بورتريه

الزعيم المجاهد محيي الدين القليبي(1901 ـــ 1954)

المغاربي للدراسات والتحاليل ______

بقلم المستشار عبد الله العقيل

ولد محيي الدين القليبي رحمه الله في تونس سنة 1901، تعلم في جامعة الزيتونة واشتغل بالصحافة حيث تولى تحرير جرائد ( الإرادة) اليومية  و(الصواب) الأسبوعية  و(لسان الشعب) الأسبوعية وترأس تحرير ( الزهرة) وهي أقدم صحف تونس العربية، وأدار أعمال الحزب الدستوري التونسي بعد سفر رئيسه (عبد العزيز الثعالبي) إلى الشرق وقد قال له الثعالبي جعلت الحزب أمانة في عنقك .

وقد اعتقله الفرنسيون سنة 1934 م. ونفي إلى الصحراء ثم أطلق سراحه بعد سنتين تقريبا، وحج إلى بيت الله الحرام سنة 1947 م ثم سافر إلى مصر واستقر فيها مواصلا العمل لقضية بلاده، حيث التقى الإمام الشهيد حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين الذي عاونه وساعده في التعريف بقضايا المغرب العربي من خلال صحف الإخوان المسلمين ومجلاتهم .

صفاته:

هو الرجل الفذ والزعيم بحق والمجاهد بصدق الذي يؤثر العمل على القول ويجول في البلاد الإسلامية شرقا وغربا معرفا بقضية بلاده المسلمة تونس التي استعمرها الفرنسيون وأذاقوا شعبها ألوان البلاء وأصناف العذاب ونشروا فيها الفسق والفساد وأحلوا فيها الدمار والخراب وعملوا على سلخها من دينها ولغتها وتجريدها من دينها ولغتها والقضاء على أخلاق أهلها ومسخ تقاليدها لتحويلها إلى قطعة من فرنسا ورذائلها ومباذلها .

ولقد اتصف الزعيم التونسي الكبير بالالتزام الإسلامي في قوله وعمله وأخلاقه وسلوكه كما كان النموذج الصادق للمسلم المعتز بدينه المستعلي بإيمانه المترفع عن مراتع خفافيش الظلام وأشباه الرجال من أدعياء الزعامة الفارغة والأمجاد الكاذبة من الدمى المتحركة التي يسلط عليها المستعمرون أضواءهم ليصنعوا منهم أبطالا يخدعون بهم الشعوب وهم في  حقيقة أمرهم عبيد للمستعمرين مسخرون لخدمتهم وترسيخ أقدامهم في ديار المسلمين .

معرفتي به:

رأيت صورته المنشورة في صفحة التعارف الإسلامي بمجلة “الشهاب” الشهرية التي كان يصدرها الإمام الشهيد حسن البنا سنة 1947 م وقرأت تعريف الإمام

البنا بشخص الزعيم القليبي فتعلق به قلبي وأكبرت جهاده وجهوده في سبل الإسلام والمسلمين خاصة بالمغرب العربي، وحين سعدت بلقائه وجدته أكبر مما كنت أتصور فهو شخصية فذة وداعية مجاهد صلب العود قوي العزيمة دائم العمل بالليل والنهار كثير التجوال والترحال في سبيل الله والمستضعفين في الأرض.

جولاته ورحلاته:

إن المجاهد محيي الدين القليبي قام بجولات أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات الميلادية في كل من  مصر وسوريا والعراق والأردن وغيرها من ديار العروبة والإسلام التقى خلالها برجالات الإسلام و أعلام الحركة الإسلامية أمثال الإمام الشهيد حسن البنّا  بمصر والشيخ الصواف بالعراق والدكتور السباعي بسورية وغيرهم من قادة الفكر ورجال الدعوة وزعماء المشرق العربي والمغرب العربي على حد سواء، حيث كانوا يتدارسون الأوضاع في بلدان المغرب العربي بخاصة والعالمين العربي والإسلامي بشكل عام، وكان الصراع المحتدم بين دعاة العروبة والإسلام من جهة ودعاة التغريب والفرنسة من جهة أخرى وكان الاستعمار الفرنسي يمد الفريق المعادي للعروبة والإسلام بكل وسائل الدعم والمساعدة والتأييد والمساندة والعون والتعضيد.

وكانت لقاءات القليبي مع القادة والزعماء المسلمين ذات مردود طيب وأثر نافع حيث أقيمت المؤتمرات وعقدت الندوات وقامت المظاهرات الصاخبة وارتفعت الأصوات تدين فرنسا وتطلب منها رفع يدها عن تونس وغيرها من بلاد المغرب العربي كما أصدرت مجلة الإخوان المسلمون الأسبوعية أعدادا خاصة عن شعوب المغرب العربي ومعاناتها من الاستعمار ضد فرنسا وكشفت عن جرائمها البشعة بحق هذه الشعوب المسلمة .

بساطته وزهده:

لقد كان الأستاذ القليبي بسيطا في مظهره غاية البساطة حتى أن أحد الإخوة السوريين المكلف بمرافقته اقترح عليه أن يرتدي ثيابا جديدة لمقابلة رئيس الوزراء الذي كان على موعد معه فغضب القليبي غضبا وقال للأخ: إننا لا نقابل الناس بثيابنا ولكن بنفوسنا والرجال بمخابرها لا بمظاهرها فسكت الأخ وردد قول الشاعر:

                             وإذا كانت النفوس كبارا             تعبت في مرادها الأجساد

توجيهاته:

كان القليبي في أحاديثه للشباب المسلم الذين التقى بهم  في  مصر وسوريا والعراق والأردن وفلسطين يؤكد على ضرورة بناء الشخصية الإسلامية المتميزة  بصفاء العقيدة وقوة الشخصية ومتانة الخلق ورجاحة العقل والحكمة والتروي في محاكمة القضايا والأحداث ويثير فيهم معاني الاعتزاز بالإسلام والانتساب لهذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس كما كان يؤكد على عالمية الإسلام ووحدة الشعوب الإسلامية وضرورة انصهارها في بوتقة واحدة ترفع راية التوحيد وتستظل بظلال الإسلا م الوارفة وتحكم شرعه بين الأنام كما كان يوضح بأن الطريق لتحقيق ذلك إنما يكون ببناء الرجال الأشداء الذين يسلكون مسلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين والسائرين على نهجهم دون التفات للمتخلفين أو المثبطين لأن الإسلام دين لا يهزم أبدا ولكن المسلمين ينهزمون إذا تخلوا عن منهج الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وينتصرون إذا تمسكوا بهما وإن سنن الله ماضية لا تحابي أحدا فمن زرع حصد ومن جد وجد ومن سار على الدرب وصل .

فعلى الشباب الأخذ بالأسباب وإعداد العدة ليوم النزال فأعداء الإسلام لن يتوقفوا عن حربه حتى يردوا المسلمين عن دينهم إن استطاعوا ويسيروا  في  ركاب الكافرين : ـــ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ــــ فخذوا حذركم يا شباب الإسلام فأنتم أمل هذه الأمة و عليكم معقد رجائها فلا تخيبوا آمالها فيكم وكونوا غدها المشرق وعدتها في الملمات .

محبة الشباب له:

لقد كان للقليبي مع الشباب المسلم بمصر والعراق وسوريا والأردن وفلسطين جلسات وسهرات وأحاديث وندوات ومحاورات ومساجلات استفادوا فيها من خبراته وتجاربه وتوجيهاته وتوصياته فأحبوه كما يحب الابن أباه أو التلميذ أستاذه وعاهدوه على أن يكونوا رجال الإسلام وحملة دعوته ولقد صدق الكثير منهم فيما قالوا فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر.

نعم لقد احتل الأستاذ القليبي قلوبنا وأحببناه من أعماقنا ووجدنا فيه الأب الحاني والأستاذ المربي والداعية الحكيم والعامل المخلص والرجل الشجاع لأنه من نوادر الرجال الذين آثروا ما عند الله وخرجوا من الدنيا الفانية وليس لهم من متاعها إلا الجهاد والمجاهدة والصبر والمصابرة فكان الدرة الثمينة في جبين الحركة الإسلامية ومهما حاول الأقزام وأشباه الرجال أن يسدلوا الستار على ذكره وأن يعفوا على رسمه، فإن أصحاب الحق في كل مكان يعرفون من هو الزعيم المجاهد محيي الدين القليبي كما أن المخلصين من الشعب التونسي المسلم والأوفياء من الرجال يدركون الدور العظيم الذي قام به من أجل دينه وأمته ووطنه ، والعالم الإسلامي يعرف للرجل مواقفه  المشهودة  في المؤتمرات وجهاده في سبيل الإسلام والمسلمين سواء في تونس أو غيرها من ديار الإسلام.

شهادة بحقّه:

يقول الأستاذ عصام العطار: ” رأيته أثناء انعقاد المؤتمر الإسلامي في القدس سنة 1935/ وقد اطلع بقامته الطويلة الهزيلة المنحنية قليلا عند الكتفين ووجهه المستطيل الحزين وجبهته  الواسعة وعينيه الصغيرتين المفكرتين ولحيته القليلة التي خطها الشيب ، كان يجلس وراء الصفوف في الحفلات والاجتماعات حيث يتقدم الآخرون وكنا نفتقده في مجالات المجاملة والظهور كما نفتقد بعضهم في مجال العمل المستور … وإذا كان هناك من حضر المؤتمر لإبراز شخصه فقد حضر هذا الرجل لخدمة قضيته فهو يطلب دوما العمل المنتج ويؤثر السبيل المثمرة فلا تراه إلا حيث النظر الجاد والتنظيم العملي والتنفيذ السريع.

لقد كان رائعا هذا الشيخ الطويل الهزيل الحزين ، كان أعظم من المظاهر التي استولت على بعض الحضور وكأنّما بالرجل يأس من جيل مضى  فهو لا يأمل إلاّ في جيل مقبل .

لقد امتاز القليبي بنظرة إسلامية خالصة، تكلم مرة في جمهور ضخم في قاعة الجمعية الغرّاء في دمشق بمناسبة حل الإخوان المسلمين يمصر سنة 1954 فأعلن أنه لا يقبل أن يقال : هذه قضية داخلية لا يتكلم فيها غير  المصري إذ هو لا يعترف بحدود الأرض أو حواجز اللغة بين المسلمين ولا يؤمن إلا  بوطن واحد هو وطن الدين لا وطن العصبية والطين .

ثم عرض لمسألة حلّ الإخوان المسلمين فربط هذه القضية بالمشكلة الإسلامية الكبرى وعاد بنا إلى جذور هذه المشكلة  في الزمان والمكان وإلى ظواهرها ماضيا وحاضرا وخلص إلى نتائجها المتوقعة مستقبلا، دون أن ينسى التذكير بسبل العمل الصحيح .

زرته في بيت محمد كامل التونسي وكان مريضا ممددا على السرير متورم الأطراف مصفر الوجه بادي الإعياء، وذهبت بعد ذلك بأيام لزيارة الأستاذ المرشد حسن الهضيبي في بلودان أثناء زيارته التاريخية لسوريا سنة 1954 م  فسألني : كيف حال الأستاذ القليبي؟ فأخبرته باشتداد المرض عليه ، فقال إذا رجعت إلى دمشق فأبلغه سلامي وقل له على لساني أن المسلمين لا يريدون منك الآن إلا إن تهتم بصحتك وزرته في المستشفى الجراحي ( دوما) وقد نقلوه إليه لاشتداد المرض وأبلغته سلام المرشد الهضيبي وأنه حملني إليك رسالة قال وما هي  قلت إنه يقول لك: أن المسلمين لا يريدون منك الآن إلا أن تهتم بصحتك وتترك ما تقوم به فانتفض انتفاضة شديدة وقال وما هي فائدة حياتي وصحتي إذا لم أؤد حق الله علي وأقم بواجبي، إنني أعيش للعمل في سبيل الله فلا أقبل أبدا أن أترك العمل للعيش، ثم قال بصوت رزين عميق وقد ترقرقت في عينيه الدموع إنني لأشعر بدنو أجلي ولدي أشياء أريد أن أقولها للمسلمين وأشياء أريد عملها لهم ولم يعد في العيش فسحة للانتظار فلا بد إذن أن أجهد نفسي لتحقيق ما أريد قبل حلول أجلي إنني لن أترك خدمة عقيدتي للاحتفاظ بهذا الجسد الفاني ولن أوثر سلا متي على أداء رسالتي فإذا قتلني الإجهاد كما تخشون فمرحبا بالموت في طاعة الله.

وبعد عدة أيام حمل الأستاذ القليبي إلى مستشفى المجتهد في الميدان بدمشق وفي الساعة العاشرة من آخر ليلة في شهر نوفمبر سنة 1954 زرته مع الدكتور مصطفى السباعي وكان غائبا عن الوعي فدعونا الله بقلوبنا الواجفة أن يكون مع هذا الرجل العظيم وفي اليوم الثاني كنت أسير في جنازة المرحوم القليبي وتكلم د. سعيد رمضان وتكلم الأستاذ التونسي وتكلمت فقلت: ما فقدنا الأستاذ القليبي … لقد انتقل من عالمنا الخارجي إلى عالمنا الداخلي ، لقد انطوت عليه الجوانح قبل أن ينطوي عليه القبر وضمه التاريخ إلى نفسه قبل أن يحتضنه التراب، إنه مثل رائع للنظرة الإسلامية الخالصة والقيادة الواعية والاستشهاد في الجهاد رحمه الله.

آثاره:

لقد كان الجانب العملي والطبيعة التنفيذية هي الطابع الواضح للأستاذ القليبي وكان يؤثرها على ما عداها ورغم أنه صحفي بالأساس ولكن حركته في أوساط الجماهير ودعوته العامة لنصرة الإسلام والمسلمين حيثما كان هي المحرك لكل نشاطاته ومع هذا فقد أصدر بعض الكتب منها على  سبيل المثال لا الحصر : مأساة عرش ـــ رسالة عن التعليم في تونس ـــ ذكرى الحماية

وغير ذلك من البحوث والمقالات والمحاضرات في مختلف الصحف والمجلات العربية بتونس وغيرها .

وشباب الصحوة الإسلامية بتونس يعرفون رجالها من أصحاب السابقة وذوى الفضل والرواد الأوائل الذين شقوا الطريق ورسموا معالمه وبينوا للأمة دورها وأهابوا بها للسير فيه إلى مواطن النصر.

وإنني لأدعو قادة الحركة الإسلامية المعاصرة في تونس لتقديم سيرة القليبي لإخوانهم العاملين معهم ليقفوا على الجوانب المشرقة والصفحات المضيئة من سجل جهاده المشهود ة وعمله الموصول ومواقفه الصلبة وآرائه السديدة وهذا أقل ما يجب من الوفاء لمثل هذا العالم العامل بعلمه والمجاهد الصادق الذي جاد به الزمان في أحرج الفترات فكان طليعة الركب وقائد المسيرة وبطل الأزمات ورجل المواقف .

نسأل الله العلي القدير  أن يجزي أستاذنا الكبير محيي الدين القليبي خير ما يجزي به عباده الصالحين وأن يوفق العاملين في حقل الدعوة الإسلامية بتونس وغيرها إلى الثبات على الحق والصبر على البلاء واستشراف النصر من واهب النصر لمن يشاء : ـــ ولينصرن الله من ينصره ـــ

                                 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق