ملفات

في ظل تنامي الصراعات في المناطق الثلاث : ليبيا وسط تدافع المسارات والمشاريع العسكرية والدستورية والسياسية

 تمهيد

تطورت الأحداث في ليبيا خلال الأسبوع الماضي من حيث تنامي الصراعات في المنطقتين الشرقية (محاولات حفتر عسكرة قيادات القبائل) والغربية (صراع الكتائب والمليشيات في جنوب العاصمة) وتجدد التجاذب بل والاقتتال في بعض مدن الجنوب الليبي، في حين تهاوت الحلول السياسية ووصل الاستفتاء على الدستور الى مسار شبه مسدود…

وقد اخترنا في صحيفة “رؤية ليبية” بعد راحة بأسبوعين بمناسبة عيد الأضحى المبارك أن نُقدم للقارئ قراءات متعددة ورؤى مختلفة لما يحدث في ليبيا في إطار ما سميناه تواصل تدافع المسارات والمشاريع العسكرية والدستورية والسياسية….

رؤية أولى :  هل ينجح المسار الدستوري في ليبيا؟

جمعة القماطي (رئيس حزب التغيير الليبي)

            هناك ثلاثة مسارات أو مشاريع رئيسية تتصارع وتتدافع في ما بينها داخل المشهد الليبي في ليبيا اليوم، ويمكن حصرها في مسارات عسكرية وسياسية ودستورية لكل منها مؤيدوها محليا وإقليميا ودوليا.

المسار العسكري يتمثل في محاولات خليفة حفتر تحقيق طموحه في بسط سيطرته العسكرية على كل ليبيا، وخاصة غرب ليبيا، حيث العاصمة طرابلس التي لا يستطيع أي طرف حكم ليبيا بدون السيطرة عليها. غير أن فرص حفتر في تحقيق مشروعه العسكري أصبحت ضئيلة جدا، رغم فرض سيطرته العسكرية بالكامل على الشرق الليبي، وتمركز بعض المجموعات العسكرية الموالية له في الجنوب والوسط. فتستحيل اليوم سيطرة حفتر عسكريا على الغرب الليبي، حيث توجد أكبر كثافة سكانية تمثل 75 في المئة من سكان ليبيا، وتتواجد قوى عسكرية كبيرة حاضنة وداعمة لثورة فبراير ورافضة لمشروع حفتر، وحيث تتواجد في العاصمة طرابلس حكومة الوفاق الوطني الشرعية المعترف بها دوليا. وأصبح كل ما يملكه حفتر والقوى الخارجية الداعمة له الآن هو استخدام السيطرة العسكرية على شرق ليبيا كورقة ضاغطة لتحقيق مكاسب سياسية.

المسار السياسي، خاصة بعد فشل تعديل الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات في كانون الأول/ ديسمبر 2015، أصبح يتمثل في ضرورة الإسراع نحو إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية قبل نهاية هذا العام، وهو المشروع الذي تتبناه فرنسا ومن ورائها مصر والإمارات، ويستند على بيان اجتماع باريس حول ليبيا في 29 أيار/ مايو الماضي، والذي دعا إلى انتخابات رئاسية في ليبيا في شهر كانون الأول/ ديسمبر 2018.

غير أن المشروع الفرنسي للذهاب الى انتخابات رئاسية سريعة يواجه رفضا دوليا من إيطاليا، ومن ورائها أمريكا وبريطانيا. وترى إيطاليا أن إجراء أي انتخابات قادمة في ليبيا يجب أن يسبقه اتمام مصالحة وطنية شاملة، خاصة وأن الليبيين خاضوا تجربة الانتخابات من قبل في عامي 2012 و2014، دون أن يخرج ذلك ليبيا من حالة الانقسام والصراع.

وتواجه خطة فرنسا رفضا واسعا محليا كذلك، خاصة من قبل التيارات السياسية المناهضة لحفتر، فتبدي هذه التيارات تخوفا من أن أية انتخابات رئاسية قبل الوصول إلى دستور دائم للبلاد قد تأتي برئيس يقوم بالاستحواذ على كل السلطات، والانقلاب على المسار الديمقراطي، فيعود بليبيا الى الدكتاتورية والحكم الفردي الشمولي من جديد. وهناك شكوك كذلك في أن الهدف الحقيقي من وراء إصرار فرنسا وحلفائها على فرض انتخابات رئاسية سريعة هو المراهنة على إيصال حليف رئيسي لهم في ليبيا (سواء كان حفتر أو شخصية أخرى مدنية) إلى سدة الحكم، لكي يخدم بالأساس مصالح هذه الدول في ليبيا.

المسار الدستوري المتمثل في مطلب الدستور أولا يعتبر هو الأقوى، حيث تدعمه وتطالب به الغالبية من أبناء الشعب الليبي، خاصة أن ليبيا لم تعرف وجود شرعية دستورية ودستورا حاكما لها منذ عام 1969، عندما ألغى القذافي، بعد استيلائه على السلطة في انقلاب عسكري، دستور الاستقلال الذي وُضع عام 1951. كما ينطلق داعمو المسار الدستوري من أن أهم أهداف ثورة فبراير 2011 هو بناء دولة دستورية من جديد.

ويرى الداعمون للمسار الدستوري أن خروج ليبيا من أزمة صراع الشرعيات المختلفة، ومنها شرعيات سياسية وجهوية وعرقية وأيديولوجية؛ لا يكون الا بالتوافق على عقد اجتماعي في شكل دستور دائم جديد يؤسس لشرعية واحدة قوية منبثقة من الشعب وتضمن وحدة البلاد. وسيحدد هذا الدستور إطار ومعالم النظام السياسي الجديد لليبيا، كما يحدد كذلك سلطات وصلاحيات المؤسسات السياسية المختلفة، وصلاحيات رئيس الدولة الذي لا يجب أن يتولى الرئاسة لأكثر من فترتين متتاليتين.

ويطالب تيار الدستور أولا؛ مجلس النواب في طبرق بضرورة الوفاء بواجبه في إصدار قانون الاستفتاء على مشروع الدستور الذي أنجزته هيئة صياغة مشروع الدستور، أو “لجنة الستين” المنتخبة مباشرة من الشعب الليبي عام 2014، وهو المشروع الذي تم التصويت عليه من قبل هذه الهيئة بالنصاب القانوني المطلوب في صيف 2017 ويتطلب موافقة ثلثي المشاركين في استفتاء عام مباشر عليه من قبل الشعب.

غير أن الانقسامات السياسية وبعض التدخلات الخارجية، وخاصة العربية منها، أصبحت تعمل لعرقلة إصدار هذا القانون. ولجأت قلة من أعضاء البرلمان الرافضين لمسودة الدستور أصلا؛ مؤخرا الى عرقلة قانون الاستفتاء، من خلال إقحام البرلمان في جدل دستوري، ومحاولة تفخيخ مسودة قانون الاستفتاء بمواد قد تقود إلى وأد مشروع الدستور المنجز برمته.

ووصلت محاولات عرقلة إصدار قانون الاستفتاء إلى تهديد أعضاء البرلمان الداعمين للمسار الدستوري بمنعهم من دخول قبة البرلمان في طبرق. وهدد رئيس مجلس النواب عقيلة صالح كذلك، في جلسة الاثنين 27 آب/ أغسطس، بأنه ما لم يلتئم النصاب القانوني للبرلمان في جلسة الأسبوع القادم، فإنه سيدفع باتجاه تجاهل خيار الدستور أولا والذهاب مباشرة إلى انتخابات رئاسية في ليبيا. ويعتبر تصريح عقيلة هذا تجاوزا خطيرا لدور هيئة صياغة الدستور المنتخبة مباشرة من الشعب ومصادرة لإرادة الشعب الليبي.

فرص نجاح المسار الدستوري في أن يذهب الليبيون إلى استفتاء على مشروع الدستور وإقراره أولا؛ ستعتمد بالأساس على قدرة الداعمين لهذا المسار محليا ودوليا على إفشال مناورات المعرقلين، وتعتمد كذلك على قوة الإرادة الدولية في فرض ترتيب منطقي للخطوات القادمة المطلوبة لإنهاء الصراع واستقرار الأوضاع في ليبيا.

هذه الخطوات يفترض أن تبدأ بإقرار الدستور الدائم أولا، مرفودا بتحقيق مصالحة وطنية شاملة، على أن يتزامن ذلك مع المصالحة الوطنية وتوحيد المؤسسات السيادية، وخاصة العسكرية والاقتصادية. ومن الخطوات الهامة أيضا، العمل على تحسين الأوضاع المعيشية والأمنية للمواطن، خاصة في ظل شح السيولة النقدية وارتفاع الأسعار والاندلاع المتكرر للعنف، كما شهدت العاصمة طرابلس في الأيام الماضية. ويمكن أن تأتي بعدها الانتخابات كاستحقاق نهائي وتتويج لتوافق الليبيين على عقدهم الاجتماعي الجامع والدستور الجديد، وانتهاء للمرحلة الانتقالية بولوج مرحلة دائمة واعدة من الأمن والاستقرار والتنمية والتقدم…

رؤية ثانية:  الصراع المسلح في طرابلس من زاويةٍ أخرى 

صقر الجيباني/ محلل مالي ليبي

               بعيداً عن الأسماء والشخصيات، والقادة والرموز، والأجندة والإيديولوجيات، والتدخلات الإقليمية والدولية فإن الصراع الدامي في العاصمة طرابلس ليس صراع سلطة ونفوذ ومال فقط بين بارونات المال والاعتمادات، أو صراع بين فبراير وسبتمبر، إنما هو صراع بين شباب ليبي من الفئة العمرية تحت سن 25 سنة وجدوا أنفسهم مُجنّدين في مليشيات مسلحة تتبع بالاسم الجهات الرسمية ولكن فعلها يشهد تبعيتها لأمراء ثكناتها العسكرية ….

وهذه الفئة كما هو معروف تمتلك القوة البدنية والحماس الزائد والمندفع، وتنقصها التجربة والخبرة، وبالتالي من السهل توجيهها وقيادتها من قبل قادة مليشيات وأمراء حرب لهم مصلحة في بقاء الوضع على ما هو عليه .

الفئة العمرية التي نتحدث عنها وجدت نفسها في حالة بطالة إجباريّة أو مقنّعة ويئست من الأجسام صاحبة القرار الجاثمة على سدة الحكم (الرئاسي – البرلمان -المصرفين المركزيين) من أن تضع حلاً للوضع المالي والاقتصادي المتردي والذي انعكس على تدهور مستوى المعيشة وأهدر الكرامة، وبالتالي لم يكن أمامها إلا خياران اثنان :

-إما الهجرة إلى أوربا عبر البحر للبحث عن فرصة أفضل للحياة توفر لها العيش الكريم خاصة وأنهم في مقتبل العُمر ، فأرض الله واسعة والوطن حيث كرامتك وليس حكراً على مسقط الرأس وملاعب الصِّبا .

– وإما البقاء في ليبيا والانخراط في إحدى التشكيلات المسلحة للحصول على المال لتوفير مستلزمات المعيشة مُطَمْئِنَاً نفسه بأنه خرج ممتشقاً سلاحه من أجل الوطن !! ولا أعرف أي نوع هذا من الانتماء للوطن يجعلك تخرج عليه بـ”خشم البندقية ” لتقتل وتحرق وتروّع المدنيين في بيوتهم وتفرّقهم بين نازح ومُهجّر !!

البطالة قنبلة موقوتة مرشحة للانفجار في أي لحظة لا سيما بطالة الشباب الذين سُدّت في وُجوههم أبواب الاسترزاق الحلال وفرص العيش الكريم بعد توقف عجلة التنمية في ليبيا وتكالب الأزمات عليها وخصوصاً أزمة السيولة وتوقف المصارف عن منح السُّلف والقروض الميسرة أو بدون فوائد ربوية لدعم المشروعات الصغرى والمتوسطة، بل التوقف والعجز حتى عن دفع مستحقات الموظفين وغيرهم من المودعين في استلام كامل رواتبهم وودائعهم المالية، وإحجام رجال الأعمال والمستثمرين عن الولوج في مشاريع تخلق فرص عمل جديدة للشباب العاطل بسبب المناخ الاقتصادي السيء في ليبيا والملبّد بأجواء مخاطرة كثيرة التقلبات غير مطمئنة وغير مستقرة .

في إحصائية للعام 2017 عن الشباب العاطل في العالم للفئة العمرية (15-24 سنة) كانت ليبيا من أعلى نسب البطالة في العالم حيث وصلت إلى 46% (المصدر : بيانات البنك الدولي ) وهذه النسبة مؤشر خطير لما آلت اليه الأوضاع الاقتصادية وعليه نحن جميعاً مسؤولين أمام الله وأمام الوطن وأمام التاريخ تجاه هذه الفئة من الشباب ، فإما إيقاف الحرب واستغلال الفرصة من قبل صُنّاع القرار الاقتصادي والسياسي بعد اسئناف إنتاج النفط وارتفاع أسعاره العالمية في تدوير عجلة التنمية لإستيعاب هؤلاء الشباب وتفريغ طاقاتهم في الإنتاج والنمو الاقتصادي وبالتالي تحقيق نوع من الإستقرار،  وإما تركهم ضحيّة لأمراء الحرب وتجار الأزمات والإعلام المُموّل ليكونوا وقوداً لحرب أهليّة وبالها سيكون علينا جميعاً وآثارها ستبقى عقوداً طويلة من الزمن….

رؤية ثالثة : حلف الطغيان الفوضوي، والفوضى المنفلتة في ليبيا

هشام الشلوي/ كاتب ليبي

              استعرت هذا النماذج التفسيري، أي حلف الفوضى والطغيان من محمد المختار الشنقيطي في كتابه الفذ “الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية من الفتنة الكبرى إلى الربيع العربي”

ينقل الشنقيطي عن ابن عباس تفسير قوله تعالى “قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ” حيث فسّر العذاب الذي يصيب المجتمعات من فوق بأنه “ولاة الجور” والعذاب الذي يصيبها من تحت بأنه “سفلة السوء”….

يضيف الشنقيطي “ويتحلل الاجتماع السياسي بطريقتين مناقضتين للحرية والنظام – اللذين هما عماد الاجتماع الإنساني السليم- وهما: الطغيان والفوضى. فالطغيان قتل صامت لروح الأمة، والفوضى قتل صاخب لها” ص 262

وقعت ليبيا بعد عام 2011 أسيرة لنموذج الفوضى، وبعد عام 2014 خضعت لنموذج آخر لا يقل ضرواة عن سابقة، وهو الاستبداد الفوضوي الذي ظهر على يد الجنرال خليفة حفتر في العملية التي أسماها “الكرامة”.

في شرق ليبيا حيث حفتر يحكم، لا يحكم نموذج الاستبداد في شكله التقليدي الذي يفرض سيطرته القعمية على الجغرافيا والبشر، بل هو مزيج من الاستبداد والفوضى القاتلة.
بينما في غرب ليبيا تظهر الفوضى في أجل صورها، حيث الصراع المميت على مقدرات الدولة بين بارونات وقادة المليشيات المسلحة.

فوقع الشرق في أيدي ولاة السوء، ووقع الغرب والجنوب الليبي بين براثن سفلة السوء، وكلاهما ولاة السوء وسفلة السوء يغذي بعضهما البعض، وكل واحد منهما هو نتيجة منطقية تؤدي إلى الآخر.

هذا النموذج الفوضوي الاستبدادي ليس بدعة أنتجها الليبيون، بل هو تقليدي عربي من لدن معاوية بن أبي سفيان، الذي وضع الأمة بين خيار الحرب الأهلية الدامية، أو الاستبداد والتوريث، حيث اضطر الحسن والحسين ابنا علي إلى أن يوقعا وثيقة الاستسلام التي سماها الفقهاء عام الجماعة، فلا الأمة حافظت على الوحدة التي نشدتها، ولا هي تمسكت بقيم الحكم الرشيد التي جاء بها الرسول صلى اله عليه وسلم، وسار عليها خلفاؤه الراشدون من بعده.

وقعت ليبيا بين فخي الفوضى المستبدة، وأختها المنفلتة من كل عقال، ففي شرق ليبيا الذي يقبع فيه الجنرال حفتر، لم تنته الفوضى رغم نموذج حفتر الشمولي الذي من المفترض أن يبسط سيطرته على رقاب الناس بسل سيف الطغيان، وفي غربها وجنوبها انحدرت البلاد إلى حضيض الحروب المحلية بين سادة الكتائب وعرابيها لا طمعا في الوحدة أو سعيا بين صفا الديمقراطية ومروة الاستقرار، بل لهثا مجنونا خلف خزائن البنوك أي ما قل حمله وكثرت قيمته.

يقع الشعب في هاتين الحالتين بين خيارين عدميين، الأول التفرج ومشاهدة الفوضى العامة، والثاني هو دعم الاستبداد. في كتاب الأزمة يقول الشنقيطي “فقد نقل مؤرخ الثورة الفرنسية ألبير سوبول عن أحد قادة الثورة قوله ” لقد انتقلنا بسرعة من العبودية إلى الحرية، ونحن نسير بسرعة أعظم من الحرية إلى العبودية” ويقصد السياسي الفرنسي أن الفوضى التي سادت بُعيد الثورة الفرنسية سرعان ما قضت على منجزات الثورة، حتى أصبح الناس راضين بعودة العبودية السياسية التي كانوا يعيشونها قبل الثورة، بسبب ما عانوه من انفلات أمني وتهديد لحياتهم الشخصية والاجتماعية” ص 265

لعل هذا ما يبرر التحسر والتحسف لدى كثير من الليبيين على أيام حكم معمر القذافي، التي تظهر لدى هؤلاء الناس بجهد يسسير من المقارنة أنها أفضل من والي السوء في الشرق، أو سفلة السوء في الغرب والجنوب الليبي. لكن الشعار الأهم الذي يجمع بين ولاء السوء وسفلة السوء أو إن شئت قل برنامج العمل الذي يجمع بينهما هو كما يقول صاحب الأزمة” وأمرهم فوضى بينهم”

يكاد تكون ليبيا من البلدان القليلة في الاجتماع الإنساني التي جمعت بين نموذجين في ظاهرهما التعارض وفي بطانهما التعاضد، وهما الاستبداد الفوضوي، والفوضى بلا حدود….

رؤية رابعة:  ما يحدث في ليبيا تجسد موضوعي للصراعات حول أهم ثروات العالم عبر وكلاء محليين ضيقي الأفق

علي عبداللطيف اللافي *

             فـــي ليبيا اليوم قبل وبعد التطورات الأخيرة، توازن ضعف بين أطراف الصراع سواء في بُعده الفكري والايديولوجي أو من خلال البُعدين السياسي والاجتماعي أو من حيث الاصطفافات الإقليمية والدولية لأطراف الصراع المحليين والذين لا يُمكن تصنيفهم سوى أنهم وُكلاء لأذرع إقليمية مشتغلة بطبيعتها لصالح قوى دولية لها أجنداتها السياسية والاستراتيجية في ليبيا، وهؤلاء الوكلاء لا علاقة لهم طبعا بطموحات ومشاغل وآلام وآمال الشعب الليبي وهو ما يُفسر ويجيب على سؤال ماذا يجري في ليبيا؟، وعلى اعتبار أن الحراك الدولي ومنذ منتصف 2014 وان كان ظاهره رغبات وأطماع اقتصادية تقُودها الرغبة في النفاذ للعمق الافريقي والتصدي للطموحات الصينية والروسية والإيرانية والتركية في القارة السوداء، إلا أنه سياسيا عملية  استدعاء أو محاكاة تاريخية لمشهد ما قبل ديسمبر 1951 ذلك أن الخلاف السياسي بين الفاعلين الدوليين المُترتب على القراءات الاقتصادية لليبيا المستقبل هو خلاف بين محورين  للاتجاه في أحد خيارين في كل من تونس وليبيا:

  • خيار أول، ملخصه دعم للانتقال الديمقراطي في البلدين عبر دفع الفاعلين السياسيين الليبيين نحو الخيار التونسي المُتبع منذ 2014 وأخذ مسافة غير قابلة للعودة عن المسار المصري…

كاريكاتير حفتر يتبع في الخطى

  • خيار ثان، ويتلخص في دفع وتغذية للخيار العسكري في ليبيا عبر الإصرار على محاولات جديدة لتكريس خياري”القذافي2″ و”سيسي ليبيا” وهما في الحقيقة وجهين لعملة واحدة مما يعني المرور العملي الى سيناريو الحرب الأهلية الكارثية بسبب اختلاف البيئتين المصرية والليبية عسكريا واجتماعيا، وعندئذ ستسقط التجربة التونسية أيضا في براثن الانقلابات الناعمة حتى وإن استحالت خيارات الانقلابات العسكرية أو الأمنية …

إن ما يجري في ليبيا ليس أزمة صراع داخلي على السلطة فقط بل هو ازمة خيارات وصرعات وتوجهات في المنطقة بين قوى إقليمية ودولية ومحددات تتدخل فيها الشركات العابرة للقارات ولوبيات واجندات عالمية ذات أبعاد ثقافية ودينية مصطبغة بالسياسي ظاهريا، ومع ذلك فإن المتصارعين في الداخل الليبي مع تغير خارطة تشكيلاتهم يُمثلون معابر رئيسية لتكريس الخيارات وتعبيد الطريق لمآسي يتضرر منها الليبيون أولا والعرب ثانيا…

وعمليا ومن خلال قراءة تشخيصية بسيطة لكل تطورات السنوات الثمان الماضية بما فيها عمليات الاقتتال في جنوب العاصمة طرابلس الأسبوع الماضي، يمكن الجزم أن ليبيا تعاني لا من الانقسام السياسي فقط والخوف من مخاطر التقسيم والمكرس فعليا لا رسميا، بل أن ليبيا تعرف مجمل التحديات والمشاكل التي كانت موجودة فيما كان يسمى بــ”العهد الجماهيري” أي عندما كان النظام السابق ينفق أموال الليبيين في اتجاهات عدة وعلى نرجسيات القذافي وبلطجية أجهزته ….

كما أن جرائم عدة مازالت ارتكبت منذ سنوات بل مازالت ترتكب اليوم وفي مقدمتها آفة الفساد إضافة الى انتشار ظواهر التملق والتزلف، بل أن الليبيين يعانون يوميا من عدم صرامة أداء الحكومات الليبية في عموم القطاعات الحكومية…

ومما لا شك فيه أن كل ذلك هو عملية مركبة ومعقدة من النظام السياسي السابق الذي كان قائما على الفرد الواحد والحزب الواحد والفكرة الواحدة الى النظام السياسي الحالي المرتبك والمنقسم على ذاته بين تياري فبراير وتيار السبتمبريين وأيضا عبر تجسد ثان للصراع متعدد الأوجه بين تيار الثورة وبين تيار الثورة المضادة المسنود إقليميا ودوليا لغايات لا علاقة لها بمصالح الليبيين، إضافة الى صراعات حول النفوذ والمواقع وخاصة في المنطقتين الشرقية والغربية إضافة الى صرعات أخرى في الجنوب الليبي تغذى بأشكال مختلفة من طرف قوى إقليمية ودولية …

أما سياسيا ورسميا فان الأقطاب السياسية مستمرة عمليا في التنازع على السلطة والثروة والسلاح وعلى ولاءات قبلية وإقليمية ودولية…

إن أعراض انقسام الليبيين وأعراض مرض العجز عن التوافق بين الفرقاء يعود عمليا للاهتزازات القيمية والاجتماعية، وذلك يعني أن المشكلة كبيرة وخطيرة باعتبار أنها تأسست على مرور عقود وتحديدا على أيدي النخبة الليبية المتعلمة والواعية في عهد “النظام الجماهيري” السابق كما امتدت إلى عهد ما بعد ثورة فبراير، وهو ما يعني أن الحوارات بين الفرقاء الليبيين يجب أن تتعدد وتنتج عنها منهجيا قراءات ودراسات استراتيجية تضع الخطوط الكبرى للإصلاحات …

ان المطلوب من الليبيين اليوم وغدا أن يفرضوا على نخبهم السياسية الحالية السعي الدؤوب الى الدولة الدستورية التي تتكون من كل أبنائها وبناتها وتقديس ثقافة العمل والإنتاج بعيدا عن ثقافة الاقصاء والاستئصال التي يروج لها بعض أشخاص وأطراف نخبوية عبر استجابة لثقافة وتمويل من أطراف بل أذرع إقليمية ساهمت عمليا في نشر منطق وثقافة العنف والقتل والتخريب ضد ليبيا وشعبها …

ان المطلب العاجل في ليبيا هو التمكن العملي من إجراء مصالحة شاملة وعادلة تدفن آلام الماضي، وتمكن الليبيين من توقي الصعاب عبر بناء المؤسسات الدستورية وحتى يهنأ الليبيون كل الليبيين بوطنهم وثرواتهم بغض النظر عن أحزابهم وقبائلهم ومدنهم وانتماءاتهم الفكرية والمذهبية والسياسية…

ـــــــــــــــــ

* كاتب ومحلل سياسي تونسي مختص في الشؤون الافريقية

المصدر: صحيفة رؤية ليبية العدد 12، بتاريخ 2018/09/03

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق