تونسمجتمع

محكومون بمائة عام سجن وأكثر في تونس

 

 

 

 

         تصدر أحكام طويلة بحقّ بعض السجناء في تونس. ويبحث البعض في تأثير هذه السنوات الطويلة عليهم، وإن كانوا يتمتعون بفرصة العفو.

أخيراً، حكمت الدائرة الجنائية الرابعة في محكمة تونس الابتدائية، بسجن موظف يدعى م. م. غيابياً، لمدة 161 عاماً، لتورّطه في 23 قضيّة تتعلق بالاستيلاء على أموال عامة بمقتضى وظيفته. وهذه ليست القضية الأولى في تونس التي يتجاوز فيها الحكم المائة عام. وقبل نحو عام، أوقفت فرقة الشرطة العدلية التابعة لمنطقة الأمن الوطني في القيروان شخصاً من مواليد عام 1967، صدر في حقه 81 منشور تفتيش وأحكام بالسجن بأكثر من مائة عام في قضايا شيكات من دون رصيد. كذلك، اعتقل آخر في صفاقس في رصيده نحو 20 مذكرة توقيف ومحكوم بمائة عام بتهم ترويج المخدرات.

وتُصدر أحكام طويلة الأمد تفوق المائة عام، في حال كان هناك عدد كبير من القضايا، بحسب الناطق الرسمي باسم السجون، سفيان مزغيش. ويقول لـ”العربي الجديد”، إنّ “غالبية القضايا التي تكون مدتها طويلة تتعلق بالشيكات والتدليس. لذلك، يصدر حكم بكل قضية على حدة.

ولكن عادة ما تضم الأحكام أو تخفض، بحسب طبيعة القضية، إلى 30 عاماً، مع إمكانية التخفيض سنة أو سنتين إضافيتين في العفو”. يضيف: “نادراً ما تبقى فترة الحكم بحق المتهم طويلاً، أو يقضيها السجين فعلياً”. ويوضح أن “هذه الأحكام عادة ما تكون عند التصريح بالحكم، أي في الطور الابتدائي، وهي قابلة للاستئناف”، لافتاً إلى أن غالبية الأحكام في قضايا طويلة الأمد تكون 30 عاماً أو مدى الحياة، علماً أن أثر الجريمة يتقلص مع الوقت، حتى على المتضررين.

بدوره، يقول الباحث في السجون، سامي نصر، لـ”العربي الجديد”، إنه زار سجناء حكموا بأحكام طويلة الأمد، مضيفاً أنه ما زال يتذكر سجيناً في سجن 9 أفريل سابقاً، وقد حكم عليه بـ130 عاماً. ويبين أن هؤلاء الأشخاص عادة ما لا يبالون بطول المدة. ويشير إلى أن ذلك السجين قال مازحاً لبقية السجناء: “لو جمعتم كل أحكامكم ستصلون إلى العقوبة التي أقضيها”.

ويرى نصر أنه “حين لا تضم القضايا، وتصدر أحكام بكل قضية على حدة، خصوصاً في قضايا الشيكات من دون رصيد، من الطبيعي أن تكون الأحكام مرتفعة. وعادة ما لا يهتم القاضي بعمر المتهم، والأعوام التي سيقضيها خلف القضبان، بل يستند إلى نص قانوني، وكلّ عقوبة تقابلها أحكام معينة. للأسف، ليس هناك اجتهاد من بعض القضاة في هذا الباب، لأنهم يتقيدون بالنصوص والمجلة الجزائية، وكأن النصوص القانونية خط أحمر”.

ويقول نصر إن الأحكام الكبيرة، والتي تفوق المائة عام، هي أحكام قاسية. لكنّه لاحظ أنه كلما طالت المدة، غاب تأثيرها ووقعها على المتهمين. أحياناً، يكون شخص ما محكوماً بثمانية أعوام، ويشعر بالحزن ويفكر في المدة التي سيقضيها، في حين أن شخصاً محكوماً بـ130 عاماً لا يبالي. يضيف: “الجيد أن البعض قد يغادر السجن إذا حلّت قضية الشيكات على سبيل المثال”.

يشار إلى أنه بحسب القانون المتعلق بالشيكات من دون رصيد، أي القانون عدد 37 لعام 2007، فإنه من الممكن خلاص الخطية أو إسقاط العقاب بالعفو وسقوطه بمرور الزمن، وأن الدعوى العامة تنتهي بمقتضى التسوية. ويؤكد المحامي مالك البدري لـ”العربي الجديد”، أن الأحكام الطويلة تتعلق بقضايا عدة وليس بقضية واحدة. على سبيل المثال، في حال سرق شخص محلاً، ونجم عن السرقة تهديد وجريمة قتل، فإن سلسلة الجرائم هذه تتعلق بقضية واحدة متصلة ببعضها بعضاً، بالتالي يكون الحكم فيها واحداً، ويختار المشرع العقوبة الأشد، من دون أن تصدر الأحكام بحسب كل قضية على حدة. أما في حال كانت الجريمة متنقلة، بمعنى أن الفاعل احتال واعتدى وزور وثائق، خلال فترات زمنية متباعدة، فلا تُضمّ القضايا إلى بعضها بعضاً، ويحاكم المتهم في كل قضية على حدة. وفي بعض الحالات، تكون الأحكام كبيرة. يضيف أن المتهم قد يمر على عدد من القضاة ودوائر مختلفة، أي جنائية وجزائية، وكل ملف تنظر فيه هيئة قضائية على حدة. بالتالي، قد يحكم بـ40 سنة في قضية، و30 سنة في قضية أخرى. وكل قاضي يستند إلى النصوص القانونية ولا يهتم ببقية العقوبات التي صدرت عن دوائر قضائية أخرى.

ويقول الكاتب العام لمرصد الحقوق والحريات مالك بن عمر لـ”العربي الجديد”، إنّه صدرت في حق الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي ما لا يقل عن 5 أحكام بالإعدام وأخرى بالمؤبد، وأحكام طويلة المدى، إذ إنه متهم في عدد من القضايا والجرائم، وقد تمت غالبيتها غيابياً، ما يعني أنه يمكن الاستئناف. ويبين أن أقصى عقوبة في السجون التونسية هي مدى الحياة. لكن عندما يكون عدد القضايا مرتفعاً، فإن المجموع قد يصل إلى مائة أو مائة وعشرين عاماً وربما أكثر. وهذه الأحكام تكثر في حالات إصدار شيكات من دون رصيد. فإذا كانت عقوبة كل شيك خمسة أعوام، وفي حال إصدار شخص 50 شيكاً، تكون العقوبة مرتفعة، ولا يمكن ضمّها، بل الحصول على العفو بعد حلها. يضيف بن عمر أنّ المشرع التونسي وضع في الاعتبار شروطاً للتخفيف، خصوصاً في قضايا الشيكات من دون رصيد.

العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق