تقاريرتونس

هل يدفع الصراع بين “قرطاج” و”القصبة” الشاهد إلى الاستقالة؟

 

 

     أشهر قليلة بعد صعود يوسف الشاهد إلى منصب رئيس الحكومة في تونس، حتى بدأ الحديث عن أزمة عميقة بين قصري قرطاج (الرئاسة) والقصبة (الحكومة)، أزمة ما لبثت أن خرجت إلى العلن بعد أشهر من بقائها حبيسة أروقة الحكم لا نسمع عنها إلا قليلاً، خاصة بعد أن بدأ اسم الشاهد في الصعود محققًا نسبة ثقة كبيرة لدى عديد من التونسيين بعد إعلانه الحرب على الفساد، وفقًا لما تؤكده نتائج سبر الآراء.

نقل موازين القوى من “القصبة” إلى “قرطاج“:

تنحية الحبيب الصيد رئيس الحكومة السابق من منصبه، جاء نتيجة ممارسة هذا الأخير لمنصبه كرئيس للحكومة وفقًا للنظام السياسي الجديد في تونس، لا كوزير أول وفقًا للنظام السياسي القديم المعمول به في البلاد قبل الثورة، الذي يسعى الرئيس الباجي قائد السبسي إلى إعادته وفرضه على البلاد.

بعد تنحية الصيد، جيء بيوسف الشاهد القيادي الصاعد بحركة نداء تونس من وزارة الشؤون المحلية، وقُلد مفاتيح قصر القصبة، وعقب تشكيل حكومته، كان أول اجتماع لها في قصر الرئاسة بقرطاج ليؤكد ذلك سعي الرئيس الباجي قايد السبسي لوضع يده عليها والسيطرة على قرارتها.

وفي أول تعديل لحكومة يوسف الشاهد، عزز السبسي هيمنته عليها، فبعد أن كان التحكم في الحكومة يمارس في الخفاء، بات الأمر الآن علنيًا، فالفريق الحكومي الجديد ليوسف الشاهد يضم عديد من الشخصيات التي تحظى بثقة الرئيس الباجي قائد السبسي التي عملت معه في قصر قرطاج كمستشارين له.

فأغلب الوزراء وكتاب الدولة في حكومة الشاهد مسنودين من رئيس الجمهورية، خاصة فيما يتعلق بالوزارات السيادية، ومن هذه الشخصيات، محمد رضا شلغوم وزير المالية وحاتم بن سالم وزير التربية ووزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي الذي عمل مستشارًا للسبسي عندما كان الأخير رئيسًا للحكومة في سنة 2011.

وتؤكد التشكيلة الحكومية ليوسف الشاهد، تمكن السبسي من إضعاف مؤسسات الحكم في تونس، ونقل موازين القوى من “القصبة” (مقر الحكومة) إلى “قرطاج” (مقر الرئاسة) الذي ظل لعقود مصدر السلطة الوحيد في تونس والمتحكم في كل صغيرة وكبيرة في البلاد.

فالسبسي يرغب في العودة إلى نظام حكم الشخص الواحد الذي وضعه الحبيب بورقيبة ورسخه زين العابدين بن علي، نظام يكون فيه رئيس الجمهورية المتحكم الأول والوحيد بزمام الأمور في البلاد، وسبق أن أعلن السبسي نيته إجراء تعديلات دستورية، قائلاً إنه لا يرى مانعًا من تعديل الدستور بهدف اعتماد شكل جديد لنظام الحكم ولن يكون ضد أي مبادرة في هذا الاتجاه.

                                                                        يسعى السبسي إلى التفرد بالحكم

تتكون السلطة التنفيذية في تونس من رأسين: رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، الأول منتخب مباشرة من الشعب، لكنه لا يتمتع بصلاحيات واسعة، وتقتصر على تعيين مفتي الجمهورية وإعفائه، والتعيينات والإعفاءات في الوظائف العليا برئاسة الجمهورية والمؤسسات التابعة لها، وتعيين محافظ البنك المركزي باقتراح من رئيس الحكومة، وبعد مصادقة الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس نواب الشعب، والثاني منتخب من الأغلبية داخل البرلمان وله كل الصلاحيات.

“الشاهد” يحاول لملمة الأوراق:

لم يكن خافيًا على يوسف الشاهد سعي السبسي إلى سحب البساط من تحت قدميه وجعله دمية بين يديه، لذلك عمل على الاستناد بمجموعة من المنظمات والأحزاب والشخصيات التي كانت في وقت قريب إلى جانب الباجي قائد السبسي، غير أن إعادة تنظيم الحكم أبعدهم عنه.

فالشاهد الذي بدأ حياته السياسية مع الحزب الجمهوري (وسط) قبل أن ينتقل لحركة نداء تونس سنة 2012 كعضو في مكتبه التنفيذي، ويكلف برئاسة لجنة التوافق التي أسسها رئيس الجمهورية خلال الأزمة التي عصفت بحزبه “نداء تونس” أواخر سنة 2015، يسعى بدوره إلى تعبيد الطريق لقصر قرطاج حتى وإن نفى ذلك في أكثر من مرة.

وللوصول إلى مسعاه اختار رئيس الوزراء يوسف الشاهد إعلان حرب على الفساد، حيث خرج على التونسيين مساء الـ24 من شهر مايو الماضي، أمام بهو قصر حكومته بالقصبة بتصريح مقتضب أشاد به غالبية المواطنين حينها، قال فيه: “أنا ككل التونسيين في الحرب على الفساد، ولا خيار لي إما الدولة وتونس أو الفساد، وأنا اخترت تونس.

حرب على الفساد ورموزه، يسعى من خلالها السياسي التونسي الشاب إلى تلميع صورته من جهة ومن جهة أخرى يقضي على بعض الوجوه التي تدعم الشق الذي يواليه العداء ويسعى إلى إبعاده من الساحة السياسية في البلاد.

ومن أجل إعادة الأضواء إليه وتشكيل جبهة يستند عليها وتقويه في معركته مع السبسي وأتباعه في حزب نداء تونس، سعى يوسف الشاهد إلى جمع الغاضبين على نداء تونس والمغادرين لسفينة الحزب وقربهم إليه.

مفعول به لا فاعل:

سعي يوسف الشاهد إلى الزعامة لم يكن رغبته الشخصية فقط، فوراءه كثر، خاصة أن حملة الفساد التي أطلقها لم تكن غير إرادة شق في “النداء” يسعى لإعادة بسط نفوذه في البلاد وإحكام قبضته عليها بعد أن ضعفت وكادت تذهب لغيره.

فالشاهد لم يبدأ هذه “الحرب”، حسب وصفه، إراديًا بل كان مأمورًا يتلقى الأوامر ممن أعلى منه مكانًا وممن أوصله لما هو فيه اليوم من منصب، فرئيس الحكومة التونسية لا يمتلك الرغبة ولا القدرة ولا الإمكانية لمحاربة الفساد، وإنما له إمكانية السمع والطاعة فقط.

وزير الداخلية يشعل الصراع:

هذا الصراع بين مراكز القرار في القصبة وقرطاج، يبدو أنه في طريقه إلى الحل، فعديد من المصادر والتقارير تؤكد قرب الإطاحة برئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي بدأ سماع صوته وتداول اسمه ورؤية صورته تقلق بعض المتنفذين في حزب “النداء” الذين لا يريدون لأحد أن ينافسهم أو يفوقهم جاهًا ومكانةً على رأسهم نجل الرئيس حافظ قائد السبسي.

ما يؤشر على قرب النهاية، تحركات وزير الداخلية لطفي براهم الأخيرة والضوء الأخضر الذي يتمتع به من الرئاسة رغم العديد من الأخطاء التي قام بها والتجاوزات الأمنية في عهده، في تحدِ صريح لرئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي عبر للمقربين منه عن امتعاضه من براهم بسبب قربه من قصر قرطاج أكثر من قصر الحكومة بالقصبة، وتنفيذ لأوامر السبسي.

ومؤخرًا، زار براهم وعدد من المسؤولين الأمنيين التونسيين البارزين الجزائر وبعدها المملكة العربية السعودية بموافقة من السبسي، حيث التقى هناك الملك سلمان بن عبد العزيز ووزيري الداخلية والخارجية السعوديين وعددًا من كبار المسؤولين الأمنيين في المملكة، وفي ذلك تجاوز للشاهد.

                                               لقاء وزير الداخلية لطفي براهم مع العاهل السعودي الملك سلمان

تقول مصادر مقربة من جهات القرار في تونس، إن بوادر الخلافات والصراع بين وزير الداخلية لطفي براهم ورئيس الوزراء يوسف الشاهد زادت حدتها في الفترة الأخيرة، نتيجة تعمد براهم الاستقواء بقرطاج، دون إعطاء الشاهد أي اهتمام.

وكان غازي الشواشي الأمين العام لحزب “التيار الديمقراطي” حذر رئيس الحكومة يوسف الشاهد من مصير مشابه لسلفه الحبيب الصيد، مشيرًا إلى أن “قصر قرطاج وحزب النداء شق حافظ قايد السبسي بصدد الإعداد لسيناريو مماثل لسيناريو سحب الثقة من حكومة الحبيب الصيد وذلك في اتجاه إسقاط يوسف الشاهد وإطاحة حكومته أو إرغامه على الاستقالة”.

تؤكد هذه المعطيات أن ما يحصل اليوم في تونس يدخل في إطار حرب التموضع والأجنحة بين قصري قرطاج والقصبة وهي الحرب التي نتج عنها فشل الحكومة فشلاً ذريعًا في القيام بمهامها باعتبار أن أعضاءها منهمكين في هذه الحرب بدل التفرغ لمهامهم الأساسية.

عائد عميرة __ نون بوست

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق