إصدارات

الكتاب 127 لمركز المسبار للدراسات والبحوث :’ عودة المقاتلين من بؤر التوتر’

 

 

هل يكرّر التاريخ نفسه؟ سؤال يعاد طرحه اليوم ونحن نتأمل الظاهرة ونقرأ «عودة المقاتلين من بؤر التوتر». ونتوقف عند «التحديات والإمكانيات» المتاحة لضبط الاستراتيجيات الوقائية والتأهيلية والاستباقية في مواجهة هذه الظاهرة مثلما شخّصها وصاغها المشاركون في الكتاب الشهري عدد 127 الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث.

هذا الكتاب الدوري الذي يقع في 387 صفحة من الحجم المتوسط ساهمت فيه ثلة من الباحثين العرب والأجانب وأشرف عليه الأستاذ بالجامعة التونسية محمد الحداد ويجد فيه القارئ ايضا مساهمات لمشاركين اخرين من تونس هم على التوالي محمد كمال الحوكي والمختار بن نصر ومنذر بالضيافي والزميلة منيرة الرزقي.

وكما جاء في تقديم رئيس التحرير تركي بن عبد الله الدخيل، فإن مشروعية طرح السؤال عن تكرار التاريخ لنفسه ولو في شكل مأساة أو مهزلة تتأتى من استحضار ما يعرف بـ«الأفغان العرب» الذين خاضوا عمليات عسكرية ضد الوجود السوفياتي في افغانستان في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي ضمن منظور «جهادي سلفي» وأصبح هؤلاء لاحقا عبئا أساسيا على بلدانهم بعد عودتهم ولنا في التجربة الجزائرية ما بين عامي 1989 و2003 دروس واستخلاصات عدة عن «إحتواء الراديكالية الجهادية وضبط مخاطرها».

اليوم، ثمة ظاهرة متابعة وفيها قواسم مشتركة عديدة وهي تهمّ آلافا بل عشرات الآلاف من الاشخاص المنتمين إلى زهاء 100 بلد يسميهم البعض بـ«المقاتلين الاجانب» والبعض الاخر بـ«المجاهدين» أو «المرتزقة» أو «الارهابيين» او «التكفيريين» أو «الإسلاميين المتطرفين» وغيرها من الأوصاف والنعوت لبشر تدفقوا على سوريا والعراق منذ عام 2011، خمسهم من الغرب لا سيما أوروبا ولا يتماثل حجم المشكلة في كلّ بلد أوروبي فقد جاءت أكبر المجموعات من فرنسا (حوالي 1700) والمانيا (760) والمملكة المتحدة (760) وبلجيكا (470) والسويد (300) والنمسا (300) وهولندا (250) وأمريكا (200).

أما عربيا فتأتي تونس للأسف في الصدارة (بين 3 و7 الاف) وبعدها السعودية (2500) ثم الأردن والمغرب (1500) ومصر (بين 350 و600) وهي ارقام تختلف من جهة الى اخرى مثلها مثل أرقام «العائدين» وكذلك «القتلى» الذين قضوا في ساحات المعارك في العراق وسوريا وليبيا ايضا أين يقدّرون بالمئات هناك.

ولا تكمن أهمية هذا الاصدار العربي الذي ساهم فيه باحثون أجانب ايضا في تقديم هذه المعطيات الرقمية وغيرها فقط بل وفي القراءات العميقة، أيضا، في جذور الظاهرة وأسباب تكرارها وانتشارها في دولنا العربية الاسلامية وكذلك الدول الغربية أيضا حيث ظهر من خلال البحوث والمقاربات العلمية انها ساحات تجنيد خصبة لـ«الجهاديين» والتكفيريين والمتطرفين لاعتبارات اجتماعية وتاريخية واقتصادية وثقافية. تكمن الأهمية في صفارة الانذار التي أطلقتها الباحثة المغربية إكرام عدنني في مساهمتها بعنوان «سلوك المقاتلين الشباب العائدين من بؤر التوتر وتداعياته» بالقول «ستكون هذه السنة الأصعب على الأجهزة الأمنية في مختلف الدول العربية ذلك أن الآلاف من العائدين اكتسبوا قدرات قوية في القتال بين صفوف الجماعات المتطرفة كالنصرة وداعش واكتسبوا خبرة استخدام الأسلحة وصناعة واستخدام المتفجرات وتعرفوا على تكتيكات حربية جديدة ومن الممكن ألاّ يتوانى هؤلاء الشباب عن القيام بمختلف العمليات الارهابية وتنفيذ الأوامر التي يتلقونها من قادتهم والتي تشمل حتى العمليات الانتحارية».

وقد وجدنا ما يبّرر هذه الخشية وهذا التحذير في مجمل البحوث التي تضمنها الكتاب الدوري، ولفت انتباهنا بحث الزميلة منيرة الرزقي التي أنجزت استقصاء ميدانيا شمل عينة ممثلة من التونسيين لمعرفة الرؤى والافكار التي يحملها عموم التونسيين عن ظاهرة عودة المقاتلين من بؤر التوتر.

والعلامات المضيئة في تقديرنا على الأقل لنتائج العمل الميداني هو التأكد من أن التونسيين يحملون صورة سلبية جدا وغير مطمئنة ومخيفة عن «الجهادي» التونسي. ليس ذلك فحسب إذ يدين التونسيون أيضا الخلفيات والافكار والرؤى التي يحملها هؤلاء المقاتلون ويقولون انها تتنافر مع قيم الحداثة والتنوير. ويخشى التونسيون كثيرا من «صوملة» بلادهم وهم لا يمانعون في تأكيد ضرورة اتخاذ أقصى العقوبات ضد هذه الفئة «الضالة» وثمة حتى من يذهب الى حد المطالبة بتجريدهم من الجنسية التونسية.

أما سياسيا، فقد بدا الأمر مختلفا نسبيا ومحكوما بضوابط الدولة والقانون والالتزامات في هذا المجال لذلك لم يتردد «المسؤولون» في التسليم بأن يكون القانون هو الفيصل الى جانب المراوحة بين التهويل والتهوين.

ويظل الإشكال وفق ما خلصت اليه الباحثة بعد استطلاع رأي النخب وخاصة جماعات حقوق الانسان في نجاح المقاربة العلاجية التي توفق بين الردع واحترام معايير حقوق الانسان.

ولعل أهم ما خلصت اليه الزميلة منيرة الرزقي هو ما أظهره العمل الميداني من غياب حاضنة اجتماعية حقيقية يمكن أن يلوذ بها هؤلاء «المقاتلون» اذا ما راموا العودة الى تونس وهو مؤشر هام على أنّ الانتصار بين الحرب على الارهاب في بلادنا وغيرها من دول العالم لا يزال ممكنا وهذا التفاؤل يتقاسمه مؤلفو الكتاب الشهري 127 من اصدار مركز المسبار للدراسات والبحوث في شهر جويلية 2017 بدولة الامارات العربية المتحدة.

مراد علالة

المصدر: الصحافة اليوم

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق