تقاريرتونس

تونس البلد الثاني إفريقيا في تقنين مناهضة التمييز العنصري

استجاب مجلس النواب التونسي، لدعوات الحكومة والمجتمع المدني، نحو سن تشريع قانوني مناهض لكل أشكال التمييز العنصري، أمام تكرر الاعتداءات على ذوي البشرة السوداء بين آونة وأخرى، حيث صادقت لجنة الحقوق والحريات بالبرلمان، بالإجماع، على مشروع قانون مناهض للسلوك العنصري بمختلف أشكاله.

ويفرض القانون، مجموعة من العقوبات على مرتكبيه، تتمثل في عقوبة بالسجن بين 6 أشهر و3 سنوات، وعقوبات مالية من 500 دينار (250 دولارا) فما فوق.

ويسعى حقوقيون، منذ يونيو عام 2016، للقضاء على هذه الظاهرة عبر مشروع قانون وطرحه على البرلمان، علما أن الدستور التونسي ينص على نبذ أي تمييز على أساس لون البشرة، وتأكيده أن المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز.

وصادق مجلس الوزراء، بعد التشاور مع المجتمع المدني عام 2016، على مشروع القانون، وتم إيداعه بالبرلمان من أجل إقراره، قبل شهر مارس الماضي، لكن البرلمان تأخر في النظر والمصادقة عليه.

ينص القانون على استحداث لجنة وطنية، لمناهضة التمييز العنصري ملحقة بوزارة حقوق الإنسان، ويعطي الحق للمجتمع المدني، في التقدم بمشاريع قوانين للبرلمان لمناقشتها.

ويركز المشروع الذي ورد في 36 فصلا، على ضرورة وضع برامج تعليمية وتربوية، تنطلق من مؤسسات التعليم والتربية والتأهيل، ويختص ذلك بتأهيل المربين حول ثقافة المساواة وعدم التمييز، بالإضافة إلى تأهيل القضاة بشكل مستمر ومعمق، لتطوير طرق التعاطي مع القضايا والشكاوى المرفوعة أمامهم، والتي ترتبط بالتمييز العنصري.

وفي صورة المصادقة الرسمية عليه، تصبح تونس بذلك البلد الثاني في إفريقيا، بعد إفريقيا الجنوبية، التي تسن قانونا مناهضا للتمييز العنصري.

وقالت النائبة في البرلمان التونسي، عن حركة النهضة وعضو البرلمان الأفريقي، جميلة دبش كسيكسي، إن مشروع القانون سيعرض قريبا على لجنة التشريع العام بالبرلمان، ومن المتوقع التصويت والمصادقة عليه أواخر يونيو الجاري.

وتعد كسيكسي من التونسيين أصحاب البشرة السوداء، والتي أكدت أنه من الضروري إرساء قانون يجرم كافة أشكال التمييز العنصري، كما يعمل على حماية ضحايا هذا السلوك.

ويضم القانون، التمييز على أساس اللون والدين والعرق والنسب، أو الأصل القومي أو الإثني -السلف، اللغة، المجتمع، الثقافة أو الأمة.

ويحدد تعريف التمييز العنصري، ويقر حماية وقائية للضحايا، ويفرض على الدولة تقديم التعويض القضائي العادل، وضبط السياسات المناهضة للتمييز.

ويعاني مواطنو تونس السود، من التمييز على أساس اللون، حيث انتشرت في المجتمع اعتداءات عنصرية من خلال توجيه أصحاب البشرة السوداء بألفاظ سيئة.

وتعرضت مضيفة طيران تونسية، إلى إساءة عنصرية في مايو الماضي، حيث قالت المضيفة إن إحدى المسافرات، وهي تونسية أيضا، وجهت لها ألفاظا عنصرية، بعدما ناشدتها الانتظار إلى حين إيجاد مكان لحقيبتها، وأثارت الحادثة استنكار الرأي العام التونسي.

وتكررت في تونس حوادث الاعتداء على الطلبة الأفارقة، حيث يعيش فيها نحو مليون مواطن، من أصحاب البشرة السوداء، ، بالإضافة إلى جالية تقدر بـ10 آلاف من جنسيات أفريقية مختلفة.

وفي عام 2016، احتج المئات من الطلبة القادمين من دول أفريقيا، جنوب الصحراء، اعتداءات عنصرية يتعرضون لها باستمرار في تونس، من بينها اعتداءات بسبب لون البشرة.

وبالإضافة إلى الاعتداءات اللفظية، يشكو المواطنون السود من تهميشهم في سوق العمل، وتعمد إقصائهم من المشاركة في الحياة السياسية وفي مواقع صنع القرار.

وانتقدت كسيكسي المشاركة الضعيفة، لذوي البشرة السوداء في الفضاء السياسي، مشيرة إلى أنه من حق هؤلاء المشاركة في الشأن العام عبر تكليفهم بمناصب سيادية.

وتعد تونس بلدا رائدا في إلغاء الرق والعبودية، على مستوى دولي، وكانت سباقة في قرار إلغائه عام 1846، إذ يعتبره المؤرخون أحد أبرز الإصلاحات الاجتماعية التي كرست ريادة تونس على الصعيدين العربي والإسلامي، من حيث تبني قيم الحداثة، عندما قرر أحمد باشا باي إلغاء الرق والعبودية، في خطوة جريئة وسباقة بمائة عام، على عدد من الدول العربية، وبعشرات السنين لأعاى الديمقراطيات اليوم .

وفي سنة 1861، صدر دستور عهد الأمان الذي سوى جميع التونسيين أمام الضرائب، وهو أول دستور تضعه بلاد عربية، لتمر البلاد بمرحلة تاريخية مصيرية صعبة، بانتقال ديمقراطي تشوبه عراقيل كثيرة، وتشترك فيه مع إرادة الشعب، قوى تخاف الحرية والتحرر، لكن بالرغم من ذلك فإن المجتمع مازال يعاني من ممارسات عنصرية.

واعترف المسؤولون بوجود مشكلة العنصرية في البلاد، وقال رئيس الحكومة التونسية، يوسف الشاهد، في تصريحات إعلامية سابقة له، إن بلاده لا تزال من البلدان التي يعاني فيها ذوو البشرة السوداء داخل المجتمع التونسي.

ودعا الشاهد النواب إلى تعجيل النظر في مشروع قانون يجرم العنصرية، مشيرا إلى أن المبادرة التشريعية التي أعدها المجتمع المدني وتبناها عدد من النواب، هي خطوة حقيقية نحو تجريم أشكال التمييز العنصري كافة.

وأكد رئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، جمال مسلم، أن العنصرية موجودة في تونس، والقانون خطوة ضرورية وإيجابية لتجريم كل سلوك عنصري، مضيفا: “القانون يجب أن يكون أشمل ويضيف حرية الضمير، والتمييز على أساس الانتماء الاجتماعي والطبقات المهمشة”.

واستحسن التونسيون مايو الماضي، اختيار التلفزيون الرسمي شابا أسمر، لتقديم النشرة الجوية، في خطوة تعيد الاعتبار للمواطنين أصحاب البشرة السوداء، وتدين ضمنيا أشكال الإقصاء والتمييز على أساس عنصري.

وتقول كسيكسي إن الخلفية الثقافية والموروث المتناقل، مسؤولان أساسا عن هذه الظاهرة في البلاد، معتبرة أن تصحيح المفاهيم الخاطئة، لدى التونسيين، يتطلب تضافر الجهود بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، لترسيخ قيم المساواة وقبول الاختلاف.

الامصار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق