رأي

تركيا أردوغان … القبض والبسط

 

 

المغاربي للدراسات والتحاليل __ تونس:

لو كنت مكان أردوغان بأيّ عين كنت سأشرف على المنطقة وأرى بها الأمور؟ هناك في تركيا مؤسسات ولا شكّ وبعضها يجتهد في تفكيك كلّ المشهد ووضع ما يلزم من خطط. هناك الإرث العثماني. أحد الأصدقاء المتقنين للتركية والمتابعين الجيدين ليوميات وتطورات تركيا يقول لي أنّ هذا الإرث ضخم ومحدّد جدا للرؤية الإستراتيجية التركية. هناك عنصر يعمل في خلفية أصحاب القرار في تركيا وهذا العنصر مرتبط بالأرض إما خوفا عليها أو غنما فتحا لها.

العثمانية بنت امبراطورية شاسعة دامت واتصلت قرونا وبنت أساطيل ضخمة عبرت بها إلى مناطق شاسعة بعيدة. هذا يبقى في الذاكرة وهذا يوجّه المقاربات والسياسات. تعرّضت التركة العثمانية إلى كثير من القضم وتركيا التي نراها اليوم كيان تشكّل بعد انكفاء فرضته الحروب والمعاهدات. تركيا قوية ولا شكّ ولكن من استبطن ماضيا امبراطوريا يفهم أنّ الأرض جزء من معادلة والجزء الآخر هو القوّة. يمكن أن تكسب أرضا ويمكن أن تضيعها. وعليه فإنّ الأتراك بين قبض وبسط. يبنون قواعد في قبرص وقطر والسودان وحيث حانت فرصة وهذا بسطهم. أما قبضهم فخوفهم من تقسيم تركيا.

قد يكون بسط من فرط قبض وحضور الأتراك في سوريا والعراق مزيج قبض وبسط. يتحرّكون بين فاتحين لأرض الغير ومدافعين عن أرضهم. لما بدأت تركيا تدخّلها في سوريا قدّرت أنها تفتح سوريا وعبرها ما أبعد منها. الآن تتشبّث بعفرين لمنع أن يأتيها من عفرين ما تحذر وتخاف. من الصعوبة بمكان على عقل بين الإمبراطورية والعقدية أن يذعن للحدود. روح الهيمنة والانتشار متشبثة بهذا العقل رغما عنه وتحرّكه رغما عنه. اصل تركيا امبراطورية باديولوجيا بين قومية ودينية. هذا الاصل يعرفه الأتراك ويعرفه غيرهم. وهذا الغير لا يختلف كثيرا عن الأتراك. جوهرا هكذا يسلك الغرب ويفكر وغير بعيد عن تركيا دول ماضيها إمبراطوري وضخم.

وحدهم العرب خرجوا من هذه المعادلة ورضخوا بفعل الاستعمار والصهيونية للتفتيت والشرذمة ودفنوا الحلم الجمعي. وفي قلب العرب كيان عنصري بروح عقيدة وبطموح امبراطوري عاصمته قدس تُحفر عميقا لاستعادة الهيكل السليماني. كلّ هذا مؤثّر في شخصية أردوغان بما هو تركي وحفيد عثمانيين ولكن النزوع الفردي الشخصي قوي عند هذا الرّجل بل إنه الأحرص على إبرازه في كلّ مرّة. يستمع الى المستشارين وينتظر أن تُرفع إليه التقارير ولكنّه في ذاته سلطة قرار وانتصار لرأي ومغامرة وأخذ قرار. الذات تصنعها المنعطفات والتجارب وتهزّها الأحداث. وأقصد بالحدث تلك اللحظة العاصفة نفسيا وعاطفيا وذلك الإستثناء الذي على أساسه وانطلاقا منه يعاد تعديل الأولويات وتحيين الأولويات.

لا أعتقد أنّ أردوغان مرّ بتجربة بضخامة المحاولة الإنقلابية الأخيرة. وما كشفته هذه المحاولة ضخم وخطير: الانقلاب كان أمريكيا ووظّف قاعدة أنجرليك وهي عنوان انخراط تركيا في الحلف الأطلسي. ما الذي يمكن أن ينتج عن هذا الاكتشاف؟ ببساطة قناعة متينة بأن الخطر على تركيا أمريكي قبل أن يكون غير ذلك. هناك خطط أمريكية لسوريا تتجاوز الدمقرطة ولا يعمى عن هذا إلا من كان بين أحمق وعميل. الخطط لسوريا جزء من خطط واسعة لكلّ المنطقة المبرمَج لها أن تخضع بالكلّية للصهيوني. هذا الإخضاع لا يمكن أن يستثني تركيا ولا يمكن أن يُقبل من تركيا رفض أو مقارعة هذا الإخضاع الخضوع. العلاقات التركية السورية كما العلاقات التركية الايرانية وحتى العلاقات التركية العراقية تغيّرت حتما وتتحوّل تكتيكية. هذا يعني أنها ما عادت فاتحة على صدام لا رجوع عنه. قد ترتفع فيها النبرة وقد يحمى الوطيس ولكن ذلك من المناورة وتحسين الشروط.

يعرف الأتراك أن خطط الأمريكيين أن تصطدم تركيا بمن يتجنبون الإصطدام بهم من روس وايرانيين وسوريين وعراقيين. التركيز الإستراتيجي التركي بعد الإنقلاب على الأمريكيين. القراءة الباردة المتأنية كما صدمة الذات الأردوغانية تفرضان ذلك. وعليه فإنني أنصح بتعامل رصين مع التطورات بين الغوطة وعفرين. الحملات الإعلامية التي نشهدها خليجية بالأساس وما عاد للخليج نفوذ يعوّل عليه وإنما تجتهد ماكينات الخليج لحساب أمريكا واسرائيل. ولا يستفيد أردوغان من هذه الماكينات إلا لتسجيل بعض نقاط. هذا يعني أنه لا يبني عليها ويقامر ويصطدم بالسوريين. هو يعلم أنه إذا فعل هذا يكون أول المتضررين ويستفيد الأعداء الحقيقيون الذين خططوا لتصوير أردوغان سارقا قبل تصفيته بأبرد دم.

من يعرض الأشلاء والجثث لا يعرض كلّ الأشلاء والجثث. هو يصنع بها رأيا ويرسم سياسة ويحضّر حدثا. من يفعل هذا؟ هو معلوم ولكنّنا نتصرف بحضرته وكأنّه نبي مجهول.

منصر الهذيلي 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق