا إلى انتخابات يسلم الجميع بنتائجها وتنهي حالة الانقسام والفوضى…..

رؤية ثانية : مؤتمر صقلية ومشروع دولي جديد في ليبيا

عماد البناني/ ناشط سياسي ليبي

كل المؤشرات تنبئ بأن مؤتمر صقلية في منتصف نوفمبر القادم سيمثل صفارة انطلاق المشروع السياسي الدولي القادم في ليبيا، فكل ما قبله يظهر كأنه تمهيد له. هذا الانطلاق يحتاج – بحسب نظرة صناعه – إلى تفاعل كبير من كل المكونات الليبية وخاصة من قبل مؤسسات الدولة لكي تتماهى مع خطواته وتدعم تحقيق أهدافه. ولكن الواضح أن لا مجلس النواب ولا مجلس الدولة الحاليين قادران – في نظر المجتمع الدولي – على مواكبة هذا التحول سريع الرتم كثير النقلات. والكلام المتكرر للممثل الخاص بالخصوص واضح في إثبات عدم استطاعتهما المواكبة.

هذه الرسالة وصلت بعد جهد جهيد للمجلسين فأخذ كل منهما الآن يعمل بكل قوة – في الوقت الضائع ربما – لإثبات الذات من أجل البقاء. أما البرلمان فقد أخذ يسعى للتفاهم مع المجلس الأعلى للدولة (العدو الشريك) لإصدار قرارات سريعة لتغيير شكل ومضمون المجلس الرئاسي، بتقليص حجمه وتغيير أعضائه بما فيهم الرئيس نفسه، أما المجلس الرئاسي في المقابل فقد انطلق نحو إجراء تعديلات في حكومته التنفيذية وذلك بإحلال شخصيات قوية عساها تمنحه القوة ليرتكز عليها في ترنحه. فتحول بذلك المشهد المحلي للمجلسين إلى أشبه بأن يكون تسابقا من أجل البقاء.

البرلمان يتكون في داخله من شركاء متشاكسين تمتد خيوط أكثرهم في خارجه إلى شركاء كانوا متحالفين أيام الحرب وبدأوا يتشاكسون اليوم مع تحول المشهد الليبي من العسكري إلى السياسي، وهذا التشاكس في داخل وخارج البرلمان ربما لا يبشر بتماسك طويل. أما خطوة الرئاسي الداعمه لحكومته بشخصيات قادرة على الفعل والمواكبة ربما أعطاه نفسا لتجاوز المختنق الحالي، غير أن حكومته هذه مهما كانت قوية ستحتاج حتما في خطوات قريبة بعد ذلك إلى مجلس رئاسي قوي ومتماسك يدعمها ويستوعب حراكها، وعدم توفر ذلك ربما سيرجع بالرئاسي الى المربع الأول من جديد.

التحولات الدولية الضاغطة اليوم على جميع المكونات الوطنية والتي بدأت تهز الموجود كله – العسكري والاجتماعي والسياسي – تتسم بسرعة كبيرة متزايدة. هذه السرعة ربما تشكل خطرا على الجميع بسبب عدم قدرة شخصياتنا الوطنية من كل الاتجاهات على مواكبتها مهما حاول المجتمع الدولي أن يساعد في ذلك باستحداث آليات وتشكيل مؤسسات ودعم شخصيات لمواكبته.  وأخوف ما أخاف أن يسبب التحول بالغ السرعة في انهيارات وطنية غير محسوبة في نتائجها – لا دوليا من قبل صناع المشروع، ولا محليا من قبل المواكبين له – فتنشأ بذلك حالة واسعة من التشتت والفراغات الهادمة بدل أن يتكون المشروع السياسي الذي بدأ الليبيون يتطلعون إليه بوعود دولية كأنه الفردوس المنشود.

إنني أدعو بقوة إلى التماسك الوطني لاستيعاب هذا المشروع الدولي الضاغط الذي أخذ يفرض نفسه بقوة، وتوجيهه بما يحقق الصالح لنا من أهدافه وبما يتناسب مع واقعنا وظروفنا بأقل الخسائر الممكنة. إنني أرجو من كل قلبي أن نسعى بأسرع ما يمكن إلى إحداث توافق وطني كاف ننطلق منه لإحداث هذا التماسك المطلوب، على أن يكون هدفه الأهم هو الاستيعاب الجماعي لحالة التحول الوطني لا أن يكون الحفاظ الفردي على الذات.

رؤية ثالثة : مؤتمر إيطاليا الدولي حول ليبيا

عبد الله الكبير / كاتب ليبي

تحتضن مدينة باليرمو الإيطالية منتصف الشهر القادم مؤتمرا دوليا لبحث الأزمة الليبية، وسيشارك في المؤتمر عدد من الدول العربية والدول الأوربية والأفريقية والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن بالاضافة إلى جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الأفريقية.

يهدف المؤتمر حسب تصريحات وزير الخارجية الايطالي إلى إيجاد سبيل لتسوية الأزمة مرحليا تمهيدا لتحقيق قدر من الاستقرار يساعد على تنظيم انتخابات تفرز سلطة شرعية قادرة على تحمل مسؤولية القيادة في ليبيا.

سيشارك في المؤتمر أغلب الأطراف السياسية والعسكرية المتصارعة في ليبيا، وستعمل الدول المشاركة على تسهيل التفاوض بينها من أجل التوصل لتسوية سياسية من خلال اتفاق الصخيرات أو عبر اتفاق جديد تنتج عنه حكومة توافقية تضم كافة الفرقاء وتتولى توحيد المؤسسات المنقسمة وبسط الأمن حتى يتسنى العبور إلى الإنتخابات.

اختيار مدينة باليرمو عاصمة جزيرة صقلية الإيطالية مكانا لانعقاد المؤتمر يوجه رسالة لكل الأطراف المنخرطة في النزاع الليبي بداية بفرنسا مفادها، أن إيطاليا قريبة جدا من ليبيا وبالتالي فهي الأكثر تأثرا بما يجري فيها من صراع.

الحماس الإيطالي لعقد المؤتمر مؤكد أنه يهدف إلى ضمان مساعدة دولية لتحقيق الاستقرار في ليبيا بالنظر إلى المصالح الاقتصادية الضخمة لإيطاليا في ليبيا، وكذلك رغبتها في الحد من الهجرة عبر البحر انطلاقا من الشاطئ الليبي، غير أن هذا الحماس تضاعف بعد محاولة فرنسا قيادة الحل في ليبيا من خلال المؤتمر الدولي الذي عقد في باريس في مايو الماضي ونتج عنه بيان غير ملزم للأطراف المشاركة وكان مآله الفشل.

من أجل تحقيق أقصى مايمكن من النجاح للمؤتمر تعول الدبلوماسية الإيطالية على مشاركة أمريكية رفيعة المستوى، وتسعى أيضا لمشاركة فاعلة من روسيا، ولاستمالة فرنسا صرح وزير خارجية إيطاليا أن المؤتمر سيؤكد على ماجاء في بيان باريس، ولكن من دون وضع آجال محددة للاستحقاقات المقبلة في ليبيا.

التنافس الفرنسي الايطالي حول ليبيا زاد من تعقيد الأوضاع وفاقم حالة الصراع، وستظهر حدود هذا التنافس بما سيتحقق من توافق بينهما وهو ما سينعكس سلبا أو ايجابا على حالة التوافق بين الفرقاء الليبيين، فمستوى المشاركة الفرنسية بالمؤتمر ستكشف المدى المتحقق من التفاهمات الفرنسية الإيطالية، تضمن للبلدين مصالحهما المتشعبة والمتشابكة في ليبيا. فضلا عن هدف مشترك وهو وضع حد للهجرة غير القانونية.

الحكومة الإيطالية نجحت في انتزاع وعد من الرئيس الأمريكي بدعم موقفها في ليبيا، وبناء على هذا الوعد تترقب مشاركة الرئيس الأمريكي شخصيا في المؤتمر أو على الأقل مشاركة وزير الخارجية، فمن دون مساندة أمريكية لا يمكن لإيطاليا ضمان نجاح المؤتمر في التوصل إلى تسوية مقبولة محليا وإقليميا ودوليا.

مؤتمرات ولقاءات عديدة نظمت من أجل وضع حد لحالة عدم الاستقرار في ليبيا بعد ثورة فبراير، غير أنها لم تحقق الهدف المنشود، حتى الاتفاق السياسي المبرم في الصخيرات المغربية نهاية 2015، عمدت بعض الأطراف المحلية والإقليمية على إفشاله، فهل سينجح لقاء باليرمو في الوصول إلى تسوية مقبولة من كل الأطراف؟

لا تبدو الإجابة على هذا السؤال متيسرة فالخلافات عميقة بين الأطراف الليبية فضلا عن الخلافات الأوربية والإقليمية، ولكن اقتناع الجميع بأن الصراع لن يحسم إلا بالانتخابات يمنح أملا لا بأس به في التوصل إلى توافق يمهد الطريق لها.

التحدي الأكبر الذي سيواجه الحكومة الإيطالية قبل موعد المؤتمر هو احتمال التوصل إلى اتفاق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة حول تشكيل مجلس رئاسي جديد، ففي هذه الحالة ربما يزداد تعقد المشهد لأن الأمور لن تمضي بسلاسة على جهة قبول المجلس الرئاسي الحالي بتسليم السلطة للمجلس الجديد، وإيطاليا تبني استراتيجيتها وخططها في ليبيا على مقاس المجلس الرئاسي الحالي المدعوم دوليا، وإذا ماوقع هذا التطور ستواجه الدبلوماسية الإيطالية اشكالية كبيرة. هل ستعترف بهذا التغيير وتوجه دعوة الحضور للمجلس المشكل حديثا؟ أم ستدعو المجلس الحالي وتتجاهل الجديد؟ أم ستدعو المجلسين معا ما يعني مشكلة إضافية جديدة في صندوق الأزمات الليبية؟ الأيام المقبلة قبل موعد انعقاد المؤتمر ستكشف الكثير من الغموض والتساؤلات….

رؤية رابعة : سلامة ومغامرة المؤتمر الجامع

 المبروك الهريش/ كاتب ليبي

انتهج المبعوث الأممي إلى ليبيا منذ استلامه مهامه قبل أكثر من عام نهجًا دبلوماسيًّا مركزًا اعتمد على محاولة إرضاء جميع الأطراف السياسية، خاصة طرفي الأزمة الأساسيين وهما: مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، مبتغيا من خلال هذا النهج الدفع بالعملية السياسية في طريق الحل كمقدمة لإذابة باقي الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الحادة التي تعصف بالبلاد، خاصة بعد الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات برعاية الأمم المتحدة، والذي كان لسابقيه “الإسباني برناردينيو ليون، والألماني مارثن كوبلر” الجهد الأكبر في الوصول إليه.

غير أن هذا النهج لم يستمر طويلا، فقد شهدت إحاطة سلامة التي قدمها في جلسة مجلس الأمن في يوليو الماضي، تغيرًا واضحًا في نهجه الدبلوماسي، حيث أعلن صراحة أن رئيس مجلس النواب عقيلة صالح لم يفِ بوعده في إصدار قانون الاستفتاء على مشروع الدستور، محمّلا المسؤولية لصالح في عدم الدعوة لعقد جلسات مجلس النواب وقيادته نحو ذلك.

بعدها بشهرين زادت حدة تصريحات المبعوث الأممي مهددًا هذه المرة إن استمر إخفاق النواب بتبني سبلٍ جديدة للتغيير “دون تردد وبكل حماس”، ليشمل بعدها المجلس الأعلى للدولة قائلا “إن البرلمانيين الذين انتخبوا في 2012 و2014 لا يطمحون لشيء سوى للبقاء في مناصبهم إلى أبد الآبدين”.

بالطبع لا يمكن أن يكون هذا التحول الجذري في التصريحات بدون مغزى ولا هدف، فالأعراف الدبلوماسية خاصة في دوائر السياسة الغربية تقول إن التلميحات في حديث المسؤولين أو إدلائهم بتصريحات تحتمل التأويل يعتبر مقدمة لتغير في المواقف على الأرض، ما يعني أن المبعوث الأممي إلى ليبيا لديه ما يشبه الضوء الأخضر بتجاوز هذين الجسمين إذا ما استمرّا في هذا التعنت الذي يسير جنبا إلى جنب مع سير البلاد إلى مزيد من الدمار والفوضى.

وإذا ما نظرنا بموضوعية إلى التصعيد في تصريحات سلامة نجد أن هناك شيئا من الواقعية في لغتها ومضمونها، فجُلّ السيناريوهات المطروحة لحل الأزمة تتطلب موافقة مجلس النواب، أو مجلس الدولة، أو كليهما: “تعديل الاتفاق السياسي، تعديل الإعلان الدستوري ومرحلة انتقالية ثالثة، الاستفتاء على الدستور، تعديل المجلس الرئاسي وانفصال الحكومة عن المجلس، تعيين المناصب السيادية ..”، ما يجعل من موقف سلامة تجاه الجسمين منطقيا وواقعيا، ولا ضير لو قلنا أن المرحلة القادمة سواء كانت انتقالية أو دائمة، يجب أن تكون خالية من الجسمين لإنقاذ ليبيا من مزيد المآسي.

غير أن ذلك لا يعني أن يتجه سلامة إلى حلٍّ أكثر تعقيداً ومغامرةً، وهو ما أطلق عليه “المؤتمر الوطني الجامع” الذي عرضه المبعوث الأممي في خارطته أمام مجلس الأمن بعد استلامه لمهمته، ليشرك الجميع بمن فيهم “الزعلانين” -حسب وصفه-، فرغم أن المؤتمر الجامع يعتبر خيارا جيدا لضم كل الأطياف السياسية بمن فيهم أنصار النظام السابق، ووسيلة لقبول كل الأطراف لبعضها البعض وعدم إقصاء أيّ أحد، ولكن لا يمكن الاعتماد عليه في إدارة مرحلة معقدة كالتي تمر بها ليبيا وعدم الثقة متجذرة بين هذه الأطراف، إلا أن هذا الطرح يعتبر ضربا من الخيال، والأسوأ من ذلك هو توفر مساحات تتحرك فيها الدول الخارجية أكثر ويكون وبمقدورهم التحكم أكثر في مخرجات المؤتمر وصناعة المشهد القادم.

ويمكن في هذا السياق التذكير باتفاق بون الذي أتى بحكومة كرازاي في أفغانستان ووضع مهلة ستة أشهر لعقد مؤتمر اللوياجيركا -وهو شبيه بالمؤتمر الجامع الذي يدعوا إليه سلامة-، فقد تفاجأ الأفغانيون بتحديد الأمم المتحدة أسماء اللجنة التي تُحدد أسماء المشاركين في اللوياجيركا، لينتهي به إلى الفشل.

ما أريد الوصول إليه أن ليبيا في هذه المرحلة الحرجة في أمسّ الحاجة لوجود بعثة الأمم المتحدة خاصة –كما ذكرنا- في ظل انعدام الثقة بين مختلف الأطراف، ما يفرض على ممثلها الخاص في ليبيا إدراك هذا الأمر واستغلاله في السير نحو حل واقعي وغير منحاز لطرف، ولو بالسعي إلى مزيد من الضغط على هذين الجسمين حتى يتم إنجاز متطلبات التهيئة للانتخابات وخلق الأرضية الصلبة لمرحلة دائمة ومستقرة بمرجعية دستورية واضحة، فالمغامرة بفتح جبهة سياسية جديدة دون إنهاء حاسم للأجسام الموجودة لن يكون إلا توسيع لدائرة الفوضى السياسية.

قراءات تحليلية

قراءة أولى : ايطاليا والبحث عن حل للأزمة الليبية

السنوسي بسيكري/ محلل سياسي ليبي

بدأت روما في التعبئة للملتقى الدولي الخاص بتدارس الأزمة الليبية والبحث عن حل ينهي مظاهرها وآثارها، وهو الاجتماع المقرر عقده خلال النصف الأول من الشهر المقبل.

هذا ليس الاجتماع الأول الذي ينعقد في إيطاليا لبحث الأزمة الليبية، لكنه يتمتع بخصوصية كونه يأتي بعد تنافس إيطالي ـ فرنسي محموم ولأنه ينعقد كمسعى لحجب المبادرة الفرنسية عن التأثير والتي كان مضمونها عقد انتخابات عامة قبل نهاية العام الجاري.

وإن صح التحليل، فإن هذا العامل في حد ذاته يشكل تحديا ومخاطرة، فالتحدي من جهة أن باريس لن ترضى بتراتيب إيطالية تضعف من حضورها في المشهد الليبي، والمخاطرة هي التخوف من أن يُفرَض حل يزيد الوضع الصعب صعوبة.

في اعتقادي أن المجتمع الدولي والعواصم الغربية الفاعلة تركت للحكومات المتعاقبة بعد الثورة البراح الذي تحتاجه ولم يقع تدخل ملحوظ في ما يتعلق بإدارة مرحلة ما بعد فبراير 2011م، واقتصر الدور الغربي على تقديم الدعم الفني المتعلق بالانتقال الديمقراطي وببناء المؤسسات السياسية والأمنية وهو ما لم تستفد منه الإدارة الحكومية الليبية بكفاءة.

التدخل المباشر والمؤثر وقع بعد الصدام المسلح إثر إطلاق عملية الكرامة وردة الفعل عليها بعملية فجر ليبيا، فقد أدى تفجر الصراع إلى انقسام حاد بشر بتداعيات خطيرة سياسية واقتصادية وأمنية نراها اليوم واقعا متجذرا ملمحه تفكيك البنية الاجتماعية وتعميق الأزمة الاقتصادية وتهديد مصالح الدول الغربية.

ومعلوم أن الاجتماعات الدولية التي تنعقد لمعالجة أزمة في بلد ما تدلل على أن الأزمة لم تعد محلية ليس في تداعياتها فقط بل في مقاربة حلها، وليبيا مثال حي على ذلك، وبالقطع فإن العواصم الفاعلة التي لها غايات خاصة بتدخلها في الشأن الليبي ستسعى لتحقيق هذه الغايات بكل السبل المتاحة.

* روما وباريس وليبيا

لقد بات التنافس بين روما وباريس حول إدارة الأزمة الليبية اليوم مفضوحا، لكن الساسة الغربيين، الأوروبيين تحديدا، يدركون أن الحلول الحدية التي تقود إلى معادلة الغالب والمغلوب باتت غير مقبولة وذلك منذ الحرب العالمية الثانية، وبالتالي فإن أي رؤية للحل ينبغي أن يتوافر فيها قدر من التراضي.

التراضي لا يعني التساوي بحال، فروما يمكن أن تحتج بأن ليبيا مجال نفوذ إيطالي بمنطق التاريخ والمصالح المباشرة، يضاف إلى ذلك الدور الأمريكي الذي له حضور مباشر عبر نائبة رئيس البعثة الأممية والذي يأتي في صالح إيطاليا، فوزن روما أثقل مما هو ظاهر بالدعم الذي تحوزه من قبل واشنطن في الشأن الليبي.

الحلقة الأضعف في تلك التوافقات الدولية دائما يكون الوطن والمواطن، ويتحمل الساسة الليبيون جزءا كبيرا من المسؤولية في الوصول لهذا المأزق، وتأتي بالتبع الكتائب المسلحة التي صارت مصالحها الضيقة جدا والكبيرة حجما على حساب القضية وأصحابها.

* تراكم الأخطاء

الانسداد الذي نشهده في الوضع السياسي إنما تراكم بفعل أخطاء الساسة، والرتق الذي أعجز الراقع إنما اتسع بفعل تناقضات الأطراف المحلية المتنازعة وفشلها في منع الأزمة من التفاقم لتصل إلى مستوى بات معها الحل المحلي صعبا وليصبح انتقال الملف برمته إلى عواصم الغرب شرا لا بد منه بل مبررا عند قطاع واسع من الليبيين.

لم تتضح بعد ملامح أجندة الاجتماع، ومن المحتمل أن يتم الاتفاق على مرحلة انتقالية جديدة يطالب فيها الأطراف المتنازعون بتمرير مقاربة التعديل على المجلس الرئاسي، وتعيين رئيس لحكومة مصغرة يكفل لها المجتمعون الدعم اللازم لتنفيذ مهام أساسية تتمحور حول ترتيب الوضع الأمني ودعم الإصلاحات الاقتصادية والتمهيد لانتخابات عامة في فترة لا تتعدى العام.

ما يمكن أن يكون فارقا في الملتقى الدولي هو إنجاز ما فشل الفرقاء الليبيون في إنجازه وهو تحديد أعضاء المجلس الرئاسي وتسمية رئيس الحكومة، فهنا يقف قطار المسار السياسي، وهنا يطل علينا النزاع بعواصفه الهوجاء.

ربما يتعذر بحث مسألة أسماء المرشحين والاختيار من بينهم، فمثل هذا لا يقع في مؤتمر دولي وبشكل مكشوف، لكن التفويض المتوقع لا بد وأن يُستغل للفصل في هذه الجزئية المهمة، وما جدوى مثل هذا الاجتماع في هذه المرحلة العصيبة وفي ظل تنافس أوروبي محموم إذا لم يؤسس لمقاربة تكسر الجمود وفق معادلة التراضي الإيطالي الفرنسي؟!

قراءة ثانية : ماهي أجندات مختلف الأطراف المحلية والإقليمية والدولية في مؤتمر باليرمو؟

بقلم علي عبداللطيف اللافي

كاتب ومحلل سياسي تونسي مختص في الشؤون الافريقية

لا شك أن ترتبات الوضع الليبي خلال الفترة القادمة ستكون حاسمة قبل وبعد موعد  المؤتمر الدولي في “باليرمو” الإيطالية (12-13 نوفمبر/تشرين الأول المقبل)، بل أن تلك الترتبات قد تغير المشهد السياسي في عدد من دول الجوار وبعض الدول العربية كما ستكون مؤثراتها متعددة على بعض الدول المتوسطية في جنوب القارة الأوروبية باعتبار أن السؤال الأهم والأساسي اليوم – بعد التغيير الحكومي الأخير وفي انتظار استكمال المسارات الثلاث لعمل البعثة الأممية- ما هي أجندات مختلف الأطراف في المؤتمر وبناء على نتائجه، في ظل وجود زعامات سياسية محلية ضيقة الأفق الاستراتيجي إضافة الى بعض أطراف إقليمية ودولية لا ترى في تكاتف الليبيين ووحدتهم بعين الرضا؟

  • مُحددات مواقف الأطراف الاقليمية والدولية

أ- أغلب القوى الدولية ترغب في نجاح الحكومة المقبلة وستسعى لدعمها بغض النظر على اختلاف القوى الدولية فيما بينها على الأجندات المستقبلية في ليبيا أو تفاصيل برامجها أو مدى الرضا عن حجم تواجد الإسلاميين في السلطتين التنفيذية والتشريعية…

ب- الدول الأوروبية حسمت أمرها في الدعم الكلي للحكومة المقبلة باعتبارها سيكون مرضيا عنها من طرف جميع الليبيين، وذلك بهدف أن تتحكم فعليا في الهجرة غير الشرعية ومدى قدرتها على المعالجة الشاملة للظاهرة الإرهابية والإجرامية من عدمه…

ت- سيبقى الدور الجزائري حاسما في استقرار الاوضاع في ليبيا بل وستكون الجزائر حصنا منيعا ضد أي إرباك للمسارات المستقبلية للدول المغاربية، لأن ذلك جزء من استراتيجيا سياساتها الخارجية ولقاحا أساسيا لعدم زعزعة استقرارها الداخلي …

ث- ألهمت التجربة التونسية بغض النظر على نسبية نجاحها في تحقيق أهداف ثورتها والتي لم تستكمل مهامها بعد، القوى الدولية والفاعلين السياسيين في ليبيا وخارجها أنه يمكن بناء حكم تشاركي وتوافقي مبني على نتائج الانتخابات في البلدان العربية وخاصة المغاربية بالذات….

  • من يُريد عدم توصل المؤتمر الدولي لنتائج ملموسة؟

عديدة هي الاطراف التي تسعى جاهدة كما بينا اعلاه لإرباك الوضع الليبي وإعاقة تنزيل نتائج المؤتمر الدولي أو حتى ارباك أشغاله:

أطراف دولية 

رغم أن القوى الدولية حسمت أمرها في اتجاه تشكيل حكومة انتقالية ذات صلاحيات واسعة، إلا أن عوامل وتطورات لاحقة قد تجعلها تتراخى في الدعم، أو في الانجرار وراء قوى إقليمية تسعى لإرباك ليبيا مجددا في حد أدنى وهو أمر وارد بناء على تجارب سابقة خلال العقود الماضية أو من خلال استقراء السياسات الدولية في التجربتين العراقية والسورية، بل ومن خلال استقراء  مسارات التفاعل مع الأوضاع اليمنية رغم اختلاف المحددات والخصائص الجيو- سياسية في الحالة الليبية، إضافة لذلك ستبقى مواقف الإيرانيين والروس وهما عمليا لاعبان جديدان منذ أكثر من سنوات ثلاث في الملف الليبي حيث أن سياساتهما تجاه الملف يكتسيها نوع من الغموض بغض النظر عن التصريحات الدبلوماسية أمام كاميرات القنوات والشبكات التلفزية….

أطراف إقليمية

            عديدة هي الأطراف الإقليمية التي تسعى لإرباك الاوضاع في ليبيا مجددا بغض النظر عن مواقفها الدبلوماسية المعلنة:

+النظام المصري:  لن يكون النظام المصري بقيادة المشير عبد الفتاح السيسي مُرتاحا لنجاح المؤتمر الدولي رغم تراجعات مواقفه الاخيرة، خاصة أن الحكومة الجديدة لن تكون تحت رعايته ولن تحتاج لدعمه اللوجستي و ولن يستأثر بعطايا برامجها وخاصة الاقتصادية منها، خاصة بعد تراجع دور اللواء المتقاعد خليفة حفتر والذي سيكون موجودا كلاعب في المشهد المقبل  ولكن بشروط الآخرين وليس بشروطه…

+الإمارتيون:  يعتبر الإماراتيون ثاني الأطراف التي لن تكون مرتاحة لتوافق الليبيين وتقدم الحكومة التوافقية في بسط هيمنتها، ورغم أن الامارتيين لن يكونوا معارضين واضحين للسياسات الأمريكية والأوروبية، فإنهم لن يكونوا مرتاحين لنجاح الحكومة بسبب تواجد إسلاميو ليبيا في تركيبتها، ولن تكون رؤيتهم للتعامل معها بعيدة عن رؤيتهم للحكومات التونسية ما بعد 2014  …

القطريين والأتراكربط “الأتراك بالقطريين” هو ربط موضوعي لتحالفهم السياسي والاقتصادي والذي بلغ درجة من التحالف الاستراتيجي، و هذا التحالف المُعلن تراجع دوره منذ 2015  في الملف الليبي وهو تحالف  يتحرك بهدوء وسيسند واقعيا الحكومة القادمة وسيعمل على نجاحها نتاج حسابات إقليمية وطبيعة قراءاته للأوضاع الدولية الراهنة….

أنصار القذافي

أولا، لا يمكن الجزم أن أنصار القذافي في ليبيا حاليا هم وحدة متكاملة من حيث الرؤى والتوجه والولاء أو من خلال رؤيتهم لمستقبل ليبيا، وبعض أنصار القذافي يرون في قراءتهم للوضع الحالي أنه يمكن ترتيب الأمور لصالح سيف الإسلام القذافي، وفي هذه النقطة بالذات ينقسم أنصار القذافي إلى طرفين، الأول يرى في سيف منقذا للبلاد والطرف الثاني يرى في ذلك تكتيكا أوليا في طريق عودة نظام القذافي باعتبار أن الغرب في تحليلهم طبعا ليس له أي إشكال مع سيف الإسلام بل هو ورقة غربية قديمة، أم الطرف الثالث من أنصار القذافي فهو يرى في نجاح الحكومة القادمة سبيلا أن تسترد بعض قبائل محسوبة عليهم حقها وانه لا يجب معاملتها بناء على قربها السابق من الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، وهؤلاء يرون أن المصالحة الحقيقة هي في بناء جديد يدفن آلام الماضي،  والخلاصة أن أنصار القذافي مُشتتون ومُختلفون وقوتهم بشرية ومادية لوجستية، وأنه لا أمل لأنصار القذافي في إفشال التوافق الليبي رغم هامش قوة مقتدر ولكنه نسبي على إرباك الحكومة ما بعد مؤتمر “باليرمو”، و الأكيد أيضا أن قطاعات واسعة من أنصار القذافي مؤمنة حاليا بما قاله رجل المخابرات القوي في عهد القذافي عبدالله السنوسي لقبيلة المقارحة سنة 2015 في سجنه “عهد القذافي انتهى وولى ولن يعود وعليكم القبول بذلك والمشاركة في المسارات الجديدة”…

بعض مكونات طرفي الصراع

        إن كل من طرفي الصراع ليس وحدة متكاملة كما يعتقد البعض ولكن كُل منها يضم مكونات لا ترى في نجاح مؤتمر “باليرمو” تحقيقا لأهدافها

مكونات ما يعرف بالحكومة المؤقتة:  وهي مكونات  تشمل حوالي خمس مكونات، بعضها ظاهر كـــ”الفيدراليين” و”مجموعة الكرامة” بقيادة حفتر، وأنصار تلك الحكومة سابقا في الجهة الغربية (وهم أيضا ليسوا وحدة متكاملة)، وأطراف لا تُرى  ولا تظهر في الصورة، ومنهم مكونات سياسية ليبرالية وطبعا قيادات نظام القذافي التي لم تكن معلومة في عهده من عسكريين ورجالات الأمن الخارجي والداخلي، وطبعا بعض هذه المكونات تختلف في رؤيتها للتطورات وإيمانها بأهمية التوافق ويقينها “أن االحسم العسكري مستحيل واقعيا وميدانيا و أنه لا سبيل إلا بتشكيل حكومة لكل الليبيين”….

+ مكونات حكومة الوفاق الوطني: سيسعى الإسلاميون خاصة (الوطن- العدالة والبناء وحلفائهم) والفبراريون عامة، الى البحث عن توافق شبيه بالحالة التونسية للنأي بالتجربة الليبية من السقوط في براثن الاستئصال والاقصاء، وهذه الرؤية تتبناها أيضا اطراف ليبيرالية بما فيها حزب “الجبهة الوطنية” و”تجمع الوطنيون الأحرار” وبعض أحزاب أخرى صغيرة على غرار “حزب التغيير”،  وبعض قوى في “حزب تحالف القوى الوطنية” (أنظر نص قرادة مثالا)، وأيضا أغلب وزراء السراج الحاليين والفاعلين الاقتصاديين والسياسيين والأمنيين والعسكريين وأركان المؤسسات السيادية….

  • أي مستقبل لتطور الأوضاع في ليبيا في أفق المؤتمر الدولي؟

بغض النظر عن التجاذبات وصعوبة المهمة بالنسبة للسراج أو من سيخلفه على رأس الحكومة الانتقالية، وبالنسبة للبعثة الأممية وتعقد تفاصيل المشهد الليبي ومفرداته العديدة والمتعددة في أفق عقد المؤتمر الدولي،  فإنه يمكن التأكيد على أن نجاح التوافق الليبي أمر محسوم بينما عمل الحكومة سيعرف صعوبات عدة ومزالق عديدة وتحديات كبرى وعوائق لا تحصى ستسعى أطراف عدة إقليمية وربما دولية إضافة إلى أطراف في الداخل الليبي، إلى العمل على توسيعها وتضخيمها، حيث أن تلك الأطراف ستلعب كل ما بقي لها من أوراق لإفساد المشهد الجديد غداة المؤتمر الدولي وخلط الأوراق و إعادة الأمور للنقطة الصفر، أو ربما أعقد مما كان عليه الوضع في صائفة 2014 ….

ولكن من الأكيد أيضا أن تطورات المشهد الإقليمي وطبيعة الموقع الجغرا – سياسي لليبيا وقربها ومن السواحل الأوربية وطبيعة التحديات الاقتصادية في دول الجوار الليبي ستدفع الجميع نحو الدفع لإنجاح عمل حكومة ما بعد مؤتمر “باليرمو” بل ومساعدتها في تنفيذ برامجها وإجراء انتخابات تغلق باب الصراعات الميدانية والعسكرية…

ولكن السلطة التنفيذية والانتقالية الجديدة ستجد بل أنها ستكون أمام تحديات جسيمة على المستوى الأمني وبناء وقيادة المؤسسات السياسية والعسكرية وترتيبات الحدود مع الدول المجاورة والعمل على إنهاء الصراع في الجنوب (أساسا بين التبو والطوارق)، ولكن أمل الشركات العابرة للقارات في الاستثمار في ليبيا ورغبة عديد العواصم الكبرى في إعادة النشاط لسفاراتها في طرابلس من أجل الظفر بعقود لكبرى شركاتها في المستقبل…

وفي الأخير فان مستقبل ليبيا بعد 13 نوفمبر/تشرين الأول المقبل سيكون واعدا من أجل عودة الوئام بين الليبيين حتى يتمكنوا من إجراء مصالحة شاملة وعادلة تدفن آلام الماضي وتوقي الصعاب عبر تشكيل سلطة تنفيذية جديدة تنهي المرحلة الانتقالية بإجراء انتخابات ديمقراطية وشفافة تقنع الجميع في الداخل والخارج وتكون منطلقا لإعادة بناء المؤسسات الدستورية وحتى يهنأ الليبيون كل الليبيين بغض النظر عن أحزابهم وقبائلهم ومدنهم وانتماءاتهم الفكرية والمذهبية والسياسية…

وجهة نظر  : المصيرُ الليبيُ رهينةٌ بين أيدي الفرنسيين والايطاليين

رشيد خشانة/ كاتب تونسي

يحتدُ الصراع يوما بعد يوم بين الفرنسيين والايطاليين على تقاسم الكعكة الليبية، ما فسح المجال أمام قوى أخرى، أبرزها روسيا، للعمل من أجل استعادة الموقع الذي كانت موسكو تتمتع به على أيام النظام السابق. وإذ يحشد الايطاليون قوى ليبية من الشرق والغرب للمشاركة في المؤتمر، الذي يعتزمون عقده في روما الشهر المقبل، يسعى الفرنسيون إلى معاودة تقويم الأوضاع وبلورة خطة سياسية جديدة، بعدما استطاع غُرماؤهم إسقاط خريطة الطريق التي أعلن عنها الرئيس إيمانويل ماكرون، بحضور أبرز الفرقاء الليبيين. وكانت تلك الوثيقة تقضي بإجراء استفتاء على الدستور وانتخابات رئاسية وبرلمانية في العاشر من كانون الأول/ديسمبر المقبل، بعد وضع مرجعية قانونية للانتخابات، في غياب مثل تلك المرجعية حاليا.

ومن الآثار الجانبية البارزة للصراع الفرنسي الايطالي تداعياتُهُ الكبيرة على الموقفين الروسي والأمريكي، فالأمريكيون ابتعدوا عن الملعب الليبي بسبب تعقيده الشديد، وكاد تدخلهم يقتصر على “الضربات الجراحية” الجوية التي يستهدفون من خلالها عناصر مصنفة على لوائح الإرهاب، بعد رصد تحركاتها داخل الأراضي الليبية. ومنحت واشنطن بشكل صريح وعلني وكالة للايطاليين لإدارة الملف الليبي بعدما قررت الانسحاب من هذا البلد، في أعقاب اغتيال سفيرها كريستوفر ستيفنز في مقر القنصلية الأمريكية في بنغازي، والذي اعتبرته خبيرة الشؤون الليبية كلاوديا غازيني، عنصرا حاسما في تعاطي الإدارات الأمريكية المتعاقبة مع الملف الليبي بعد 2012.

بالمقابل زاد الاهتمام الروسي بالشأن الليبي مع تزايد الاهتمام بالمنطقة المتوسطية، وخاصة شرق المتوسط، وسار هذا الاقتراب من ليبيا في خط مواز لتعاظم دور موسكو في الملف السوري. وعلى الرغم من أن صحيفة “صن” البريطانية، أكدت أخيرا أن رؤساء أجهزة المخابرات البريطانية حذروا رئيسة الحكومة تيريزا ماي من “التهديد الروسي الجديد في ليبيا، لأنه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن القومي البريطاني”، وحضوها على اتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهته، يجدرُ التعاطي مع تلك المعلومات بحذر لأن التمدُد الروسي في المناطق التي يسيطر عليها القائد العسكري خليفة حفتر، قديمٌ ومُستندٌ على اتفاقات بين الجانبين.

وقالت الصحيفة كذلك إن روسيا بصدد نقل قوات وصواريخ إلى ليبيا، من بينها أنظمة صواريخ الدفاع الجوي S300، وهذا أيضا ليس جديدا لأن موسكو هي التي ترسل السلاح لقوات حفتر، فيما تسدد الإمارات ثمنها، ويتولى خبراء مصريون تدريب العناصر الليبية على استخدامها. غير أن الجديد في تقرير “صن” هو الحديث عن وجود قاعدتين عسكريتين روسيتين في كل من بنغازي وطبرق (شرق)، تحت غطاء مجموعة “فاغنر”، وهي شركة عسكرية روسية خاصة. وإذا صحت تلك المعلومات ستكون ليبيا ثاني بلد متوسطي، بعد سوريا، تملك فيه روسيا حضورا عسكريا وتسهيلات بهذا المستوى. والأرجح أن حفتر هو من أعطى الضوء الأخضر لموسكو، التي زارها مرات عدة، لنشر قوات روسية في الشرق الليبي، في محاولة للتقليل من النفوذ الأوروبي، ولا سيما الايطالي، الذي يعتبره داعما لخصومه في حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج.

ويمكن القول إن حفتر هو النقطة التي يلتقي عندها الموقفان الفرنسي والروسي، ففرنسا دعمت، وربما ما زالت، اللواء حفتر بالخبراء والمدربين العسكريين، اعتقادا منها أنه يشكل أهم سد أمام تمدُد الجماعات الأصولية في الشرق الليبي، وهو الخطاب الذي اعتمدته روسيا أيضا لتبرير تدخلها في كل من ليبيا وسوريا، مُتعللة بالحرب على الإرهاب. ويسعى حفتر في هذا الإطار للحصول على ضوء أخضر للسيطرة على الغرب الليبي والتخلص من المجلس الأعلى للدولة وحكومة الوفاق المنبثقة منه، التي يعتبرها خاضعة لتأثير جماعات مسلحة.

من الصعب القول أن الأمور في ليبيا تسير طبقا لخطوط مرسومة ودقيقة، فالفوضى هي السمة الطاغية على الأوضاع شرقا وغربا، ويعسُرُ إيجاد رابط منطقي بين المواقف والأحداث، في ظل شلل تام لمؤسسات الدولة، أو ما تبقى منها. ويُلقي هذا الوضع المتدهور بظلال سميكة على حياة المواطن اليومية، حيث السيولة غير متوافرة في المصارف وانقطاعات الكهرباء أطول من اشتغالها ولهيب الأسعار ما فتئ يتصاعد، وسط عجز الدولة عن احتواء هذه الأوضاع.

ولعل من مظاهر هذا الوضع السريالي الحجمُ المتزايدُ للاقتصاد الموازي، الذي يديره أمراء شبكات التهريب وقادة الميليشيات. ويُقدر خبراء حجم الاقتصاد الموازي بـ40 في المئة من الاقتصاد الليبي. أما خبراء البنك الدولي فيُقدرون تراجع دخل الفرد في ليبيا بنسبة تتجاوز 65 في المئة وارتفاع متوسط التضخم بأكثر من 9 في المئة بسبب ارتفاع أسعار الاغذية. وكشفت تقارير حديثة أن للميليشيات دورا كبيرا في استنزاف الاقتصاد الليبي، إذ تقوم سبعون ناقلة على ملك ميليشيات مسيطرة على بعض آبار النفط، بتهريب النفط الخام إلى إيطاليا عبر مالطا، حيث يتم تكريرُه وضخُهُ في شبكة التوزيع العادية. ويُشكل هذا النفط المُهرب 9 في المئة من النفط المستهلك في إيطاليا حسب الخبراء.

بالمقابل يُضطر الليبيون بحكم محدودية قدرتهم على تكرير نفطهم الخام، إلى استيراد المحروقات من إيطاليا ما يُكلف الموازنة 3.3 مليار دولار سنويا. وبالرغم من العقوبات التي أقرتها الأمم المتحدة والولايات المتحدة بحق جماعات مورطة في تهريب النفط الليبي، ما زالت الأخيرة تعمل طليقة الأيدي، بينما مؤسسة النفط الليبية (قطاع عام) غير قادرة على منعها من ذلك.

ويمكن إرجاع أسباب هذا الوضع إلى كون المؤسسات التي تدير البلد حاليا، في الشرق كما في الغرب، غير شرعية، سواء حكومة الوفاق، التي تجاوزت الفترة المحددة لها في اتفاق الصخيرات، أم القائد العسكري خليفة حفتر، الذي بوأه برلمانٌ منتهي الصلاحية منصب القائد العام للجيش الليبي. وهذا الفراغ هو أحد الدوافع الرئيسية إلى إجراء انتخابات عامة، حرة وشفافة، لاختيار قادة جدد للبلد. يُضاف إلى ذلك أن حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، والتي يتم التعاطي معها بوصفها تملك غطاء شرعيا، غير منبثقة من صناديق الاقتراع، ما يستوجب العودة إلى حالة طبيعية تُنهي الوضع الشاذ الراهن. كما أن انقسام البلد إلى غرب تُديره حكومة الوفاق، مع الميليشيات أو عبرها، وشرق يحكمُهُ حفتر بقبضة من حديد، إضافة إلى جنوب منفلت، تسيطر عليه الجماعات القبلية وعصابات التهريب، هو وضع لا يمكن أن يستمر لما فيه من مخاطر كبيرة، ليس فقط على ليبيا، وإنما أيضا على بلدان الجوار، التي ترى في جارتها ليبيا قنبلة موقوتة وتهديدا كبيرا لأمنها وحدودها.

لكن عليها أن تكون معنية أكثر مما هي الآن بإنضاج شروط الحل في ليبيا، فهذا الحلُ سياسيٌ أو لا يكون، وهي أقدر من الأوروبيين على مخاطبة الليبيين، وإقناعهم بالتخلي عن الخيارات العسكرية، إذ لا أحد من القوى المتصارعة يملك القوة الكافية لحسم الصراع. وإذا ما استمرَ الوضع الراهن ستبقى ليبيا أكبر خزان للأسلحة السائبة وستظل حدودها مفتوحة للمسلحين الداخلين والخارجين من جميع الأطياف، بلا أي رقيب أو رادع. بهذا المعنى يشكل استمرار الحرب الأهلية في ليبيا تهديدا مباشرا للأمن القومي لكل بلد من بلدان الجوار، مع العلم أن ما يمكن فعلُهُ اليوم لا يمكن بالضرورة فعلهُ غدا لتقريب الشقة بين الإخوة الأعداء وحملهم على الجلوس إلى مائدة الحوار. لكن الأكيد أن ما استطاعت أن تُنجزه باريس، وإن لم تبق منه سوى الصور التلفزيونية، أو روما الشهر المقبل، تستطيع أن تُحقق مثله بلدان الجوار العربية وأكثر.

 

المصدر: رؤية ليبية بتاريخ 15 اكتوبر 2018

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق