رأيليبيا

هل هناك مستقبل للسينما الليبية بعد تحررها من استعمار النظام السابق؟

نتساءل بداية:

هل أن تأسيس صناعة سينما في دولة مثل ليبيا يعتبر أمرا مهما، بالنظر إلى أننا نتحدث عن صناعة تحتاج إلى بيئة خصبة من الحريات والانفتاح الثقافي، في بلد بدأ التعامل حديثا مع الديمقراطية، وما يزال يتعثر بسبب حالة الاحتقان الثقافي التي تحول دون استقرار حالة ديمقراطية منتجة للفن السابع بكل فضاءاته الرحبة، ومع وجود احتياجات أخرى مهمة لدى الإنسان الليبي، تجعله لا يولي صناعة السينما هذا القدر من الأهمية التي يوليها لها الفنانون والسينمائيون والمبدعون عادة؟

في هذا السياق يقول “محمد مخلوف” وهو سينمائي ليبي كان منشقا عن نظام معمر القذافي، ومقيما في في مصر إبان حكمه:

“إن الثقافة المرئية هي التي حرضت على الثورة، وللفيلم أهمية خاصة، إلا أن الدول العربية لها رقابة صارمة على ثقافة الصورة، لا فرق في ذلك بين القاهرة بلد الصورة الأم، وطرابلس التي كانت وما تزال تعادي هذه الثقافة وتأنف منها ولا ترتاح إليها”.

وفي سياق تحليله لواقع السينما العربية عامة، يحاول أن يكون عقلانيا وعمليا مبتعدا عن نزوات السينمائيين الذين يربطون حرية السينما دائما بحرية الجنس وبحرية الجدل في الدين، عندما يقول:

“هناك ثلاثة ممنوعات في السينما العربية، الدين، والجنس، والسياسة.. مازال الوقت مبكراً على الجنس.. وموضوع الدين حساس جدا.. بقيت السياسة أمامنا، وعلينا تناول موضوعات مثل البطالة والتغيير والثورة ومشاكل الشباب.” (مولد السينما الليبية بعد سقوط القذافي، ابتسام عبد الله، 30 أكتوبر 2012، http://almadapaper.net/Details/1438/أضواء-وآلة-تصوير-وثورةمولد-السينما-الليبية-بعد-سقوط-القذافي).

أي أن الرجل لا يربط بين نهضة السينما في ليبيا وبين حتمية رفع اليد كليا عن التعاطي السينمائي مع الثالوث المرعب الذي ما يزال يثير القلق حتى في أكثر الدول العربية عراقة في صناعة السينما وهي مصر، وهو ثالوث “الجنس، الدين، السياسة”، مكتفيا بما يرى في التعاطي معه، تفعيلا للحرية، وإسهاما في تشخيص مشكلات المجتمع الحقيقية التي تقرب الناس من السينما إذا كانت من هذا النوع، حارصا على إبعاد مفهوم ومعنى الحرية في الفن السابع عن المساس بقيم المجتمع الليبي في الجنس، وعن الجدل في ثوابته في الدين من ثم، تاركا الأمر لما يمكن للحرية الناجمة عن السياسة ذاتها أن تؤدي إليه في المستقبل.

فهل هذا الإطار الثقافي للحرية السينمائية، وهو الإطار الذي يُبدي مُقْتَرِحُه مسؤولية عالية عن جعل السينما في مجتمع محافظ ومعزول ثقافيا بسبب سنين حكم القذافي العِجاف نافعة ومحبوبة ومقبولة، ومرغوب فيها، لا مكروهة ومنفرة وغير مرغوب فيها.. نقول: هل هذا الإطار الثقافي المقترح للسينما الليبية من قبل سينمائي ليبي مخضرم هو ما يبدي المهاجرون الليبيون العائدون أو الذين ينوون العودة إلى بلادهم، للعمل في مجال السينما والفنون الأخرى، بعد أن أصبحت الظروف مواتية، استعدادهم للقبول به والتحرك في ضوء معطياته؟ أم أنهم سيعيشون حالة من الفصام بين ما يهمونه من دور للسينما في بيئات غربية نهلوا منها وعاشوا في كنفها، وبين استحالة نشأة سينما ليبية بهذه المستويات من رفع القداسة عن الجنس والدين في المعالجات السينمائية؟

تجيب على هذا التساؤل تلك الأحداث التي راحت ترشح من وقت لآخر من قلب الفعاليات السينمائية الليبية التي بدأنا نشهدها بعد مقتل القذافي وانهيار نظامه. ففي مبنى السفارة الفرنسية سابقاً، في الجزء القديم من مدينة طرابلس، اجتمع نهاية عام 2012 حوالي 70 شخصاً لحضور أول عرض عام لأفلام ليبية الصنع أنتجها العقل الليبي ما بعد الثورة.

كانت هناك ستة أفلام وثائقية قصيرة، طول الواحد منها حوالي 5 دقائق، وفي الفيلم الأخير، “أعلام جدتي” الذي كان الأكثر لفتا لانتباه المراقبين، نتعرف على أحوال النساء قبل إعادة العلم الوطني القديم، إذ كان عليهن الإسراع بإعداد العلم قبل انقطاع الكهرباء المتوقع بسبب الأحداث، ويعرض الفيلم كيف أنهن بقين يخطن نسخا من العلم قدر ما يستطعن قبل غياب التيار الكهربائي، في حرص من صانعي الفيلم على تصوير فرحة النسوة بسقوط القذافي الذي كان يضايقهن من خلال مضايقته لرجالهن، سواء كانوا أبناء، أو أزواجا، أو آباء، أو إخوانا.. إلخ. (مولد السينما الليبية بعد سقوط القذافي، ابتسام عبد الله، 30 أكتوبر 2012، http://almadapaper.net/Details/1438/أضواء-وآلة-تصوير-وثورةمولد-السينما-الليبية-بعد-سقوط-القذافي).

ثم تبدأ تتكشَّف ملامح الوجهة المختلفة للسينما الليبية الجديدة والنابضة واليافعة، من خلال باقة من الأفلام القصيرة التي استُقبلت بترحاب في مهرجان “لوكارنو” بسويسرا، والتي أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن المواهب الليبية المستوعبة للتقنيات السينمائية الحديثة والراغبة في التعاطي العقلاني مع مشكلات المجتمع الليبي من خلال ثقافة الصورة عامة، وثقافة الصورة السينمائية خاصة، متوفرة، وأنها لا تحتاج إلا إلى عودة الاستقرار إلى البلد وإلى قدر أكبر من التفهم المجتمعي والدعم الحكومي لإنتاج المزيد، وافتكاك مكان مُستحق تحت الشمس وعلى الشاشات الفضية عربيا وإفريقيا وعالميا.

فعشية السبت 8 أغسطس 2015، كان هواة الفن السابع في “لوكارنو” بسويسرا على موعد مع مفاجأة لطيفة اقترنت باكتشاف طريف لبراعم السينما الشابة التي تفتحت بسرعة قياسية في ليبيا بعد سقوط نظام القذافي.

القاعة المخصصة للعرض الأول لمجموعة الأفلام الوثائقية القصيرة في إطار قسم “أبواب مفتوحة” اكتظت بعشرات المتفرجين الذين تابعوا الأعمال العشرة بانتباه بالغ، بل قد حرص معظمهم على البقاء لطرح أسئلة على المخرجين الشبان الثلاثة الذين أمكن لهم الحضور إلى سويسرا.

بطبيعة الحال، كان الفضول وحب الاكتشاف وراء هذا الاهتمام بباكورة الإنتاج السينمائي لبلد عربي لم يكن يشتهر في العالم قبل ثورة 17 فبراير 2011 بإبداعاته الفنية، لكن اتضح أن جيلا جديدا من المخرجين الشبان في طريقه إلى تقديم صورة أخرى أكثر أمانة وواقعية وإنسانية عن ليبيا.

في الأشهر التي تلت انهيار “الجماهيرية”، بدا أن “كل الأحلام أصبحت قابلة للتنفيذ”، مثلما قال المخرج “خليفة علي أبو خريس” المشهور بـاسم “كيلي علي”، وتحررت الألسن من عقالها ونشطت الذاكرة المكتومة، فأصبح من المُمكن إنجاز أفلام عن ذكريات السجناء السابقين لـ “مهند الأمين”، وأخرى عن أوضاع المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين في السجون والمعتقلات “طريق مسدود” لـ “أحمد عبوب”، وعن الصعوبات الجمة التي تُواجه السينمائيين الشبان “مهمة مستحيلة” لـ “نجمي عون”، أو عن ممارسة بعض هوايات الشباب الممنوعة سابقا “دريفتينغ” لـ “سامر عمر”.. إلخ.

بعد 42 عاما من حكم ديكتاتوري منغلق، كان من الطبيعي أن تهتم الأعمال السينمائية بالمسائل الحقوقية وبالنبش في جراح الماضي وآلامه وكوارثه، لكن يبدو أن المؤطرين والمخرجين الشبان اختاروا تسليط الأضواء على قصص حياتية عادية أو على مسائل ذات طابع ثقافي أو إنساني. مثل فيلم “صانع السندويتش” الذي اهتم بشخصية ليبية شهيرة ببيع أكلة تقليدية نظيفة في طرابلس منذ عشرات السنين، وفيلم “الغرفة السرية”، التي شيدها سرا مواطن مثقف من أجل حماية القطع الأثرية الصغيرة في أهم متحف بطرابلس من النهب والسرقة أثناء الثورة، وفيلم “العداَّء”، ذلك الرياضي الليبي الذي لم يتردد في رفع علم الثورة في سباق فاز به في الخارج قبل سقوط القذافي، وفيلم “غرافيتي” الذي اهتم برسام شارك في الثورة بكتابة شعارات على الجدران، ويواصل اليوم عمله برسوم وتعبيرات على الجدران “لممارسة حرية التعبير” التي افتكها الليبيون بكثير من الدماء والدموع. (السينما لليبية الجديدة تستقبل باهتمام وفضول في لوكارنو، 13 آب 2015، https://www.swissinfo.ch/ara/-أبواب-مفتوحة–في-أهم-مهرجان-سويسري_السينما-الليبية-الجديدة-ت-ستقبل-باهتمام-وفضول-في-لوكارنو-/41596512).

إن الناس في ليبيا “لا يعتبرون أن العمل في المجال السينمائي يُمكن أن يكون مهنة حقيقية”، فليس هناك تاريخ في هذا المجال، والسينما لا تشكل جزءا من الثقافة العامة. إلا أن “أهم مشكلة تواجه السينما في ليبيا تظل هي “المشكلة الأمنية”، حيث يحتاج المرء “إلى حجم كبير من العلاقات” لتأمين عملية التقاط المشاهد وضمان عدم تعرض الفريق العامل لأيِّ خطر خلال إنجازه للعمل السينمائي.

بل لعل المعضلة الأهم تتمثل في أن من يقبل بك اليوم يُمكن أن يُغيّر رأيه في أي لحظة ويتحول إلى رافض لقيامك بالتصوير، حيث أن “الكاميرا تحولت في ظل الانفلات الأمني، في نظر كثيرين إلى “مرادف للتجسس”، فالمشكلة “ثقافية بالأساس لكنها مع ذلك تتحمل بعدا أمنيا خطيرا”، ذلك أن “من يملك السلاح اليوم في ليبيا “لا يُفرق بالضرورة بين العمل الثقافي وممارسة التجسس”.

كما أن هناك بطبيعة الحال بعض المواضيع التي توصف بـ “التابوهات” أو المحرمات التي لا يُفكر السينمائيون الشبان اليوم في مجرد الاقتراب منها أصلا، لكن يبدو أن المخرجين الليبيين يعتمدون مقاربة شبيهة بنظرائهم في بلدان مرت أو تمر بظروف مشابهة تتلخص في أنه “لا يجوع الذئب ولا يشتكي الراعي”، أي البحث باستمرار عن “إيجاد توازن بين الشكل والمضمون، مع التعويل على ذكاء المتلقي لإبلاغ الرسالة وتجنب الاستفزاز”.

أسامة عكنان

المصدر: رؤية ليبية العدد 04 بتاريخ 25 جوان 2018

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق