إصدارات

اصدار جديد عن الشيخ المصلح وفيلسوف الساحل .. سالم بن حميدة

 

مثّلت مسيرة «المصلح المغبون» أو «فيلسوف الساحل» الشيخ سالم بن حميدة وهو أحد رواد حركة الاصلاح الاجتماعي وتحرير المرأة في تونس والعالم العربي الاسلامي مضمون الاصدار الجديد للاعلامي القدير والباحث الصحراوي قمعون.

عنوان جديد يتناول بأسلوب الكتابة الصحفية التحليلية التوثيقية اشكالية «الاسلام وتحرير المرأة» من خلال استعراض «معركة الشيخ المصلح سالم بن حميدة» الأب الروحي للطاهر الحداد وأستاذه في الدراسة.

الكتاب الذي يقع في 275 صفحة من الحجم المتوسط هو الاصدار السادس للمؤلف بعد كتابه الأول «معركة الاصلاح والتحديث في تونس» (2012) ثم كتابه الثاني «نساء رائدات في الحضارة العربية الاسلامية من القيروان الى بغداد» عام 2014 وكتابه الثالث «من أجل اعلام موضوعي تعددي» عام 2016 وكتابيه الرابع والخامس حول وكالة تونس افريقيا للأنباء أحدهما باللغة العربية والثاني باللغة الفرنسية عام 2017.

اصدارات الصحراوي قمعون تركزت إذن حول المسألة الحضارية والاشكاليات المتصلة بالاسلام في ربوعنا وعلاقته بالتحديث عموما والمرأة بشكل خاص، وبطبيعة الحال طبع الاعلامي والباحث المهووس بالصحافة كتبه بأسلوب الصحفي الاستقصائي اللاهث دوما وراء البحث للبرهنة على الفرضيات ولم يتأخر في سبيل تحقيق ذلك في الجمع بين الأدوات والمناهج والأساليب البحثية التي يعتمدها المؤرخون والموثقون وجميع المشتغلين في المبحث الاجتماعي والانساني.

ولعل أبرز وأطرف ما يجلب الانتباه في كتاب «الاسلام وتحرير المرأة» هو هذا «التواطؤ» الجميل بين ذات الباحث الصحفي وموضوع البحث الشيخ المصلح سالم بن حميدة الذي هو في نهاية المطاف صحفي قدير وقائد رأي وجدير بلقب الجندي في السلطة الرابعة زمن الاستعمار الفرنسي المباشر لبلادنا وهو ينحدر من مسقط رأس الكاتب أيضا، ومن خلال السيرة الذاتية للشيخ سالم بن حميدة الذي ولد عام 1882 أي سنة فقط بعد انتصاب الحماية بقرية اكودة بمدينة سوسة في «بيئة متعلقة بالعلم والمعرفة» نجح المؤلف في أن يقدم لنا العَلَمَ وبيئته وأثره وتأثيره في هذه البيئة لنكتشف في الأخير وبالفعل «مصلحا مغبونا» وفيلسوفا تنويريا تفلسف في العلم والثقافة والحضارة وحقوق الانسان وفي طليعتها حقوق المرأة.

أما «المصلح المغبون» كما وصفه الصحراوي قمعون فلأنه الأب الروحي للطاهر الحداد مثلا صاحب المؤلف الشهير «إمرأتنا في الشريعة والمجتمع» ويوم منع شيوخ الزيتونة المحافظون إقامة حفل لتقديم الكتاب خشي الأدباء والمثقفون من ذلك وتراجعوا عن حضور الحفل أو رئاسته فتقدم الشيخ سالم بن حميدة بشجاعة وترأس الحفل وألقى خطبة شجاعة يوم 17 أكتوبر 1930 ولم يكتف بذلك بل رافق معه الى الحفل احدى بناته اللاتي كن من أولى البنات اللاتي يدرسن في تونس في ذلك الوقت.

والطريف أن الشيخ سالم بقي خارج دائرة الضوء رغم أنه استبق الحداد بعامين بإصدار كتاب «الزهريات» الذي تضمن مقالات نثرية وقصائد شعرية تحوصل مجمل أفكاره الاصلاحية التي خاض من أجلها المعارك الإعلامية على واجهتين، الأولى هي اصلاح التعليم الزيتوني ومناهجه، والثانية معركة تحرير المرأة من ربقة الجهل والخنوع.

ويحسب للمصلح الشيخ سالم بن حميدة، وفق كتاب الصحراوي قمعون، أنه اعطى المثال ووفّق في ربط قناعاته وافكاره الاصلاحية بممارسته الحياتية اليومية فكان صحفيا مصلحا وأبا مصلحا ومدرّسا مصلحا ومثقفا مصلحا ورجل دين مصلحا أيضا وهذا الأهم في مسيرة الرجل الذي برهن على أن جوهر الاسلام لا يتعارض مع تمتع المرأة بحقوقها.

ولقد سبقنا «فيلسوف الساحل» في الإقرار بأن استعمال القلم والصحافة أداة مثلى للاصلاح الاجتماعي وتغيير الأوضاع وكان في هذا الاطار شجاعا بل مغامرا وفق السيرة التي قدمها المؤلف سواء من خلال مضامين كتاباته في الصحف التونسية على غرار «التونسي» و«المشير» و«المنبر» أو من خلال المجاهرة بمواقفه تجاه القضايا العامة في الفضاء العام للتعبير مثلا عن رفضه لعقم برامج التعليم الزيتوني وجمودها المؤدي إلى جمود عقول التلاميذ والأساتذة على حد السواء… كذلك الأمر بالنسبة إلى حالة المرأة في ثلاثينات القرن الماضي والتي شبهها بنوع من العودة إلى الجاهلية التي سبقت الإسلام والحال أن المرأة في التاريخ الإسلامي كانت في مكانة مرموقة من الرفعة والمشاركة في الحياة العامة الاجتماعية والسياسية.

إن مزايا الكتاب كثيرة على الرجل الذي شكل محور مضمونه فقد نزع عنه كثيرا من الغبن الذي لا نجد ما يبرره لدى المؤرخين، فالشيخ المصلح سالم بن حميدة واحد من جماعة الشباب التونسي ومن رفاق علي باش حامبة وقد خطب ذات يوم إلى جانبه في اجتماع احتجاجي في صحن الجامع الأعظم وقال «الحرية لا تعطى عفوا وانما تؤخذ قسرا.. لكن يجب قبل كل شيء استعمال الحكمة والرؤية للحصول عليها».

لقد أنصف الصحراوي قمعون المصلح سالم بن حميدة وحسنا فعل بتقديم إرثه وتجربته وتلخيص العبر منها من خلال معركة قديمة جديدة بدأها المصلحون في تونس أمثال بن حميدة نفسه وتلميذه الطاهر الحداد وغيرهما وكذلك في المشرق العربي أمثال محمد عبده وقاسم أمين ولا تزال متواصلة في هذه الأيام نتيجة الردة عمّا تحقق للمرأة من مكاسب بحجة الاسلام الذي هو براء من مثل هذه الجرائم والترّهات والمغالطات التي تفاقمت مع ظهور جماعات الاسلام السياسي.

الصحافة اليوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق