تونسرأي

البديل الوطني للخروج من الأزمة في تونس

 

 
المغاربي للدراسات والتحاليل ___ توفيق المديني: 

 

في ظل تقاسم الأدوار و الوظيفة السياسية بين الرئيس الباجي قائد السبسي والشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة، دفاعاًعن التوافقية بفهمها المحدود للديمقراطية ، تشكلت في تونس إقطاعيات حزبية في مؤسسات الدولة ، وتجمّعت لتشكل “لوبيات ” منهم من يُعلن انتماءه بشكل واضح ومنهم من لا انتماء له سوى مصلحة شخصية يسعى الى الحفاظ عليها بربط شبكة من العلاقات التي تمتد إلى كل الاحزاب وكل مراكز القرار ..فظاهرة سيطرة “اللوبيات ” على المشهد السياسي أصبحت لافتة للنظرومحل اهتمام كبير من قبل المتابعين للحركة السياسية في تونس ,وقوضت إمكانية “المحاسبة” التي تمثل عنصرًاأساسيًا لأي نظام ديمقراطي. فاقتسام الدولة إلى إقطاعيات ولوبيات بين الإئتلاف الحاكم المتكون من اليمين الديني و اليمين الليبرالي،يعني بالضرورة اتفاقاً على حصانة كل حزبي النداء والنهضة بالتحرك في مجاله. ولأن البرلمان نفسه صار جزءاً من نظام الإقطاعيات واللوبيات ،فإنّه فقد دوره كهيئة رقابة ومحاسبة، بل وبات الرمز الأول للفساد في نظر الكثير من التونسيين، لا سيما حين أقر قانون المالية لسنة 2018.

لا شك أن المطالب الاجتماعية العادلة التي حملها الشباب الغاضب و المهمش و العاطل عن العمل في حراكه الاجتماعي السلمي الأخير ، و المتمثلة في الحق بالعمل، والتنمية ، والعدالة الاجتماعية، والحوكمة الرشيدة، تم إجهاضها من خلال الأعمال الإجرامية التي حدثت منذ البداية ، الأمر الذي جعل كثيرون يتحدثون عن “مؤامرة ضد الثورة وضد إرادة الشعب”، لكن المشكلة الأكبر، في هذا السياق، أن كل طرف سياسي بات يحاول توظيف الحديث عن “المؤامرة” ضد خصومه السياسيين . فالإسلاميون (حركة النهضة) المشاركون في الحكم يتهمون اليسار(الجبهة الشعبية) بالعمل على إسقاط الحكومة، وتأجيج الفوضى والانفلات، في حين أن اليسار ممثلاً في “الجبهة الشعبية” يتهم الإسلاميين والمهربين بتخريب الثورة لوراثة حزب “نداء تونس” المتآكل.

وترفض الحكومة الحالية برئاسة يوسف الشاهد الإصغاء للأحزاب السياسية، والنقابات ، ومنظمات المجتمع المدني ،والنخب الفكرية المبعدة عن السلطة ،التي تنادي بتجسيد القطيعة مع نموذج التنمية السابق الذي وصل إلى مأزقه المحتوم، بل إننا نجد الحكومة التونسية اليمينية المندمجة في نظام العولمة الليبرالية المتوحشة ،تطبق سياسة الإصلاحات المالية التي فرضها كل من صندوق النقد الدولي و البنك الدولي، والتي قادت إلى تصاعد اللامساواة الناتجة عن الخيارات والسياسات الاقتصادية، وإلى زيادة شعور المنتمين إلى الطبقات و الفئات الفقيرة المتوسطة بأنهم يعيشون مواطَنية منقوصة، بل إنهم متروكون، وأن الثورة نفسها لم تقطع جذرياً مع صيرورة اللاعدالة المرسخة عبر الزمن.

فقد اتجهت الإصلاحات التي تم الاتفاق على إجرائها في إطار “العلاقة الحميمة” مع صندوق النقد الدولي إلى إفراغ فكرة المواطَنة من مضمونها الاجتماعي الذي يضمن الحد الأدنى للكرامة الاجتماعية، و إلى دفع الشعب التونسي ثمن الجشع الرأسمالي الذي انطلق بلا حدود، وبلا كوابح ، لا سيما حين أقرّ الرئيس التونسي السيد الباجي القائد السبسي قانون المصالحة الاقتصادية و المالية الذي يتناقض مع مسار العدالة الانتقالية، و الذي يريد تبييض جرائم رجال الأعمال الموسومين بتهم الفساد وسرقة المال العام ، أو حين طرح البديل في مواجهة الاحتجاجات الشعبية ، المتمثل في السياسات الترقيعية التي ترفع شعارات فضفاضة تتعلق بـ”الحوار الوطني حول تجديد وثيقة قرطاج “،في الوقت ذاته تتجه الحكومة إلى السياسات الأمنية لمعالجة الاحتجاجات الاجتماعية..

إن البديل الوطني في تونس يتمثل في تحقيق انتظارات الشعب التونسي عبر ميلاد حكومة وطنية تلتزم ببرنامج وطني ينطلق من الأمور التالية:

الأول: تأسيس تنمية اقتصادية مستدامة في البلاد من نوع آخر ،مكان النظام الاقتصادي المهترء و الفاقد لكل صلاحية وشرعية ، تنطلق من بناء الاقتصاد الاجتماعي التضامني ، ومن خلال هذا الخيار ، لا يمكن التعويل على قوى السوق وآلياته في تحقيق هذا الهدف، حيث إن المطلوب هو التحرر من القيود الرأسمالية العالمية، لأن منافعها تعود إلى الطرف الأقوى على حساب الطرف الضعيف، فتزيد القوي قوة، والغني غنى، وتزيد الضعيف ضعفاً، والفقير فقراً. ويصح ذلك على العلاقات داخل الدولة، وفي العلاقات الدولية.

الثاني: الانطلاق من مفهوم الاعتماد على النفس، وإعادة الاعتبار إليه، وإعادته إلى النسق المجتمعي بدلاً من النطاق الفردي، دون الانعزال، ودون الوقوع في فخ التبعية.

الثالث:القيام بالإصلاح الاقتصادي والاجتماعي الذي ينطلق من سياسات التنمية الشاملة والمستدامة، وتحقيق هدف زيادة معدلات النمو الاقتصادي مع تحقيق عدالة التوزيع, والعدالة الاجتماعية، وحُسن توزيع الدخل والثروات،و ترشيد كفاءة السياسات الاستثمارية،و التفاعل الإيجابي بين التوجه التنموي للدولة والمشروع الخاص، وتحقيق العلاقة الإيجابية بين فوائد السوق والتدخل الحكومي ،و إدارة عملية التقدم التكنولوجي والمعرفة، بما في ذلك إصلاح التعليم ، والتوجه على نحو عملي وفعال لمعالجة مشكلة الأمية والبطالة في المحافظات الفقيرةالتي عانت من التهميش وغياب مشاريع التنمية،من أجل منع استقطاب الشباب المهمش والعاطل عن العمل من قبل التنظيمات الإرهابية.

الرابع:على الدولة التونسية أن تتدخل لبناء الاقتصاد الاجتماعي التضامني ، القادر وحده على تصحيح التوازنات المفقودة لمنوال تنمية تونسي في أزمة. ومن بين هذه التوازنات المفقودة في تونس، هيمنة نمط (رأسمالي )وحيد على المؤسسة والموجه نحو خلق قيمة لفائدة الطبقة الرأسمالية الطفيلية و رجال الأعمال الفاسدين ،و التوسع الهائل لنطاق السوق والمنافسة لمصلحة أقلية وخصوصًا على حساب الخدمات ذات المصلحة العامة، وتقلص التضامن الجماعي و الديمقراطي مقابل التضامن الإنساني و الخيري(غالبا ما تحكمه شبكات محسوبية ذات طابع ديني ) و لا سيما في تونس خلال فترة حكم الترويكا بقيادة حزب النهضة الإسلامي ، وتفاقم ظواهر الاقصاء الاقتصادي و الاجتماعي و التهميش الثقافي في الولايات التونسية الداخليىة و الواقعة على الحدود مع الجارتين الجزائر و ليبيا، و تفاقم اللامساواة داخل المؤسسة،وبين المواطنين، و بين الجهات ، وبين الولايات الداخلية و الولايات الساحلية المطلة على البحر،والمقاربة الضيقة لمعنى الثروة و الرفاه التي انحصرت في البعد الاقتصادي فحسب، وتجاهلت البعد الاجتماعي و البيئي، إلى جانب رؤية للدولة الاجتماعية مقتصرة على دور الترميم وتخفيف الصدمات متجاهلة دورها في الوقاية و الاستثمار الاجتماعي، علاوة على حرمان المواطنين من المشاركة النشطة في اتخاذ القرارت الاقتصادية المؤثرة في حياتهم وحياة أجيالهم المقبلة، والحفاظ على التنمية المستدامة و احترام توازناتها، وتطوير قاعدة الموارد الطبيعية، وخدمة الصالح العام، وحصر المواطنين في دور المستهلكين أو المنتجين لمجتمع السوق.

الخامس:إقامة منظومة مكافحة الفساد في إطار استراتيجية وطنية عامة ومتكاملة، من خلال العمل على ملائمة القوانين التونسية مع أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ولا سيما تجريم “الإثراء غير المشروع “، و إقرار تدابير”حماية الشهود و المبلغين”، وتطوير آليات متابعة نموثروات المسؤولين السياسيين ورجال الأعمال ،كالتصريح بالمكتسبات،ومكافحة التهرب الضريبي في انخفاض الإيرادات العامة للدولة التونسية،خصوصًا أن ثمة عوامل قائمة أدت إلى توسيع درجة اختراق الفسادللنظام الضريبي و تعميقه.فتونس لا تتمتع بمصادر “ريعية”متمثلة في عوائد صادرات النفط و الغاز، وكذلك مواد أولية و معدنية أخرى غالبا،لهذا السبب تصبح الضرائب تشكل أهم مصدر تمويل ميزانياتها العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق