تونسملفات

استمرت معاناة أهاليها وتواصل التهميش حتى بعد الثورة الذاتي والموضوعي في غياب الاستثمار والتنمية طيلة أكثر من ست عقود

تـمــهــيـد:

تهميش القصرين امتد لعقود ولكن تواصل بعض مظاهره وتواصل غياب التنمية وتعطل حتى المشاريع المبرمجة منذ سنوات، أمر يدفع للحيرة ويتطلب دراسات وابحاث اجتماعية وسياسية ففي القصرين يغيب كل شيء روغم رحمة الجغرافيا وابداعات التاريخ هناك تغيب السياحة في مقوماتها البسيطة والعادية (نزل يتيم) حتى العادية، وفي الصرين يغيب الاستثمار ثقافيا واقتصاديا رغم الموارد البشرية وأهمية وحجم الموارد الأولية والباطنية، انه لأمر جد محير ودافع للاستفهام فالتهميش طال كل شيء هناك، ولقد تغيرت الحكومات والرؤساء والحقبات بينما هامش التغيير أقل من أن يلاحظ ان لم نتحدث عن التراجع والخيبات وروح اليأس عند شباب وهبوا تونس دماءهم ورفاقهم من أجل حرية التونسيين وتجرأ اباءهم وأجدادهم على الحكام والمستبدين وأجهزة القمع وتصدوا للرصاص من أجل أن “تحيا تونس” ولكنهم لم يجنوا سوى التسويف والتهميش وغياب التنمية واستمرار المعاناة وغياب الخدمات الدنيا فلا ملاعب ولا معامل ولا نزل وحتى المجال الرياضي والشبابي مهمش و60 بالمائة من المسؤولين المعينين في كل المجالات يأتون ولا يفيدون بشيء تقريبا وهنا يتداخل الذاتي بالموضوعي فالأهالي وأبناء القصرين ومعتمدياتها مقصرون ورجال الاعمال اصيلي الولاية يتناسونها وهناك ميل من البعض لتخزين أموالهم لا استثمارها وهناك عدم قدرة في كل محكة على استثمار اللحظات التاريخية الفارقة وهناك تراخ امام الفساد والا ماذا يعني الصمت على عودة الوجوه التي رحلت بشعارات الثورة، والتي وظفت وتوظف اسم الولاية وطاقاتها وملفاتها، وتظافر ذلك مع قدرة اساطين الدولة العميقة مركزيا على استعداء الجهة لأسباب تاريخية ترتبط بثورة بن غذاهم وبالتصدي البطولي لجافل المستعمر ورفض تسليم البنادق في 55 وعمل بعض البارونات على إبقاء التهريب ركنا مركزيا في مدار الحياة الاقتصادية للولاية وتراكم التهميش السياسي على مدى العقود الماضية والذي يحس به اليوم في القصرين الصغار والكبار وهو ربما ما دفع شباباها في 1994 الى قذف المخلوع بالحجر في عز قوته وعنفوانه ولقد كانت القصرين وأحداث فريانة سنة 2008 تحديدا خطوة أولى في مراحل رحيله بل فراره بل أن اجهزته الخاصة نبهت الى ذلك يومها….

وقد حاولنا في العدد الحالي من صحيفة “السياسي” أن نُسلط الضوء على ذلك عبر تشريك مختلف الفرقاء السياسيين من مختلفي المشارب (لم يتمكن بعضهم من مدنا بقراءاته ولم يرد البعض على اتصالاتنا ربما لمشاغله وربما لحداثة تجربة الصحيفة)، وقد قسمنا ملف لثلاث قراءات سياسية (الجبهة الشعبية – حركة النهضة – التيار الديمقراطي) وقراءة رباعة تركزت على رصد صورة القصرين في الاعلام الجهوي بين 1920 و2018 كما صوحبت تلك القراءة بموجز تاريخي لبطولات أبناء الجهة ونضالاتهم التاريخية في الفترتين الحديثة والمعاصرة…

قراءة أولى : “القصرين” أو أحد انوف تونس الممرّغة في التُراب…

منجي قاسمي* (عضو في الجبهة الشعبية وقيادي في اللجنة المركزية لحزب الوطد الموحد)

       تقع ولاية القصرين في الوسط الغربي للبلاد التونسية، تمسح 8260.0 كم مربع ويبلغ عدد سكانها زهاء 500الف ساكن وهي مدينة عريقة تعود نشأتها لأربعينات القرن الماضي وهي منطقة معروفة بحركاتها الانتفاضية منذ “تاكفاريناس” في العهد الروماني الى انتفاضة 1864 بقيادة علي بن غذاهم الى علي بن عثمان 1906 الى المساهمة الفعالة في المسار الثوري بداية من ديسمبر 2010 وقد قدمت القصرين خلال احداثه أكبر عدد من الشهداء مقارنة ببقية المناطق التونسية لذلك أُطلق عليها مسمّى “عاصمة الشهداء….

* “الوضع الاقتصادي والاجتماعي:

جدلية الثروة والفقر المدقع، وتتكأ ولاية القصرين على ثروات جمّة في مجالات متعددة ورغم ذلك يطاردها شبح الفقر والتهميش حيث يمثل السكان النشطون 20.3% من مجموع السكان منهم 26.8% في القطاع الفلاحي ويتمحور النشاط السكاني اساسا في هذه الجهة حول النشاط الفلاحي والتجاري وبعض الحرف الصغري الا ان هذا القطاع يعاني صعوبات جمة نتيجة تخلي الدولة عن الاستثمار في القطاع الفلاحي التزاما بتعهداتها مع مؤسسات الاستعمار الجديد وصناديق النهب الدولي فرغم الاراضي الجيدة لا تتجاوز المناطق السقوية في كامل الولاية زهاء 24الف هك. ولعل اهمال اراضي الدولة وتركها خارج دائرة الانتاج وخلق الثروة يعد خيل دليل على تهميش هذا القطاع الاستراتيجي لفائدة قطاعات هامشية وهشّة لا تبني اقتصادا وطنيا. هذا وتزخر ولاية القصرين بإمكانيات ايكولوجية هامة (الحديقة الوطنية بالشعانبي) التي تبلغ مساحتها الجملية 7 آلاف هك وهي مصنفة عالميا وقد اثرت الظاهرة الارهابية في الحفاظ على هذا المكسب الجهوي والوطني، كما يوجد بالقصرين 25%من المخزون الاثري الوطني الا ان هذه الثروات بقيت خارج دائرة اهتمام السلط المتعاقبة واغلبها غير مدرج بالمسلك السياحي الوطني ( حيدرة / العيون تالة على سبيل الذكر ) . كما تزخر الجهة بثروات باطنية معتبرة كالفسفاط ( منطقة جدليان ) والنفط ( حقل الدولاب النفطي 230 الف برميل سنويا منذ افريل 1968) وعديد الثروات الاخرى كالرخام بتالة والحلفاء اساس تركيز معمل عجين الحلفاء والورق منذ الستينات . كما ان القطاع الحرفي يعيش ازمة نتيجة فتح باب الاقتصاد الوطني على مصراعيه امام السلع الاجنبية مما ادى الى اندثار العديد من الصناعات التقليدية التي تشكل ثروة لاماداية الى جانب دورها في التشغيل وتوفير موارد الرزق. رغم هذه الموارد الضخمة لم تغادر ولاية القصرين مربع التهميش وتعمقت التناقضات الحاصلة في صفوف سكانها فاغلب شبابها ضحية للبطالة والعطالة وطعما سائغا لأمراض الارهاب والفساد والعبث نتيجة لغياب مواطن الشغل ومحدودية امكانيات المؤسسات الثقافية….

* البدائل:

ان الخروج بولاية القصرين وغيرها من مدن الداخل التونسي يتطلب قبل كل شيء وبعده ارادة سياسية وسياسة شعبية وطنية تقطع مع المنوال الاقتصادي والتنموي الحالي القائم على الخوصصة والتفريط في القطاع العام وتراجع دور الدولة التعديلي في ان تكون قاطرة للاستثمار والتنمية وذلك بالشروع في ربط المناطق الداخلية بالشريط الساحلي بمد الجسور والطرقات والسكة الحديدية من اجل تهيئة الارضية الضرورية والتوجه نحو الاهتمام بالقطاعات الاستراتيجية ( الفلاحة والصناعة ) من اجل اعطاء قيمة مضافة للثروة الوطنية التي تعيش خارج دائرة الانتاج بالقصرين (الأراضي الخصبة / الرخام / الغابات…)، فالقصرين الاخرى ممكنة ….

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* يشغل منجي القاسمي أيضا خطة كاتب عام مساعد بالاتحاد المحلي للشغل بسبيبة وجدليان والعيون….

ـــــــــــــــــــــــــــــ

قراءة ثانية : الوضع التنموي بجهة القصرين … الواقع والأسباب والرؤية المستقبلية للتنمية

 

 العابد الحمزاوي (مشرف مكتب التنمية والاستثمار بحزب حركة النهضة بالقصرين)

ولاية القصرين في شبه عزلة عن الحركية الاقتصادية حيث أنها بعيدة عن الأقطاب الاقتصادية والاجتماعية الهامة للبلاد وهو ما أبقاها تحت وطأة الإشكالات التقليدية المطروحة….

I-الوضع التنموي بجهة القصرين: الواقع والأسباب

1- على المستوى المؤسساتي

  • تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالبلا : غياب التقيد بمعايير الشفافية وتطبيق القانون والمساءلة الإدارية والقضائية. طالت مظاهر الفساد مختلف المصالح العمومية للدولة وكل القطاعات.
    • تعقد الإجراءات وطول آجالها وغياب المصالحة بين المواطن والإدارة وضعف نوعية الخدمات المسداة رغم الإصلاحات التي تم وضعها حيز التنفيذ.
    • غياب الديمقراطية وسيادة القانون والمؤسسات وحرية التعبير في البلاد حالت دون وجود دور فاعل وشراكة حقيقية مع مختلف مكونات المجتمع المدني في صياغة وتقييم السياسات العامة.

2- على المستوى الاجتماعي

  • قطاع التربية والتعليم العالي والبحث العلمي
  • التفاوت الجهوي المسجل على مستوى الاختصاصات العلمية المتوفرة والتي لا تستجيب في عديد الأحيان لمتطلبات التنمية في الجهة لا سيما على مستوى تثمين ميزاتها التفاضلية.
  • محدودية دور الجامعة في نشر ثقافة المبادرة وبعث المؤسسات.
  • نقص على مستوى تثمين الموارد البحثية والبشرية للجامعة والذي يحول دون إحداث جيل جديد من المؤسسات القادرة على دفع نسق التنمية الجهوية.
  • عدم استجابة سياسة إحداث الأقطاب الجامعية الجديدة والأقطاب التكنولوجية لخصائص كل جهة.
  • قطاع التكوين المهني:
  • محدودية منظومة التكوين المهني وعدم قدرتها على الاستجابة للحاجيات الجهوية….
  • ضعف إقبال خريجي المراكز على بعث المشاريع (عدم مواكبة حاجيات السوق، غياب الاختصاصات الواعدة بالجهة الفلاحة البيولوجية وتكنولوجيات الجديدة…)
  • قطاع الصحة: نقص فادع على مستوى جميع الاختصاصات والمجالات الطبية والصحية وإرتفاع كلفة مصاريف العلاج.
  • قطاع الشباب والرياضة: أنشطة لا ترقى إلى مستوى التقدم العلمي والتكنولوجي المسجل في هذا الميدان، ضعف التنسيق مع المحيط الثقافي والتربوي والجامعي في مجال التنشيط الشبابي، نقص في البنية الأساسية المخصصة للرياضة وغياب كلي للاستثمار الخاص في هذا المجال….
  • قطاع المرأة والطفولة والمسنين
  • تواصل ارتفاع نسبة الأمية لدى المرأة الريفية على وارتفاع نسبة الانقطاع المدرسي لدى الفتاة الريفية….
  • ارتفاع نسبة البطالة لدى الإناث خاصة من بين حاملي الشهادات العليا
  • نقص في صيانة نوادي ومركبات الطفولة
  • غياب استراتيجية متكاملة العناصر والأبعاد لفئة المسنين.
  • المواطنين بالخارج: غياب خطة واضحة لاستقطاب مواطني الجهة بالخارج والمشاركة في العملية التنموية…
  • النقل
  • افتقار اغلب معتمديات الولاية لمحطات مخصصة للحافلات ولسيارات التاكسي واللواج والنقل الريفي.
  • اكتظاظ شبكة الطرقات واختناق الحركة المرورية بأغلب المعتمديات.
  • مرور السكك الحديدية بوسط مدينة القصرين مع ما يسببه ذلك من اختناق مروري وتعطيل للتطور العمراني.
  • تداخل مناطق الجولان لأنشطة النقل العمومي الغير المنتظم.
  • تطور غير مدروس لعدد الرخص المسندة ونقائص في كيفية إسنادها واستغلالها.
  • افتقار لوسائل النقل ببعض المناطق الريفية الوعرة….

3- على المستوى الاقتصادي

  • الفلاحة

تتمحور أهم الإشكاليات في القطاع الفلاحي حول الوضع العقاري المتشعب ومديونية الفلاحين الصغار والكلفة المرتفعة لنفقات الإنتاج. كذلك حول هشاشة شبكة المسالك الفلاحية ومحدودية تدخل الدولة في تدعيم الموارد العلفية ونقص إستغلال الأراضي الدولية وعدم توخي سياسة ناجعة وشفافة في توزيعها.

  • الصناعة والخدمات :
  • غياب دراسة حول تنافسية الجهة
  • الاستغلال العشوائي للثروات (الرخام الحلفاء…)
  • طول الإجراءات الإدارية ونقص المرونة لدى بعض الإدارات في إسناد التراخيص وتحويل صبغة الأراضي الفلاحية وغياب العديد من هياكل الدعم والمؤسسات المساندة للاستثمار الخاص جهويا وضعف تدخل هياكل الدعم والتكوين وغياب نظرة استشرافية للقطاع.
  • عدم استغلال الدراسات الاستراتيجية والفنية التي تمكن من تحديد الثروات الطبيعية والمنجمية المتوفرة بالجهة
  • محدودية الإمكانيات المادية والبشرية لهياكل دعم الاستثمار والتنمية بالجهة بالإضافة إلى تعددها وتداخل مهامها ونقص الخبرات والمؤهلات.
  • ضعف تأهيل المؤسسات الصغرى والمتوسطة.
  • الصناعات التقليدية: ركود الصناعات التقليدية نتيجة:
  • عدم توفر دراسات قطاعية معمقة حول تطوير المهن التقليدية بالجهة
  • تدني سلسلة القيمة المضافة (التزود، التصميم، الإنتاج، الترويج والتسويق)

4- على المستوى البيئي

تواضع منظومة المحافظة على البيئة (النفايات، التطهير، المصبات المراقبة، الإستغلال العشوائي للمقاطع…) بالجهة وعدم قُدرتها على التصدي بصفة جذرية لمصادر التلوث وغياب كلي للإطار المؤسساتي الجهوي في مجال البيئة.

5- إستثمار القطاع العمومي:

على مدى 23 سنة 1987-2010، استفادت ولاية القصرين بمبلغ 1521 مليون دينار من الاستثمارات العمومية. الجهة لم تتمتّع بمجهود مستمر في مجال الاستثمار العمومي يؤدي إلى تحول نوعي في الوضع الاقتصادي والاجتماعي للجهة على الرغم من إنجازاتها في بعض المجالات. حيث كانت اغلب الاستثمارات العمومية موجّهة بالأساس للمجالات التقليدية لتدخّل الدولة أي تحسين البنية الأساسية والأنشطة الاجتماعية، لكنّها لم تخلق بيئة ملائمة ومحفزة للاستثمار الخاص. وبالتالي فانه يمكن القول أنّ الجهة لم تتمتّع، على مدى العقود الماضية، باستثمارات مهيكلة” قادرة على تطوير نمط التنمية بالجهة بصفة جذرية وبالتالي لم تتمكّن الولاية من تحقيق نتائج جيدة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي…

6- استثمارات القطاع الخاص:

غياب كلي للاستثمار الخاص في كل القطاعات باستثناء القطاع الفلاحي وتباينه من معتمدية إلى أخرى.

تحصلت ولاية القصرين خلال الفترة الفاصلة بين 1992 و2010 على مبلغ 1235 مليون دينار أي 2.1% من مجموع الاستثمارات الخاصة المنجزة في البلاد. اعتبارا لهذا المبلغ، تبقى ولاية القصرين متأخرة جدّا عن معظم الولايات الساحلية التي تحتكر في الواقع الجزء الأكبر من استثمارات القطاع الخاص في البلاد (70.7%).

7- مؤشر التنمية الجهوية بالولاية: قرابة 0.16 المرتبة الأخيرة

II– الرؤية المستقبلية للتنمية

تهدف الرؤية المستقبلية الى تحقيق طموحات الجهة بإصلاح وتطوير وهيكلة الاقتصاد والبنية الأساسية ودعم الطاقة التشغيلية والتنمية البشرية والإدماج الاجتماعي وتحقيق التنمية المستدامة في ظل الحوكمة الرشيدة.

1- تطور اللامركزية وإرساء الحوكمة المحلية الرشيدة

عملا على ارساء قواعد اللامركزية وتجسيما لمبادئ الدستور في بابه السابع وجب العمل خلال الخماسية المقبلة على الرفع من منسوب القرارات و الاجراءات التي من شأنها ان ترفع من قدرات الجهة على التصرف الذاتي وإدارة شأنها في إطار من الحوكمة المحلية الرشيدة  وهو ما يتطلب التركيز على النقاط التالية:

  • إعادة هيكلة الإدارات والمؤسسات العمومية
  • تعميم تواجد الإدارات والمصالح بالولاية ودعمها بالموارد البشرية ووسائل العمل
  • وضع خطة جهوية متكاملة لإرساء منظومة لمتابعة وتقييم العمل الإداري
  • وضع نظام اتصالات ومنظومة معلوماتية للنفاذ وشفافية المعلومة والسماح لمختلف شرائح المجتمع للمساهمة في المجهود التنموي …

2- طموح الجهة:

  • تدعيم التغطية البلدية لأهم التجمعات السكنية وإحداث مجالس قروية بأهم التجمعات الصغرى مع تخصيص الاعتمادات المالية والموارد البشرية لتطوير دور وأداء الإدارة الجهوية والمحلية ومزيد تفعيل مشاركة المواطن والمجتمع المدني في المساهمة في إدارة الشأن العام.
  • تطوير البنية التحتية وإعادة هيكلة الشبكة العمرانية بالجهة ودعمها لتحسين مستوى العيش من خلال تعصير وتأهيل شبكة الطرقات بالجهة من طريق سيارة وسريعة وطرقات جهوية ومحلية وتطوير وصيانة وتعبيد شبكة المسالك الريفية كذلك تأهيل وإعادة تشغيل الخطوط الحديدية بما فيها المعطلة لاستغلالها في نقل البضائع والمسافرين.
  • العناية بقطاعات التنمية البشرية للنهوض بالمؤشرات ذات الصلة كتأهيل منظومات التربية والتعليم والتكوين المهني ودعم برامج تأهيل طالبي الشغل ورسكلتهم.
  • إحكام إدارة المدن وتطوير وظائفها الإنتاجية والخدماتية.
  • توظيف أهم الخاصيات التاريخية والثقافية والبيئية لدعم الأنشطة الاقتصادية والترفيهية بالجهة.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* والحمزاوي هو أيضا عضو بمكتب التنمية والاستثمار المركزي لحزب النهضة

ـــــــــــــــــــــــــــــ

قراءة ثالثة : أسباب غياب التّنمية والاستثمار في القصرين

 

فتحي محمدي*  (كاتب عامّ جهويّ للتيار الديمقراطي)

واقع الحال أنّ ولاية القصرين تحتلّ الرّتب الأخيرة وطنيّا في مؤشّرات التّنمية والاستثمار قبل ثورة 2011، وما بعدها، فنسبة تنفيذ المشاريع الّتي يعود جلّها إلى سنتي 2011 و2012 لم تتجاوز العشرين في المائة، نسبة البطالة بين مختلف الفئات ذات المستوى الجامعيّ وما دونه في نسق تصاعديّ، نسبة النّجاح في المناظرات الوطنيّة في التعليم هي الأسوأ منذ سنوات…

إذا أردنا تحديد أسباب واقع غياب التّنمية والاستثمار في ولاية القصرين بدقّة، لا بدّ أن نحدّد الأسباب العميقة الّتي تعود إلى حقب مرّت، وكذلك الأسباب المباشرة الّتي تتحمّل مسؤوليّتها حكومات ما بعد الثّورة.

أمّا عن الأسباب العميقة: فيمكن إيجازها في كون ولاية القصرين تصنّف تاريخيّا ضمن المناطق الثّائرة على مركز الحكم على مرّ العصور و خاصّة في عهد البايات و فترة الاستعمار، وفي الحكم البورقيبي وكذلك في حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، فقد اعتبرت حاضنة للقبائل الثّائرة حينا (ثورة علي غذاهم ) أو  مخزونا للمقاومين و المعارضين (اليوسفيين، الإسلاميين) في فترتي الاستعمار وما بعده أحيانا أخرى.

وأمّا الأسباب المباشرة، والّتي تعود مسؤوليّتها إلى فترة ما بعد ثورة 2011 بمختلف حكوماتها فهي:

1 ـ السّياسة الإعلاميّة المعادية لجهة القصرين: فجلّ وسائل الإعلام الحكوميّة و الخاصّة تصرّ على تحويل القصرين من عاصمة للثّورة إلى عاصمة للإرهاب  رغم أنّ الأغلبيّة من الإرهابيين المقتولين أو المقبوض عليهم لا ينحدرون من القصرين، ورغم الفشل الذّريع لمنظومة الإرهاب في اختراق “مجتمع” القصرين أمنيّا و فكريّا و “لوجستيكيّا”.. هذه السّياسة الإعلاميّة التّشويهيّة الممنهجة من قبل بارونات الإعلام الفاسد جعلت فرص الاستثمار في القصرين ضعيفة جدّا وخاصّة من قبل الخواصّ.

2 ـ غياب إرادة فعليّة للتّنمية من قبل الدّولة /الحكومات: أضعف نسبة في تنفيذ المشاريع التّنمويّة الّتي رصدت ميزانيّتها لم تتجاوز نسبة العشرين في المائة رغم مرور ثمان سنوات على ثورة 2011.

3 ـ إدارات جهويّة فاشلة /فاسدة: مركز ولاية القصرين، مختلف الإدارات الجهويّة لم يتغيّر جلّ طقم مسؤوليها حتّى بعد الثّورة، وهي غير قادرة على اقتراح أو تنفيذ أو مراقبة المشاريع التّنمويّة نادرة العدد أصلا لتفشّي المحسوبيّة والفساد، فتنفيذ تهيئة شارع الدّولاب وسط القصرين مثلا برمجت لثمانية أشهر، ومرّت الآن سنوات ولم تستكمل تهيئته.

4 ـ اقتصاد مواز يرفض الاستثمار في القصرين: يسيطر الاقتصاد الموازي القائم على التهريب على مفاصل الاقتصاد في جهة القصرين، ويستفيد منه بضعة أشخاص يستثمرون أموالهم في شراء العقارات خارج القصرين لتبييضها….

5 ـ سوء إدارة ملفّ التّشغيل: ملفّ التّشغيل تحت سيطرة المحسوبيّة والزّبونيّة السّياسيّة، فملفّ التّشغيل يحتكره أحد نوّاب نداء تونس بتزكية من حكومة الشّاهد،  و في المقابل تغيب أيّ برمجة واضحة لتشغيل آلاف المعطّلين عن العمل…

6 ـ التّغاضي عن أسس التّنمية في القصرين: كلّ الحكومات تغاضت عن الاستثمار في القطاعات المشغّلة في القصرين: فالقطاع الفلاحيّ مغيّب في الرّؤية التنمويّة رغم أنّ القصرين فيها أكبر قاعدة مائيّة و تتضمّن أراضي خصبة مناسبة خاصّة لزراعة التّفاح و الفستق و الكروم، وقطاع المناجم و الطّاقة يدار في ظلّ انعدام الشّفافيّة كلّيّا ،فأبار النّفط مجهولة الإنتاج رغم تعدّدها، و مناجم الفسفاط  (جدليان)

والاسمنت (فوسانة، تالة، فريانة) يرفض استغلالها لأسباب غير معلومة. أمّا مقاطع الرّخام في تالة وفوسانة رغم جودتها العالية فيسيطر عليها المتنفّذون ماليا وسياسيا ولا تُساهم في أي جهد تنمويّ….

      خــلاصــة: الاستثمار والتنمية في القصرين يجب أن يستند إلى سياسة واضحة من قبل الدّولة يستبعد فيها الفساد والمحسوبيّة وتراعى فيها الثّروات الطّبيعيّة والبشريّة التّي يجب أن تستثمر بالعدل والنّزاهة.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* أستاذ أوّل مميّز، عضو مجلس بلدي لبلديّة النّور، باحث دكتورا في الحضارة كلّيّة الآداب سوسة

ـــــــــــــــــــــــــــــ

قراءة رابعة : الاعلام الجهوي في ولاية القصرين وتعاطيه مع مشاغل المواطنين وقضايا التنمية (1920-2018)

 

 بقلم لطفي الهرماسي (اعلامي تونسي)

كيف تعاطت مختلف وسائل الإعلام ومراسليها في ولاية القصرين ودورها النضالي في مختلف مراحل التاريخ المعاصر ومشاغل أهلها ومطالبهم التنموية؟ وماهي الصورة التي ساهمت وسائل الإعلام في ترسيخها عنها؟ وإلى أي حد كانت أمينة في نقل صورة حقيقية عما يخالج أبناءها من شواغل ومواقف ومطالب؟ وقبل ذلك كله وبعده كيف ساهمت بعض اللوبيات في رسم صورة سلبية عن الجهة، وأعاقت الإعلاميين عن أداء دورهم ف الإبلاغ عن المشاغل الحقيقية للجهة؟

للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، أعتقد أنه من الضروري التذكير بأهم الفاعلين الإعلاميين في جهة القصرين وضوابط عملهم ظروفه وطبيعة المراحل التي اشتغلوا خلالها وكيف كان أداؤهم خلالها، ولا أدعي في هذا المجال أن ما سيرد في هذه عمل تأريخي، توثيقي، يستند إلى مراجع ومصادر ووثائق تاريخية صامتة او مكتوبة، وإنما هي محاولة متواضعة لرصد أهم الفترات التي مر بها الإعلام الجهوي بجهة القصرين، وأبرز رموزه، وملامحه، والحدود التي اشتغل ضمنها…. وتحتاج المعطيات التي سترد لاحقا إلى عمل بحثي يُغنيها أو يُعدلها من خلال شهادات من بقوا على قيد الحياة ممن اشتغلوا به، وإلى وثائق مكتوبة لاريب أن خزينة المكتبة الوطنية تعج بها وإلى تسجيلات تستقر بخزينة مؤسستي الإذاعة والتلفزة الوطنيتين، ويُعد المرحوم “عبد الحميد حمادي” أصيل ولاية قابس والموظف بلجنة التنسيق الحزبي أول مراسل جهوي بالقصرين للإذاعة التونسية وجريدة العمل انطلاقا من سنة 1962 إلى سنة 1970، وفي سنة 1970، وعلى إثر تقاعد السيد عبد الحميد حمادي خلفه السيد الصحبي البكاري الذي ظل مراسلا جهويا لعدد من المؤسسات الإعلامية إلى حدود سنة بلوغه هو الآخر سن التقاعد سنة  2008…

وقد أكد لنا الصحبي البكاري الذي استجاب مشكورا لطلبنا الاستعانة بذاكرته لرسم ملامح تاريخ المشهد الإعلامي الجهوي بالقصرين، أن المراسل الجهوي تختاره و ترشحه السلطة الجهوية ممثلة في لجنة التنسيق الحزبي والولاية على أساس الانتماء والولاء والإخلاص للحزب، ومن أبجديات العمل الصحفي للمراسل الجهوي ان يكون ملاصقا لمؤسسات السلطة (أي أن يكون موظفا بالولاية أو بلجنة التنسيق وناشطا بالحزب الاشتراكي الدستوري)، التي توفر له المعلومة، وتُيسر متابعته للأحداث من خلال مرافقة الوالي والكاتب العام في زيارتهما واجتماعاتهما، ومواكبة الزيارات والاجتماعات الوزارية بالجهة، ولا يختص المراسل الجهوي في تلك الفترة بمجال دون غيره، إذ يعنى بالشأن السياسي والثقافي والرياضي والحزبي والجهوي والمحلي كما أنه يشتغل لحساب كل المؤسسات الإعلامية الموجودة آنذاك في الآن نفسه ( الإذاعة / وكالة تونس إفريقيا للأنباء / جريدة العمل)، وفي وقت لاحق لحساب التلفزة التونسية، ويخضع المراسل الجهوي الذي لا يكون عادة قد تلقى أي تكوين في مجال العمل الصحفي لدورات تكوينية تؤمنها عادة الوكالة الإفريقية لتكوين الصحفيين والاتصاليين، وإلى تربصات يشرف عليها أساتذة من معهد الصحافة وعلوم الإخبار تختتم جميعها بشهائد مشاركة ويدوم بعضها شهرا كاملا، يتقاضى المراسل الجهوي منحة شهرية ضعيفة للغاية، ويعمل وفق توجيهات المنظومة، ولا يتعاطى بتاتا مع قضايا التنمية، بل يكتفي بتثمين المنجز، ولا يخوض بفعل التوجيهات و الرقابة الذاتية في النقائص الفادحة والاحتياجات التي تشكو منها الجهة، ومع توسع دائرة بث إذاعة صفاقس (التي أسست سنة 1961) وبعث إذاعة المنستير (سبتمبر 1977) انضافت إلى المراسل الجهوي فضاءات أخرى للعمل بالإضافة إلى سابقاتها، كما شهدت أواخر سبعينيات القرن الماضي انطلاق المربي الفاضل السيد العابد الحمزاوي في تجربة حرة تتمثل في نشر مقالات وأعمدة ناقدة وساخرة تتعلق بأوضاع الجهة ومواطنيها ومؤسساتها وإداراتها على أعمدة صحيفة الصباح سرعان ما تجندت لنقدها والرد عليها بأسلوب غير مباشر وفي نفس الصحيفة السيدة منوبية الغضباني التي تم تعيينها لاحقا كمعتمدة بعدة معتمديات رغم أن كليهما ينتمي إلى الحزب الدستوري الحاكم، و في بداية الثمانينات تم إسناد التعليق على المقابلات الرياضية إلى السيد مسيعيد القرمازي الذي يعمل هو الآخر موظفا بلجنة التنسيق الحزبي . ويذكر السيد الصحبي البكاري انه وعلى إثر انقلاب 7 نوفمبر الذي رافقته فترة انفتاح قصيرة صدرت تعليمات للمراسلين الجهويين بالتعاطي مع الوضع التنموي للجهات بغاية إبراز النقائص التنموية بالجهات في مسعى ضمني لمحاكمة فترة الرئيس الراحل بورقيبة في ضمائر المواطنين وتحميلها مسؤولية تردي الأوضاع التنموية بالبلاد وخاصة في المناطق الداخلية، وسرعان ما وردت تعليمات لتلميع إنجازات السابع من نوفمبر وتثمين الزيارات الفجئية ومشاريع التنمية التي أقرها الرئيس بن علي حتى وإنجازات الصندوق الوطني للتضامن 26- 26 وإن كانت في جلها حبرا على ورق، وفي 7 نوفمبر 1991، ومع الإعلان عن بعث إذاعتين جهويتين بكل من بقفصة والكاف، أبدى مواطنو الجهة امتعاضا مكتوما لاستثنائها من هذا الإجراء سرعان ما تم تجاهله خاصة أمام عدم طرحه وعدم تبنيه من قبل السلطة الجهوية . وانطلاقا من سنة 1992 وإلى حدود قيام الثورة ظلت التقارير الإعلامية التلفزية تنجز من قبل المراسل الجهوي تحت إشراف وحدة الإنتاج التلفزي بقفصة، بعد أن كانت ومنذ السبعينات تنجز بمرافقة فريق تصوير من العاصمة، ثم وفي فترة لاحقة من وحدة الانتاج التلفزي بصفاقس…

إثر إحالة السيد الصحبي البكاري على شرف المهنة، و خلال سنتي 2009 و2010 أمّن السيد الناصر الرحموني ( وحدة الانتاج التلفزي بقفصة ) المراسلات التلفزية الجهوية للقصرين في حين خلفته السيدة لطيفة مدوخي كمراسلة لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، ومن خلال كل ما ذكرنا آنفا يتبين أن الوالي ولجنة تنسيق الحزب والتجمع كانا على امتداد فترتي حكم بورقيبة وبن علي يختاران المراسلين الجهويين وفق الولاء للحزب الحاكم لضمان عدم الخروج عن سياسة الحكومة، والاكتفاء بتغطية اجتماعات الوالي والكاتب العام للجنة التنسيق الحزبي وزيارات الوزراء ، ولم يكن من الوارد الحديث عن مشاغل المواطنين، ولا عن نقل صور عن التحركات الاحتجاجية التي رافقت أحدث جانفي 1978 او أحداث الخبز ولا غيرها . في كلمة كانت صورة القصرين على امتداد حقبتي بورقيبة وبن علي في وسائل الإعلام منطقة هادئة تستجيب فيها مشاريع التنمية لكل مطامح أبناء الجهة بينما كانت مرتعا لفساد منظومة جعلتها تقبع إلى حد الآن في آخر المراتب تنمويا واقتصاديا واجتماعيا وعمرانيا….

أثناء أحداث الثورة لم يرتق الإعلام الجهوي بالقصرين إلى تطلعات أبناء الجهة في الانعتاق من منظومة الاستبداد والفساد والمطالبة بالتنمية والتشغيل، ولم ينقل الأحداث الدموية التي شهدتها كل من القصرين وتالة خاصة أيام 8 و9 و10 جانفي 2011 والتي أدت إلى استشهاد أكثر من 20 شهيدا وجرح المئات من الشباب، بل انخرط في ترذيل الاحتجاجات والمظاهرات التي كانت تعم الجهة دون توقف، بل ووصف الشباب الثائر بالجهة باللصوص وقطاع الطرق والملثمين وعصابات المفسدين، وبالمقابل عول عدد هام من الشباب على وسائل التواصل الاجتماعي لإيصال صور المواجهات و المذابح التي ارتكبت في حق شباب الجهة ( نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر موقع “جو قصارنية”)، وقد نقلت قنوات مثل الجزيرة وFrance 24 صورا نشرها الشباب الثائر في كل من القصرين وتالة وفريانة قبل أن تصل إلى قنوات تلفزية من عدد كبير من دول العالم، وظلت الجهة قبلة لهذه الوسائل مدة طويلة لتغطية قوافل القادمين من كافة أنحاء البلاد لتثمين دورها في الثورة، وشهدت تلك الفترة أيضا بعث عدد من الإذاعات الإلكترونية بكل من تالة والقصرين تحول بعضها فيما بعد إلى إذاعات تبث على موجة ال أف ام مرخص لها من الهايكا (“الشعانبي أف أم”، وKfm و”هنا القصرين”)، ولقد وفرت الثورة التونسية فضاء رحبا وأجواء من الحرية يسّرت لوسائل الإعلام القيام بدور هام في ترسيخ الحريات ونقل الأحداث وصناعة الرأي العام، كما شهد المشهد الإعلامي قفزة نوعية بفضل ظهور عدد كبير من القنوات التلفزية والإذاعية والصحف الورقية والإلكترونية، ولم تكن القصرين بمعزل عن هذه الثورة الإعلامية، وتمكن جيل جديد من الشباب من الالتحاق تباعا بمؤسسات إعلامية مختلفة لنقل مشاغل الجهة وأحداثها واستحقاقاتها، ففي مطلع سنة 2012 تم إقرار بعث وحدة تلفزية بالقصرين وفي 17 فيفري 2012 أحدثت إذاعة قفصة مكتبا لها بالقصرين كما شهدت صائفة 2012 ، تحققت بتأسيس إذاعة “الشعانبي أف أم” نقلة نوعية في الإعلام الجهوي بالقصرين، وتمكنت تلك الإذاعة الفتية من استيعاب عدد من الشباب من المجازين من معهد الصحافة وعلوم الاخبار ومن اختصاصات أخرى، ونجحوا في رسم ملامح مؤسسة إعلامية فتية تشتغل برؤية إعلام القرب وتشتغل على عناصر الوجدان والهوية والخصوصيات الجهوية، منحازة في خطها التحريري إلى نبض الشارع القصريني ومطالبه خاصة في مجالي التنمية والتشغيل، ونجحت في بلوغ نسبة استماع هامة في الجهة ومحترمة في منطقة الوسط الغربي وبلغت ذبذباتها مدينة تبسة الجزائرية وباتت محل اهتمام الجميع في القصرين .. كما شهدت سنتا 2014 و2015 الترخيص لإذاعتين جمعياتين بالقصرين هما إذاعة “القصرين أف أم” و”هنا القصرين”، ولئن كانت الإذاعتان تتلمسان خطواتهما الأولى، فإنهما استقطبتا شريحة هامة من أبناء الجهة بانحيازهما لمطالبها التنموية، وإتاحتهما الفرصة لمتساكني الجهة بمختلف مدنها وقراها للتعبير عن مشاغلهم واحتياجاتهم، فضلا عن البرامج الاجتماعية والثقافية والحوارية التي تساهم في التثقيف والتوعية، على ان هذا التنوع لا يحجب تعاطيا غير متوازن مع مشاغل أبناء الجهة من قبل جل المؤسسات الإعلامية المكتوبة والمسموعة والمرئية التي تحرص على ترسيخ صورة للجهة على أنها بؤرة توتر وساحة حرب على الإرهاب وذلك بمحاولة التركيز فقط على الأحداث الإرهابية والتهريب والجريمة المنظّمة والاحتجاجات وحرق العجلات المطاطية مما أثر على حظوظها في التنمية والاستثمار، ويسر لنا جل الزملاء الإعلاميين بأن مؤسساتهم لا تبالي ولا تغطي في أغلب الأحيان ما يحدث في الجهة من حراك ثقافي متميز ولا بتقدم بعض مشاريع التنمية فيها ( وان كان ذلك يحدث ببطء شديد ) بينما تتلقف بسرعة أنباء الانفجارات والمواجهات والحوادث الكبرى، كما أن جل الإعلاميين على اختلاف مؤسساتهم لم يتحوّزوا بعد على ما يكفي من جرأة للتعاطي مع بعض المواضيع الحارقة على غرار بعض ملفات الفساد في عديد الإدارات، وملفات جرحى الثورة وشهدائها التي شهدت تلاعبا كبيرا، بالإضافة إلى ملفات أخرى كملف التشغيل خارج الأطر القانونية والذي تشرف عليه شخصيات عامة معلومة بالجهة وملفات الأخطاء الطبية والوضع الكارثي للمستشفى الجهوي بالقصرين وملفات المشاريع المعطلة والمتسببين الحقيقيين في تعطيلها، وملف إسناد رخص النقل المحفوف بشبهات الفساد…

 

القصرين من خلال بُطولات ونضالات أبنائها عبر محطات التاريخ الحديث والمعاصر

 سليوم، القصرين، الأرض الحرشاء، مدينة النسيان والدهشة، محرار الحراك الثوري والاجتماعي، كُلها تسميات، ومرادفات لجهة واحدة وقد عرّف “قاموس تونس المصور” الاستعماري الصادر باللغة الفرنسية سنة 1912 سُكانها بأنهم “قبيلة مشاغبة جدّا” ( * )، وهي منطقة عرف سكانها منذ فجر التاريخ برفضهم للضيم، ووقوفهم ضد ظلم وجبروت الملوك، ودفاعهم المستميت على موطنهم ضد كل القوى الغازية…، ينحدر سكانها الأصليون من أصول بربرية، قاوموا الرّومنة ( الاحتلال الروماني ) ببسالة إثر تدمير قرطاج سنة 146 ق م، ووقفوا ضد الوجود الإسباني والعثماني، آما في الفترة المعاصرة فقد اطلقوا شرارة ملحمة انتفاضة علي بن غذاهم المساهلي (سنة 1864 ) على مضاعفة ضريبة المجبى، وساهموا في مقاومة دخول الاستعمار الفرنسي سنة 1881 بقيادة الحاج حراث بن محمد الذي شارك في ميعاد سبيطلة ( 19 أوت 1881 ) الذي اتحدت فيه كلمة أبناء الجهة على التصدي للغزاة وخاضوا أول معركة كبرى لهم ضد الفرنسيين في حيدرة ( 17 أكتوبر 1881 ) وشاركوا في معركة الروحية ( 23 أكتوبر 1881 ) . كما شهدت الجهة أول انتفاضة ضد الاستعمار الفرنسي اصطلح المؤرخون على تسميتها بانتفاضة الفراشيش أو انتفاضة الفلاحين وذلك سنة 1906 . أما في سنة 1946 فقد مثلت الجهة واجهة الرفض الأولى للإصلاحات التي عرضها المقيم العام ” الجنرال ماسط ” وذلك بأن أفشلوا الاجتماع الذي انعقد في قرية بلهيجات سنة 1946 ورفعوا شعار ” تحيا تونس”

علي بن غذاهم

 كما يذكر المؤرخون مآثر أبطال الجهة الذين خاضوا ما يزيد عن 34 معركة إبّان معارك التحرير الوطني من أشهرها معارك جبال فراغة، والفحيص، وجبل الخروب، وعين طريف بسمامة ، وواقعة الشعانبي 1954 ومعركة الناظور بماجل بلعباس واستبسلوا خلال هذه المعارك واستشهد منهم العشرات، أما في فترة ما بعد الاستقلال فقد تم التنكيل بعدد كبير من مناضلي الجهة بسبب انحيازهم للأمانة العامة بقيادة الشهيد صالح بن يوسف، وعوقبت الجهة جراء ذلك بالحرمان مما حظي به غيرها من مشاريع تنموية ومشاركة في فاعلة في دوائر القرار،  وخلال انتفاضة الخبز (جانفي 1984) كانت مشاركة أبناء الجهة في الاحتجاجات فارقة و استشهد خلالها العشرات من أبنائها، كما كان لأحرار القصرين شرف إلقاء الحجارة على المخلوع بن علي أثناء زيارته للجهة سنة 1994 . وتزامنا مع أحداث الحوض المنجمي شهدت فريانة سنة 2008 عصيانا مدنيا مظاهرات وإغلاقا للطرقات وقد تم التنكيل بشبابها وكهولها والزج بالعشرات منهم في غياهب السجون وتسليط أحكام قاسية عليهم، أما بالنسبة لأحداث الثورة، فقد عاشت الجهة ملحمة تاريخية فارقة، أيام 8 و 9 و 10 جانفي 2011 استشهد خلالها 21 شهيدا في كل من تالة والقصرين أصغرهم الشهيدة يقين القرمازي (8 اشهر)، وأكبرهم الشهيد احمد الجباري (58 سنة ) وجرح خلالها وفق الإحصائيات الرسمية 1284 جريحا ورفعت خلالها الشعارات المركزية للثورة…

الهرماسي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اصدارات حول القصرين : جدلية العلاقة بين المحلي والمركزي: قراءة في أحداث القصرين وتالة

سهام بن مبارك

يتنزل الكتاب في ما يسمى بالتاريخ الحيني في علم التاريخ وهو محاولة توثيق لأهم حدث سياسي شهدته البلاد التونسية في الفترة الممتدة بين 17 ديسمبر 2010 تاريخ اندلاع الثورة التونسية و 14 جانفي 2011 تاريخ هروب الرئيس زين العابدين بن علي ، وهو عصارة جهد شخصي من خلال شهادة حية عن ما حصل في مدينتي القصرين و تالة من أحداث غيرت الواجهة السياسية للعديد من دول الربيع العربي على غرار مصر و ليبيا و اليمن ، هاتين المدينتين التان تقعا في الوسط الغربي للبلاد التونسية المهمش و اللتان لعبتا عبر التاريخ دورا كبيرا في عمليات الرفض التي يبديانها و احتوائهما على أهم زعامات الرفض الاجتماعي على غرار علي بن غذاهم قائد ثورة 1864 و عمر بن عثمان زعيم ثورة الفراشيش سنة 1906 و أحمد الرحموني وغيرهم. كما يعبر الكتاب عن علاقة التصادم بين المحلي والمركزي….

نقطة استفهام : هل فعلا سنجز الخط الحديدي بين القصرين والعاصمة؟

أبو ريان

تقرر منذ  2 مارس الماضي إثر جلسة عمل حول قطاع النقل بولاية القصرين جمعت وزير النقل رضوان عيارة بوالي القصرين سمير بوقديدة، وبعدد من أعضاء مجلس نواب الشعب بمقر الوزارة، إنجاز الخط الحديدي الرابط بين القصرين وتونس عبر القلعة الخضراء، وإنجاز الخط الحديدي الرابط بين القصرين وسوسة عبر القيروان ، وإضافة خطين للشركة الوطنية للنقل بين المدن إلى كل من ماجل بلعباس وفوسانة عبر العيون،  كما تقرر يومها تهيئة المعبر الحدودي بحيدرة وإنجاز الخط الحديدي الرابط بين سراورتان سبيطلة مرورا بجدليان وسبيبة، وتكوين لجنة فنية للنظر في إمكانية تحويل السكة خارج مدينة القصرين. إضافة إلى تحويل مركز الفحص الفني بالقصرين إلى المنطقة الصناعية وانجاز مركز إمتحانات رخص السياقة بسبيطلة ومركز فحص فني بتالة، وبناء إدارة جهوية للنقل بالقصرين. إضافة إلى هيكلة ورشة الشركة الجهوية للنقل وبناء مقر إداري لها، وإضافة خط جديد للشركة الجهوية يربط بين القصرين ونابل عبر القيروان.

فهل فعلا سيرى هذا المشروع النور ويمر للتنفيذ بعيدا عن بيروقراطية الادارة  التونسية، وهل سترى القصرين تفعيل مشروع من بين مشاريع عديدة وقع قبرها وبقيت ملفات في الرفوف؟

 

 

المصدر:السياسي___ العدد 04 بتاريخ 15 سبتمبر/ أيلول 2018

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق