رأيليبيا

أزمةُ تشخيص الأزمةِ هو جوهرُ أزمةِ المسرح الليبي

عندما نتعاطى مع أزمة من أزماتنا بتخبط يشتِّتُ قدرتنا على تشخيصها، فإننا نفاقم الأزمة، ونفشل في المحافظة حتى على مستويات تأزمها القائمة. نقول ذلك لأننا نستشف أن عمق أزمة المسرح الليبي كامن في عدم القدرة على صياغة أسباب هذه الأزمة.

دعونا نستمع إلى ما يقوله رواد المسرح الليبي عن أزمات ومشكلات مسرحهم:

أ- يقول الباحث المسرحي والأكاديمي والممثل الدكتور “حسن قرفال” واصفا المسرح في ليبيا:

“إن المسرح الليبي في “سُباتٍ عميق” نظراً للظروف السياسية التي تمر بها البلد، وصعوبة الحياة الاجتماعية، إن غياب الإشهار والدعاية الإعلامية تسبَّبَ في عدم معرفة الناس بمواعيد العروض، كما أن عدم انتشار المسرح يعود لعدم وجود الناقد المسرحي المتخصص، وإلى غياب مادة النشاط المسرحي عن المناهج التعليمية فى مراحل التعليم المختلفة، إضافة إلى عدم توفر الكُتّاب المسرحيين المتخصصين، باستثناء العدد القليل منهم”.

ب- أما المُمثل المسرحي “أنور البلعزي” فقد وصف حال المسرح الليبي بقوله: “إن المسرح الليبي” يمر بحالة “خمول كامل”، والحركة المسرحية في ليبيا تتخبط بشكل كبير، وأستطيع إرجاع ذلك إلى عدة عوامل، كالظروف التي تمر بها البلد، وقِلة الإمكانيات نتيجة لعدم وجود دعم حكومي، والناتج أصلا عن عدم وعي وتفهم المسؤولين لدور المسرح في الحياة”.

ت- من جهته، يرى الكاتب المسرحي “البوصيري عبد الله” أن أحد أهم أسباب الأزمة المسرحية يعود إلى عوامل اجتماعية وثقافية، “فتقاليد المجتمع الليبي ليست تقاليد فنية ولا يوجد ميل للفُرجة والترويح في طبيعة الإنسان الليبي، بالإضافة إلى تدني مستوى القراءة عند العامة، مترافقاً مع التقصير على مستوى الدولة من حيث تشجيع الفنون عامة وعلى وجه التحديد المسرح والسينما”، ولم يغب عن بال البوصيري أن يؤكد على “أن الحركة المسرحية في ليبيا تأثرت كثيرا بدخول التقنية كالتلفزيون والكمبيوتر والإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، التي أخدت معظم وقت الشخص”.

وبقيامنا بعملية تفكيك لتلك التصريحات نستطيع أن نحصر المعرقلات والحلول المقترحة من قبل أهل الاختصاص في الآتي:

أولا: المعرقلات:

1 – الظروف السياسية والأمنية التي تمر بها البلاد.

2 – غياب الإشهار والدعاية الإعلامية تسبب في عدم معرفة الناس بمواعيد العروض المسرحية.

3 – عدم وجود الناقد المسرحي المتخصص.

4 – غياب مادة النشاط المسرحي عن المناهج التعليمية فى مراحل التعليم المختلفة.

5 – عدم توفر الكُتّاب المسرحيين المتخصصين.

6 – قلة الإمكانيات نتيجة عدم وجود دعم حكومي.

7 – تقاليد المجتمع الليبي ليست تقاليد فنية ولا يوجد ميل للفُرجة والترويح في طبيعة الإنسان الليبي.

8 – تدني مستوى القراءة عند العامة.

9 – ظهور التقنيات الحديثة مثل التلفزيون والكمبيوتر والإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

وبإجراء قراءة فاحصة وإن تكن سريعة لتلك العناصر نستخلص ما يلي:

إن ثلاثة من رواد المسرح الليبي وكبار العاملين فيه يعيشون حالة من التخبط القائمة على توصيفات متضاربة لسبب الأزمة. فإذا كانت الظروف السياسية والأمنية التي تمر بها البلاد هي سبب الأزمة، فبماذا يتم الرد عندما نتساءل عن سبب هذه الأزمة لما لم تكن هناك أزمة وكان المجتمع مستقرا والدولة آمنة قبل الانتفاضة التي تحولت إلى حرب؟!

أما الحديث عن غياب الإشهار والدعاية كسبب للأزمة، يوحي بأن الأعمال المسرحية تزدحم بها مسارح ليبيا المتنوعة، وأن الأزمة هي أزمة ترويج وتسويق، وهو ما نعتبره توصيفا تسطيحيا للأزمة لا أساس له من الصحة.

المعرقل التاسع، يجدر عدم التذرع به، لأنه إذا كان معرقلا حقيقيا فهو يعم كل البشرية، وهو أكثر عموما في الدول المتقدمة منه في الدول المتخلفة، ومع ذلك، فما يزال المسرح، وما تزال السينما، بل وما تزال القراءة مزدهرة في تلك البلدان، ما يوجب البحث عن أسباب الأزمة في عناصر معرقلة أخرى.

ربما تكون المعرقلات من “3” إلى “8” والتي لا علاقة لها بالوضع الأمني والسياسي لا حاليا بعد الثورة، ولا سابقا أيام حكم الاستبداد، لأنها تتعلق بالمجتمع الليبي وبالثقافة الليبية. وبالتالي فبإزاء هذه المعرقلات الستة، ندعو إلى عدم التذرع بالأوضاع الحالية التي تمر بها البلاد، وإلى عدد الشطط بعزو الأزمة إلى أسباب تقنية وإجرائية أبعد ما تكون عن الواقع، والالتفات إلى مكوناتها الحقيقية والقائمة في قلب البنية الذهنية والثقافية للإنسان الليبي سواء كان في السلطة أو خارج السلطة.

فالشخصية الليبية في المجمل هي – على ما يبدو – شخصية غير فنية وبالتالي غير مسرحية، الأمر الذي يجب معه الخروج من شرنقة إلقاء التبعة على مكونات تقع خارج إطار هذه الذهنية، والانشغال بها وحدها لجعلها تتطور فتغدو مع مرور الوقت ذهنية قابلة للتعايش مع الفنون عموما ومع المسرح خصوصا. ونقطة البدء تكون بالاعتراف بهذه الحقيقة الثقافية، وإلا فلن تكون هناك أي خطوة فاعلة باتجاه الحلول والخروج من براثن الأزمة. ومن هنا فإن المتحدثين عن أزمة المسرح في ليبيا يجب أن يكتفوا بالإشارة إلى اعتبارها أزمة ثقافية.

أسامة عكنان*

المصدر: صحيفة رؤية ليبية 

__________

* – كاتب أردني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق