ملفات

هل كسبت إيطاليا معركة إدارة الملف الليبي؟ وما هي حقيقة الصراع الفرنسي -الايطالي؟

 تمهيد

تجددت التجاذبات والصراعات بين الدول حول ليبيا وحول إدارة الملف الليبي وكان المشهد هو نفسه مشهد نهاية الاربعينات عندما تم طرح مشروع “بيفن سفورزا” الذي قدمه وزيرا خارجيتي إيطاليا وبريطانيا يوم 13 ماي 1949( أنظر مقال الكاتب الليبي في الصفحة الثامنة من هذا العدد)، وعلى اعتبار ان جميع المتابعين يعون جيدا أن الصراع في ليبيا هو بين وكلاء محليين لأذرع اقليمية هي في حد ذاتها خادمة لسياسات قوى دولية لها مصالح متعددة الابعاد والمرامي في ليبيا نتاج موقعها الجغرافي والاستراتيجي سواء متوسطيا (موضع الهجرة غير الشرعية) أو افريقيا ( اطلالها على دول الساحل والصحراء)، فما هو موقع إيطاليا اليوم  في إدارة الملف الليبي خاصة بعد الافتكاك الذكي للفرنسيين منذ يوليو 2017 (لقاء السراج حفتر في باريس)؟

وما هي خلفيات المواقف والتحركات الإيطالية الأخيرة، وخاصة تلك المعلنة والتي عبر عنها السفير الايطالي في آخر تصريحاته الإعلامية على غرار حواره الأخير مع قناة ليبية الوطن والذي تضمن تأكيد مواقف سابقة للمسؤولين الايطاليين ولكنه اكتسب جرأة غير معهودة عبر ارساله رسائل واضحة وبشكل صريح وعلني على غرار الموقف من تطورات الاحداث في درنة او في مواضع الانتخابات والدستور والاستفتاء…

        وللإجابة على مختلف تلك الاشكاليات، قسمنا العمل في ملف العدد الحالي على النحو التالي:

* عرض رؤى ثلاث للموضوع من زوايا متعددة …  

* أربع تقارير اخبارية ذات علاقة وتسلط الأضواء على الموضوع بشكل مباشر وغير مباشر من بينها مختصر ونقاط تصريحات السفير الإيطالي لقناة ليبيا الوطن الأخيرة ….

قسم الشؤون السياسية

رؤية أولى

 رمزي مفراكس (رجل أعمال ليبي مقيم في واشنطن)

 دور أمريكيا تجاه ليبيا، فرنسا وايطاليا في سباق مستمر للحصول على دعم في أدوارهم

 


تتعرض المصالح الفرنسية والايطالية الى الخطر من عدم استقرار ليبيا، ودور الولايات المتحدة الأمريكية الغير مباشر والهام يعمل على إعادة استقرار الدولة الليبية. بعد ما قدم رئيس الوزراء “جوزيبي كونتي” نفسه الى البيت الأبيض ببرامج يطرح فيها طموحات ايطاليا التي تسعى على تحقيق نقلة نوعية لدورها في منطقة البحر الأبيض المتوسط، كان الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في تأييد كامل للملفات المتعلقة بمكافحة الإرهاب والهجرة الغير شرعية ومن تقليص دور الولايات المتحدة الأمريكية في ليبيا. لكن ايطاليا تعلب دورا اكبر وأعمق في المنطقة البحر المتوسط بوصفها المستعمرة الايطالية السابقة في ليبيا، وان استقرار ليبيا سياسيا يعمل على مساعدة مكافحة الهجرة ومكافحة الإرهاب وهم الملفات الثلاثة التي عرضت على البيت الأبيض. ايطاليا وفرنسا يستبقان دوما في الحصول دعم أكبر من الولايات المتحدة الأمريكية، آن لم يكن الدعم لهم من الأسبقية الجيوسياسية في منطقة البحر الأبيض المتوسط، لتكون أمريكيا نفسها عامل مساعد مما تضع ليبيا تحت المجهر السياسي والاقتصادي مرة أخرى عند بوابة افريقيا الشمالية. أما بالنسبة للإدارة الأمريكية الحالية كانت من البداية ضد التدخل العسكري في ليبيا التي أغرفتها هيلاري كلينتون في المشاكل من اجل القضاء على التنظيمات المتطرفة، خاصة تنظيم داعش الإرهابي في ليبيا.

لكن الكثير من الليبيون يتساءلون عن توجه الولايات المتحدة الأمريكية نحو القضية الليبية والصراع السياسي بين فرنسا وايطاليا وصراع الأقطاب السياسية داخل ليبيا. ليصرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أخر لقاء له مع رئيس الوزراء جوزيبي كونتي بأن أمريكيا ليس لها أي دور في ليبيا مع تعدد الأدوار الموجود على الساحة الليبية. ومن هذه النقطة من قمة الاهتزازات السياسية تجاه القضية الليبية، كانت الشراكة الأمريكية الايطالية ناجحة مثل الشراكة الأمريكية الفرنسية عند لقاء الرئيس دونالد ترامب نظيره الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في محادثات دبلوماسية تعمل على تعزيز السباق المستمر على دعم ادوار فرنسا وايطاليا في البحر الأبيض المتوسط. لقد تركت لليبيا الخيار الكامل عبر الأمم المتحدة في خارطة طريق غسان سلامة المتمثلة في ثلاث خطوات أساسية في اختيار الطريق الديمقراطي لحل مشاكل ليبيا الداخلية المتعارف عليها دوليا في كل الديمقراطيات العالم وهي الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وإعادة استقرار الدولة الليبية الموحدة في أجسامها ومؤسساتها السيادية والمالية. لكن ليبيا لزالت تتخبط في صراع المليشيات المسلحة الليبية التي تفرض وجودها بالقوى على النظام السياسي الليبي الحالي، مما ساهم وليزال يسهم في دمار بلادهم من خلال الإسلام السياسي المتطرف والتنظيمات السياسية الإرهابية. بينما استدعى الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الفضائل الليبية الرئيسية في باريس ولعب دور هام في إجراء انتخابات سريعة بحلول هذا العام من اجل استقرار ليبيا لكون لفرنسا التأثير الكبير والجذري في السياسة الفرنسية الليبية المشتركة. تعتبر ” خارطة الطريق ” الفرنسية خطوة للغاية وهو رهان يجبر الأطراف السياسية الليبية المتنازعة لاسيما رئيس وزراء طرابلس، فايز السراج والمشير خليفة حفتر، على التوصل الى اتفاق يخدم استقرار الدولة الليبية المنهارة. الموافقة على ذلك لا زالت بعيدة جدا لوجود تجاذب هنا وهناك على كيفية توحيد المؤسسات الليبية والتي من أهمها القوات المسلحة الليبية وضم المؤسسات الشرعية تحت الغطاء الدستوري الليبي الذي يعمل على الموازنة بين كتلة الشرق وكتلة الغرب ويعيد السلاح الى الثكنات المسلحة الليبية. لكن اليوم ليبيا ليس في صدارة أولويات إدارة ترامب، ليبيا أصبحت ارض النزاعات الخارجية سياسيا واقتصاديا أكثر من نزاعات عسكرية كما كانت عليها ليبيا قبل سوط النظام الجماهيرية الليبية السابق. فرنسا وايطاليا وأمريكيا قوى سياسية واقتصادية كبيرة جدا تهمهم ليبيا بالدرجة الأولى بحسب موقعها الاستراتيجي في افريقيا، وخطة الحكومة الايطالية حول الهجرة مفيدة للرئيس الأمريكي لتقوية النموذج الداخلي في بلاده. ونقول أن الصراع القائم اليوم على ليبيا هو صراع المصالح الأجنبية، وهو صراع في منطقة البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الساحل والصحراء التي تشكل فيها ليبيا أهمية جغرافية. ليبيا تعتبر بوابة أمنة لأمن وانتعاش نفط وغاز لاقتصاديات الغرب والتحالف بين فرنسا وايطاليا وأمريكيا وتوزيع وتشكيل الأدوار فيما بينهم، عملية استراتيجية في المنطقة تعمل على تجنب الكثير من الخسائر وتباطؤ في أجاد الحلول السريعة والنهائية…..

رؤية ثانية

 عبدالرحمان شلقم (وزير الخارجية الأسبق)

 العراك الفرنسي الإيطالي على ليبيا

في الشهور الأولى للحرب العالمية الثانية اقتحمت القوات النازية الألمانية فرنسا واحتلتها، بقيت بريطانيا تواجه الغزو الالماني منفردة، انضم موسوليني لألمانيا وبدأ بمهاجمة مصر التي يحتلها البريطانيون، بعد تقهقر القوات الإيطالية دفع هتلر بالفيلق الأفريقي بقيادة رومل الذي إندفع شرقا في الأراضي المصرية، عين رئيس الوزراء البريطاني – تشرشل – الماريشال منتغمري قائدا لقواته في مصر قائلا له: اريد ليبيا، وكررها عدة مرات، سأله منتجمري: لماذا هذا الاصرار على ليبيا؟ اجابه تشرشل: ليبيا هي البطن الرخوة للتمساح الأوربي، نعم مصير ليبيا رسمته الجغرافيا. في الحقيقة أن المنظور السياسي الاقتصادي الجغرافي يضع ليبيا في جنوب أوروبا اكثر مما هي في شمال افريقيا، هُزم رومل في العلمين، وقال تشرشل: لم ننتصر قبل العلمين ولم نُهزم بعدها، كانت المعركة بين الحلفاء الذي يضم فرنسا والمحور الذي تنتمي اليه ايطاليا. اليوم ليبيا ارض معارك سياسية اكثر مماهي عسكرية، ولكن بين من و من؟، فرنسا ، ايطاليا ، امريكا، لكن نستطيع ان نقول ان هناك (خلافا) وليس معارك، الوضع السائل امنيا وسياسيا والمرتبك والمربك اقتصاديا له ثأثير على منطقة البحر الابيض المتوسط ومنطقة الساحل والصحراء، وكل دولة من هذه الدول تنظر اليه من زاوية امنها وتحالفاتها ومصالحها، وكل منها لها وصفة لحل الازمة الليبية، هنا تتقاطع وتتضارب وصفات الحلول. فرنسا .. دولة عظمى، عضو دائم بمجلس الامن، تمتلك سلاحا نوويا، لها حاملات طائرات، وتصنع احدت الطائرات المقاتلة، لها قواعد وقوات في دول الساحل والصحراء، تعتمد على وارداتها من اليورانيوم من النيجر، الفرانكوفونية حبل سري ثقافي يربطها بالعديد من الدول الافريقية، الوضع المنهار في ليبيا يؤثر بشكل خطير على هذه الدول، وليس له تأثير مباشر على الارض الفرنسية من حيث الهجرة غير الشرعية والإرهاب، أوربا تطير بجناحين هما: الاقتصادي المانيا، والسياسي فرنسا ….

فرنسا بالنسبة للازمة الليبية تراها صراع على السلطة، وعليه فان تقاسم السلطة بين الليبيين هو المدخل للحل تشكيل حكومة لا يفسح المكان لجميع الفرقاء ان يجدوا مكانا فيها ، فهي ستتكون من عدد محدود من الوزراء ، اما مجلس النواب فسيمكن الجميع من وجودهم في السلطة لأن العدد سيكون كبيرا ، ولهذا ففرنسا تدفع نحو الانتخابات، وايطاليا دولة لا تمتلك قوة فرنسا العسكرية والسياسية والمالية، وتعاني من ازمة مالية حقيقية  الدين العام تجاوز 2 تريليون يورو، الحكومة الايطالية الجديدة تتكون من شباب ليس لهم خبرة سياسية طويلة، ايطاليا عرفت بالتغييرات التي لا تتوقف للحكومات، لكن في السابق كانت هناك شخصيات دائمة في الحكومات المتغيرة، دوافع الاهتمام الايطالي بليبيا غير تلك الفرنسية الهجرة غير الشرعية التي تتدفق على ايطاليا، والارهاب الذي قد يتسرب منها الى ايطاليا ، وانبوب الغاز تحت البحر الواصل الى صقلية، الحل في ليبيا بالنسبة لإيطاليا يبدأ بالمصالحة الاجتماعية والسياسية في ليبيا قبل الانتخابات البرلمانية ، لأن ليبيا في رأي الحكومة الايطالية تحتاج الى قوة تنفيذية فاعلة تهيء البلاد امنيا وماليا واجتماعيا لولوج المرحلة الديموقراطية عبر الانتخابات البرلمانية والرئاسية. امريكا … الولايات المتحدة الامريكية تهتم بالملف الليبي من منظور آخر وهو الارهاب في المنطقة وتتحرك في منطقة الساحل والصحراء عبر الأفريكوم، داعش التي تقهقرت في سوريا والعراق قد تجد لها حضنا جغرافيا في ليبيا وكذلك تيار الاسلام السياسي. النقطة الاخرى، امريكا لن تقبل بوجود عسكري او سياسي روسي في ليبيا . هناك ايضا الحسابات البترولية واعادة اعمار ليبيا. اثناء اجتماع الرئيس الامريكي امس مع رئيس الوزراء الايطالي عبر ترامب عن تأييده لسياسة ايطاليا الحاسمة في موضوع الهجرة، ولكن ذلك لا يعني مواجهة مع رؤية فرنسا…  هناك خلاف امريكي ايطالي حول العقوبات على روسيا التي تعمل الحكومة الايطالية على رفعها وكذلك ميزان المدفوعات بين البلدين وهو في صالح ايطاليا. الخلاصة … حل الأزمة الليبية لن يأتي في صندوق إيطالي أو فرنسي أو أمريكي، الحل بالدرجة الاولى في يد الليبيين وقبل ذلك في عقولهم الخلاف بين هذه الدول هو لمصلحة ليبيا ، المطلوب استثماره سياسيا  بعد نهاية الحرب العالمية الثانية تقاسم الحلفاء مستعمرات المحور  ارادت بريطانيا الوصاية على برقة وطرابلس ، وفرنسا على فزان طالب الاتحاد السوفييتي بحصته وهو طرف قوي بين الحلفاء  تخوف البريطانيون والامريكيون من وجود شيوعي في قلب العالم العربي وعلى تخوم افريقيا جنوب الصحراء الآباء والاجداد الحكماء استطاعوا إدارة الازمة بحنكة ودهاء وبإرادة الوحدة استثمروا ذلك الخلاف و حققوا الاستقلال…. 

رؤية بين رؤيتين 

محمد الأمين (كاتب ليبي)   

من واشنطن يأتي الخبر اليقين.. لا قيادة إلا للطليان في ليبيا

قبل يومين (المقال كتب نهاية الأسبوع الماضي)، أعلن رئيس وزراء ايطاليا بوضوح للرئيس الفرنسي أن بلاده لن تدعم إجراء انتخابات في ليبيا قبل إتمام المصالحة.. واليوم، وبقرار من دونالد ترامب، لن يكون بإمكان ماكرون أن يحلم بلعب دور منفرد في ليبيا، ودوره لا يمكن أن يكون أكبر من دور أي طرف آخر فيها في أحسن الاحوال.. فالقيادة الرئيسية للأمريكي الذي فوّض ممثله الايطالي كي يرعى مصالح الاثنين عقابا لماكرون على تهوّره في ملفات ثنائية كالحمائية التجارية وحرب الاقتصاد بين القارة العجوز وامبراطورية العمّ سام، ومحاربة الهجرة..

الساحة الليبية أصبحت ساحة تصفية حسابات اقليمية ودولية بامتياز.. وبناء على ما نسمعه ونراه لا يمكن إلا أن نقول وداعا للاستحقاق الانتخابي.. أمر العمليات الصادر من واشنطن لا يسري على الايطالي والفرنسي، بل كذلك على برلمان طبرق الذي أغلقه “العكّوز” فلم يستطع إلا أن يذعن ويرضى باجتماع دون مخرجات، وبمناقشات عقيمة لن تسفر عن قرارات بالطبع.. ككلّ مرة.. وكعادات مؤسسات الدول المستباحة في البلدان التابعة.. لا تصويت على مسودة الدستور في البرلمان..الاجتماع تم لرفع العتب وحدوده والغرض منه مرسومة ومحددة..

حكاية المصالحة التي يضعها الطليان شرطا للموافقة على اجراء الانتخابات في الشاطئ الرابع لن يُكتب لها النجاح كذلك لأن الخارج قد قام بأكثر من الواجب بإيغال الصدور وشيطنة النفوس، ودقّ من الأسافين ما يكفي لإدامة الازمة أعواما وأعواما.

كل الخصوم فاعلون لهم إراداتهم.. ولهم قرارهم.. واختياراتهم.. إلا الطرف الليبي منقادا تابعا لا سلطة له ولا إرادة يهيمن عليه الجميع، ويسيطرون عليه، ويُملُون عليه الشروط والتعليمات.. بلد تائه أضاع البوصلة وتاه في بحر متلاطم الأمواج.. فـ للّه الأمر من قبل ومن بعد، نسأله السلامة ورفع البلاء.. وللحديث بقية.

المصدر: مقتطفات من مقال للكاتب نشر في موقع ايوان ليبيا بتاريخ 31 – 08-2018 

من واشنطن يأتي الخبر اليقين.. لا قيادة إلا للطليان في ليبيا

 

المصدر: صحيفة رؤية ليبية ، العدد 10 ، بتاريخ 06 أوت 2018

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق