تحاليل

حركات الاحتجاج المغَاربية : السّياسة بين المركَز والتُّخوم

 

 

 مــلــخّـص:

تحتاج  ظاهرة الاحتجاج المغاربي بشكل عام الى تحليل ، و دون الدخول في التفاصيل الإحصائية والمعطيات، يمكن التركيز  على إبراز نقاط التشابه والاختلاف في مسارات الاحتجاجات وأساليبها، قبل الرّبيع العربي وبعده.  فالاحتجاج الاجتماعي في البلدان المغاربية، حقق مجموعة من الأهداف الاجتماعية والتنموية، وطوَّر أشكال العمل السياسي والمدني، وغذَّى النسق النضالي بأدوات مبتكرة. و من غير المنتظر أن تنقطع الاحتجاجات الناعمة أو الخشنة، بل ستتحول  إلى مكون من مكونات المشهد السياسي، وعلامة من علامات البناء الديمقراطي.


مقدّمة:

يمثل شهر جانفي أطول شهور السنة على الإطلاق في الذاكرة الاحتجاجية لشعوب البلدان المغاربية، فهو عنوان كافة  أشكال الاحتجاج، مذكرا بغطرسة السلطة وتعسفها، وتعاملها الغليظ مع تحركات الشارع، واستعمالها “القوّة” البوليسية إزاء كل صور الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والسياسية. والحقيقة أن الحركات الاحتجاجية تنامت وتيرتها وتنوعت أنماطها منذ اندلاع “الرّبيع العربي”، وتحولت إلى ايقاع شبه يومي، وعايشت البلدان المغاربية امتداداتها في الزّمن وفي الجغرافيا. فلم يعد شهر جانفي فقط “طوطم” الاحتجاجات، وإنما كامل السنة، ولم تعد تقتصر على المدن ذات الكثافة الديمغرافية، وإنما حتى البلدات الصغيرة، حضرية أو ريفية. هذه الاحتجاجات تقتضي في سياق التحولات السياسية السائدة،تقديم  قراءة عامة لمضامينها، ومساراتها ورهاناتها في علاقة بالفعل السياسي والانتقال الديمقراطي.

ما يدفعنا إلى ذلك مفارقة رئيسية، إذ نشهد من ناحية انفتاحا نسبيا لمنظومة المشاركة السياسية، وازدهاراللمشهد الحزبي، وتطورافي مكونات المجتمع المدني وأدواره، ومن ناحية أخرى ارتفاع الغضب الاجتماعي وتصاعد المطلبية.لهذا يثير الفعل الاحتجاجي المغاربي أسئلة عديدة، كيف نعرف الفعل الاحتجاجي؟ ما هي مسارات الاحتجاجات المغاربية وسياقاتها المتشابهة؟ كيف أثّر الحراك العربي في التحركات الاحتجاجية؟ ماهي صلات الفعل الاحتجاجي بمناخ الحرية والتأسيس الديمقراطي؟ هل الاحتجاج شكل “مبتكر” من ممارسة العمل السياسي؟ كيف تعاملت السلطات السياسية مع الحركات الاحتجاجية؟

1-في معنى الحركات الاحتجاجية:

ظهر مفهوم الحركات الاجتماعية الاحتجاجية لأول مرّة سنة 1850 مع عالم الاجتماع الألماني “لورانز فون شتاين”(L.V.Stein )في كتابه “تاريخ الحركات الاجتماعية في فرنسا مابين 1789-1850 ” كتعريف للجهود المبذولة خلال الثورة الفرنسية من أجل التغيير وبناء مجتمع جديد. وعرف “تشارلز تيلي” (C.Tilly) الحركات الاحتجاجية بأنها الجهد الملموس والمستمر الذي تبذله جماعة اجتماعية معينة من أجل الوصول إلى هدف أو مجموعة أهداف مشتركة، ويتجه هذا الجهد نحو تعديل أو تغير أو تدعيم موقف اجتماعي قائم، وهي أيضا عمل جماعي يهدف إلى تأسيس نظام جديد للحياة، ووسيلة تسمح بنوع من المشاركة في السياسة. أما ” إريك نوفو” (E.Neveu) فيحددها على أنها فعل معارض تقدم عليه جماعة ضدّ أخرى، حول قضية محددة، وهي وصفة ممتازة للبحث عن الآمال والمصالح، ولتحريك المجتمع والسياسة. واللافت للانتباه في هذه الحركات أنها ناضلت من أجل تحقيق مطالبها، وتبنت مطالب اقتصادية أو مهنية لفئات اجتماعية جديدة، بعضها لم يعرف طريقه للتنظم النقابي أو الاجتماعي من قبل، وقد يرجع ذلك إلى أن هذه الشرائح في معظمها مهمشة، تسكن مساكن عشوائية بائسة أطراف المدن يطحنها الفقر، الجهل، المرض.

رغم اختلاف السياقات التاريخية لنشأة الحركات الاجتماعية في البلدان الأوروبية وبلداننا المغاربية، فإن النقاش مازال محتدما حول سياقات ظهورها، ونجد مادة سوسيولوجية ثرية في تفسير شروط تشكلها، وأسباب انبثاقها، والأشكال التي تتخذها، ومساراتها الموفقة والمخفقة، وامتزاجها بأحاسيس السخط والغضب والخيبة.هذه المقاربات المتعددة، وإن أكدت تشابه مفاعيل التحركات الاحتجاجية، فإنها لا تخفي تباين الحركات الاحتجاجية بين النماذج الغربية والنماذج المغاربية، نظرا لاختلاف الإطار، فإذا كانت الديمقراطية مترسخة في الشمال، مع نضج مؤسسات الدولة، تبدو السّمة البارزة في الجنوب، غياب للتقاليد الديمقراطية، مع هشاشة المؤسسات السياسية والإنتاجية.

2- الاحتجاجات المغاربية، المسارات، والسياقات المتشابهة:

تكاد تجمع النظريات التي تناولت الحركات الاحتجاجية بالدّرس،على أن المركزية المفرطة للسلطة واحتكار الخبرات المادية والرمزية،  وعجز النخب السياسية عن فتح منظومة المشاركة،حفّزت الحركات الاحتجاجية على الاندلاع وساهمت في انتشارها. بداية يجب الإشارة إلى أن كل أشكال الاحتجاجات الشعبية كانت محظورة، ومع ذلك شهدت البلدان المغاربية  احتجاجات متنوعة ما بعد الاستقلال، ضد الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية(احتجاجات 1965) بالمغرب. ودشنت سلسلة الاحتجاجات الكبرى، التحركات التي قادها الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1978، اتسمت بطابع دموي (مئات من الشهداء)، عمقت الهوة بين الدولة والمجتمع، وعكست أوج الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، والسيطرة المطلقة للدولة على الفضاء العمومي، وانتهاجها سياسة ليبرالية. تجسدت الأزمات في احتجاجات اجتماعية متتالية، تعبيرا من الفئات المحرومة عن تردي أوضاعها الاجتماعية، أبرزها في عشرية الثمانينات من القرن الماضي، ضدّ سياسات الإصلاح الهيكلي ورفع الدعم عن المواد الأساسية وارتفاع أسعارها، وهي التي تعرف “بأحداث الخبز”، انطلقت شرارتها في المغرب في سنتي (1981-1984) وفي تونس سنة (1983) وفي الجزائر سنة (1988).

بينت الاحتجاجات الشعبية أن الصراع الاجتماعي تمركز في المدن، وتغذى في تلك الفترة من اتساع رقعة الأحياء الشعبية الحزامية، مع النمو الديمغرافي، وتطور النسيج الاجتماعي. وتنامي فئات شبابية محرومة، في وضعية بطالة وهدر، ومهمشة، مع صعوبة اندماجها اجتماعيا ومهنيا، رافضة للسلطات التي فشلت في توفير الشغل ولقمة العيش. وعبرت كثافة الاحتجاجات وزخمها في البلدان المغاربية بدون استثناء عن قلق بنيوي، اخترق سقف المطلبية  ودعا إلى طرح المسألة الاجتماعية بقوّة.

تفيدنا نظرية “الحرمان النسبي” في تفسير  بروز الحركات الاحتجاجية ونشأتها استنادا إلى الشعور بالحرمان من المجموعات والأفراد، جراء إحساسهم بالتناقض بين  لآمال المشروعة والواقع، أو ضمن المقارنة بين أحوالهم والآخرين، فيشعرون باليأس والإحباط، ويتحول السلوك إلى تحركات اجتماعية ذات طابع احتجاجي. كانت هذه الاحتجاجات التي تضم الفعل الاجتماعي المغاربي، أقرب إلى “الانفعالات الاجتماعية” حسب “روني غاليسو” (R.Gallissot)، وكشفت بالملموس حالة الحرمان المرتبطة بالنزوح وتضخم المدن، وكانت انتفاضات عاجزة عن مواجهة  عنف الدولة وشراستها، ولم تتحول إلى قوّة اجتماعية أو أن تتشكل في تنظيمات تحمل مشاريع بدائل سياسية. لكنها تمكنت أن تحدث أثرا فارقا، بجعل شرعية السلطات تتآكل تدريجيا، موفرة فرصا للتعديل أو الانفتاح على خيارات جديدة. حيث أنجز بن على انقلابه الطبي في نوفمبر 1987 معلنا عهد الانفتاح السياسي، ولكن سرعان ما أدخل البلاد في محرقة التسعينات التي طالت الإسلاميين، وتم إقرار التعددية السياسية في الجزائر بموجب دستور 23 فبراير 1989، لتدخل بعد سنة في عشرية مظلمة من الإرهاب. وكانت المغرب أقل احتجاجات بعد إقرار التعددية الحزبية وإرساء الديمقراطية الشكلية التي أطلقها الحسن الثاني.بينما ظلت موريتانيا تعيش سلسلة من الانقلابات العسكرية، وصمت الحياة السياسية بالاضطراب والفوضى، ولم تحظ إلا بفترة وجيزة من الانفتاح السياسي مع  الرئيس “ولد الطايع”، لتغرق مجددا في يَمّ الانقلابات والانقلابات المضادة.

استعادت المسألة الاجتماعية  أولويتها  في الاحتجاجات، وطرحت بإلحاح كبير، مستقطبة أعداد كبيرة من المحرومين والشباب العاطل عن العمل،  ففي المغرب تأسست حوالي 73 مجموعة أو ”تنسيقيات مناهضة ارتفاع الأسعار” في مختلف المدن والمناطق.وشهدت تحركات كبرى في الرباط، وفاس، وطنجة، وغيرها من المدن، سماها البعض “بتسونامي الاحتجاجات”. كما كان الوضع متوترا في الجزائر ، جمع بين السياسي والاجتماعي، حيث أجريت تعديلات دستورية،(المادة 74 ) من الدستور(2008)، تسمح للرئيس بوتفليقة بعهدة رئاسية ثالثة، وهو ما أثار لدى الجزائريين مخاوف تطويع القانون والتلاعب به.ورغم تمتعها بالثروات الطبيعية(النفط، والغاز)، وتنتج قرابة 1.2 مليون برميل يومياً، لم تكن بمنأى عن الاحتجاجات الاجتماعية، بما أن الثروات لم تحسن مستوى المعيشة، وتضاعفت الأسعار، إذ ينفق الجزائري نحو 40% على الإعاشة والتغذية.وجاوزت انتفاضة الحوض المنجمي(2008 ) بتونس، احتجاجات التصدي لارتفاع الأسعار، وظهرت المطالب الاجتماعية والاقتصادية، في قلب  الاشتباك مع السلطة. أدّى هذا المناخ الاجتماعي الخانق والوضع الاقتصادي المتأزم، إلى جملة من التراكمات المجتمعيّة والاحتجاجية، مهّدت للحراك الثوري الذي انطلق في 17 ديسمبر 2016 في سيدي بوزيد، لينتشر بشكل جماهيري واستعراضي، في كامل أرجاء  البلاد ، ثمّ ليمتد في كامل المنطقة العربية عموما و المغاربية تحديدا.

3-نكهة الربيع العربي، والاحتجاجات المغاربية الجديدة:

ساهمت الاحتجاجات بأشكال مختلفة في اندلاع “ثورات الرّبيع العربي”،ولعبت دورا حاسما في كسر حاجز الخوف،وتعزيز جرأة المحتجين على رفض الاستبداد، والخيارات التنموية الليبرالية.وقد أفرزالزلزال السياسي الذي أحدثة الحراك العربي سنة 2011، ثقافة سياسية جديدة، كشفت الحضور المتعاظم لمكونات المجتمع المدني الذي تشكل على هامش الطبقة السياسية. وطبع الوقائع المغاربية بروح براغماتيةوغير إيديولوجية، يقف خلفها جمهور شبابي لم يعرف هيكلة سياسية وحزبية، وجدوا أنفسهم في لحظة ما مسيَّسين، بشكل سريع في الشارع والساحات، تفاعلا مع مجريات الأحداث وتطورها في تونس. تقترب هذه الأحداث المفاجئة من فكرة “الفرص السياسية”، التي يؤكد أغلب باحثي الحركات الاحتجاجية على أهميتها، كمؤشر رئيسي لإمكانية التغيير، بمعنى لابد أن تتوفر للاحتجاجات لحظة معينة، يطلق عليها “اللحظة التاريخية”، تجعلها قادرة على التأثير والتغيير، يطلق عليها “غوريفيتش”(Gurvitch) “لحظة الانفتاح”. فقد شكلت (الاعتصامات، الاحتجاجات، قطع الطرق، ثمّ احتراق البوعزيزي)، ما يطلق عليه “اقتناص الفرص الصغيرة”، وهو ما أشار إليه كل من “غامسون”(W.Gamson) و”ماير” (N.Mayer)، فالعديد من ناشطي الحركة الاحتجاجية استثمروا هذه “النوافذ المحدودة”  كرافد من روافد عملية التغيير المتراكم.

تصاعدت الاحتجاجات بنسق سريع ومرتفع في كافة البلدان المغاربية دون استثناء، بما فيها موريتانيا، ليبيا، الجزائر، والمغرب للمطالبة بالتغيير، ومحاولة استنساخ “الخطاطة الثورية”. فتعددت حالات الاحتراق الذاتي(محسن بوطريف وبوبكر بويدن…) في الجزائر، إلا أن المسارات لم تكن متماثلة، وسرديات الأحداث التي نشبت مختلفة، ذلك أن نفس الظروف لا تؤدي بالضرورة إلى نفس النتائج، ولا تفضي إلى مآلات متشابهة. بغض النظر عن صيغ التفاعل مع “الرّبيع العربي”، فإن الأمور الاقتصادية والاجتماعية ازدادت سوءا، وهذا ما كشفه تقرير “البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة” لسنة 2016، من إحصائيات مزعجة، مطلقا ناقوس الخطر الاجتماعي، وأن إمكانية ثورة ثانية في الأفق، واردة.

لم تمنع الترتيبات السياسية الجديدة بأنماطها المختلفة، من إعادة بناء مؤسسات النظام السياسي وسن دستور متقدم (تونس) أو صياغة دستور جديد (المغرب)، أو حتى “الرشوة الاجتماعية” التي مارستها الجزائر برفع الأجور وتقديم الامتيازات، من امتصاص الشحنة الثورية الطامحة للتغيير. انطلقت موجات جديدة من الاحتجاجات الاجتماعية، شملت عشرات البلدات والقطاعات والمجموعات، عاشت عديد المدن التونسية(القصرين، سليانة، الكاف، قرقنة، بن قردان، سجنان…)اعتصامات ونصب خيم واضرابات جوع وقطع الطرقات، وغيرها من الأشكال الاحتجاجية.  توسعت خريطة الاحتجاجات في أغلب مدن البلاد، لتتمدد وتنتشر في مختلف الجهات المغاربية، فشملت في الجزائر (سطيف، وبرج بوعريريج، الجلفة، جيجل والبويرة…). تجاوزت الاحتجاجات المغاربية المناطق التقليدية، لتحضر في الشمال والجنوب، في الساحل والصحراء، في المناطق الجبلية والسهول. لم تعد الاحتجاجات بالضرورة امتدادا لتحركات نقابية أو على خلفية رفض الزيادات في أسعار المواد الغذائية، وتردّي المقدرة الشرائية، بل أضحت تستند على ثقافةٍ جديدةٍ، مثل الدفاع عن الجهات المحرومة، وتأكيد التمييز الإيجابي.مما جعلهامحكومة بمنطق “مناطقي”، تصبح فيه المنطقة أو المدينة مصدر المشروعية للاحتجاج، وهو ما تمت معاينته في “غرداية” الجزائرية، و”الحسيمة” المغربية،واعتصام “الكامور” بتونس.وهي أمثل حية على تفاقم الإحباط واليأس لدى فئات عريضة من الشباب،نتاجا طبيعيا لإجهاض الأحلام الاجتماعية في التنمية والعدالة، وتصاعد مطالب مستجدة حول مكافحة الفساد والمساواة والشفافية والحوكمة كأحد أهم أوجه التماس بين الوطني والدولي في تشكيل الحركات الاجتماعية الاحتجاجية الجديدة. أما العنصر الطارئ الآخر، فهو الحضور اللافت للفئات الشبابية بشكل خاص في مجمل التحركات، غير أنها ظلت ضعيفة الوعي ببعدها الجيلي، مشدودة أكثر لثقافة “الانتماء” الجهوي/ المناطقي، تحت ارتفاع منسوب الشعور بالضيم،جعل الاحتجاجات تنفلت أحيانا من إطارها السلمي وتنزلق في دائرة العنف. وخاصة تضخم النزعات الجهوية التي قد تعمق الفجوات بين الجهات، في ظل ميراث مضنٍ من الحيف الجهوي الذي قسم البلدان المغاربية إلى شريطٍ ساحليٍّ مقابل مناطق داخلية، أو شمال مقابل جنوب، بحسب زوايا النظر والتوظيفات الممكنة، ما قد تكون له آثار سيئة على مستقبل الأجيال المقبلة. أما الطابع الآخر للاحتجاجات المغاربية، فهو الأبعاد الفئوية، التي تعبر عن مصالح قطاعية ومهنية، مثل احتجاج عمال جمعيات البترول وموظفي الصّحة العامة ورجال الإطفاء والوعاظ الدينيين والمدرسين المتعاقدين بالجزائر. حيث لم تستمر “المسكنات” الاجتماعية مطولا، لتعود الاحتجاجات أقوى مما كانت،إذ شهدت مدن بجاية وبوسعادة ووهران في بداية سنة 2017، احتجاجات ضخمة ضد غلاء الأسعار والأوضاع الاجتماعية المترديةبعد تراجع العائدات النفطية للدولة، وإجراءات التقشف المقترحة التي مست كل الفئات، بما فيها الطبقة الوسطى.

يرى أصحاب نظرية “تعبئة الموارد” أن الحركات الاحتجاجية استجابة منطقية، في مواجهة مواقف جديدة طرأت على المجتمع حديثا، وتعتبر فرصة لانتقال المجتمع إلى وضع أفضل.ولا تعد مصدر من مصادر الخلل في المجتمع، بل كجزء من العملية السياسية والنظام السياسي نفسه، وتسعى إلى الوصول إلى حالة أحسن.ويتم ذلك من خلال قيام تلك الحركات بتعبئة الموارد وتوظيفها لصالح المجتمع وتطوره، مشيرة إلى حركة تعبئة الأفراد من أجل قضية ما، في أفق إحداث تغيير اجتماعي.يعتبرها “توران” شكلا خصوصيا من أشكال لمشاركة السياسية، وأنها تساهم في مسار البناء الديمقراطي، باستحضار المضمون الاجتماعي والقيمي،وتهتم بنقد الخيارات التنموية، ويعدها في قلب صياغة السياسات العمومية، فالحركات الاجتماعية تلعب دور “السلطة الخامسة”وتمكن من التغيير الاجتماعي. إن الحركات الاجتماعية هي الحامل الرئيسي للحراك الاجتماعي، فالاحتجاجات ما بعد الرّبيع العربي، تميزت بتحررها من الأحزاب أو النقابات، وإن كانت حاضرة بدرجات متفاوتة. ينظر إليها كفعل اجتماعي عاكس لتناقضات المجتمع، بسبب رياح العولمة والبيروقراطية المفرطة، ونتيجة ظهور تناقضات اجتماعية جديدة والمتمثلة في التناقض بين الفرد والدولة. يشكل فيها المكون الثقافي جوهر العمل والنشاط، حيث يركز على الهويات والقيم التي تبتعد عن الأبعاد المادية والاقتصادية التي دعت إليها الحركات الاجتماعية التقليدية.

تأسست تشكيلات تنظيمية مستحدثة تدعو إلى المقاومة المدنية، مثل “التنسيقية الوطنية من أجل التغيير والديمقراطية” في الجزائر، أكدت أن المهم ليس النزول إلى الشوارع والساحات، ومنازلة قوى البوليس، إنما ترسيخ مفاهيم الديموقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني والمواطنة، وتكثيف عمليات التعبئة لنشر قيمها ومبادئها. ونجد صور مغايرة في المغرب أو تونس تعتمد الساحات والشوارع، للمطالبة بتجديد الطبقة السياسية، وتدوير النخب. تأخذ الحركات الاحتجاجية الجديدة شكل الدفاع عن الشخص، وانتقال الفعل الجماعي نحو محاور جديدة، من الاقتصادي إلى الشخصي والأخلاقي، مثل الدفاع عن الكرامة، واحترام حقوق الانسان، والخيارات الشخصية للحياة.

لئن ظل المحتوى الاقتصادي-الاجتماعي طاغيا في تحديد هويةالاحتجاجات، فإن المطالب التي تلتف حولها الحركات الاجتماعية لم تكف عن الاتساع  والتنوع، حتى شملت حاليا قضايا غير مألوفة ( بيئة، مكافحة الفساد، هويات جهوية مناطقية، ثقافية واثنية ، تنمية، وحقوق غير تقليدية …). إذا كانت عديد النظريات في تعريفها الاحتجاجات، تشير عادة إلى أنها الفعل الجماعي والمنظم، فان  أحدث الدراسات تسعى إلى عدم اختزالها في هذا المعنى، خصوصا وقد تحول العديد منها إلى فعل جماعي ينقد آليات الهيمنة برمتها ويناهضها، ويساهم بكثافة في صياغة الرأي  العام، و بناء الهويات الاجتماعية  ومناويل التنمية.

كما أفرزت فاعلين جدد وهياكلجديدة، تتزعم هذه التحركات، وتنوع الفئات المكونة لها (حركة المعطلين عن العمل مثالا) في جل البلدان المغاربية، بتسميات مختلفة، وبمهام موحدة. تمكنت هذه الحركات من أن تدفع في اتجاه إكساب النضالية معاني جديدة، خاصة مع تغيير الملامح الثقافية والاجتماعية “للمناضل الجديد” (شهادة جامعية –جذور اجتماعية مختلفة وحضور إعلامي كبير، تقنيات اتصالية حديثة…). يبدو أن هذه التشكيلات الجديدة استفادت أيضا من تقلص عدد منخرطي الأحزاب والمنظمات النقابية والمهنية التقليدية  و”السأم من السياسة”، والعزوف عنها  لتوسع من قاعدتها الجماهيرية. كما رفضت بعض مقترحات الأحزاب في اعتصام  “الكامور” بتونس، ورفض الشباب الجزائري التعاطي مع مقترحات أحزاب المعارضة، مثل “التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية” و”جبهة القوى الديمقراطية”، وحتى التشكيلات الحديثة مثل “الائتلاف الوطني من أجل التغيير”.وهو ما التزمت به أيضا حركة 20 فيفري المغربية، من استبعاد للشعارات الحزبية والعناوين  الأيديولوجية.

4- الاحتجاجات، البناء الديمقراطي، والمشاركة الفعلية:

أدت الاحتجاجات أدوارا مهمة في الانتقال الديمقراطي، في كل من أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية، وأفرزت بالانتخابات رؤساء وطنيينومؤيدين للتنمية والعدالة ومقاومة الفساد، مثل “موراليس” في بوليفيا، وهو من السكان الأصليين،  أو “لولا” في البرازيل، وهو ناشط في الحركة العمالية. في المقابل لم تحدد المؤسسات السياسية للدولة ومكونات المعارضة، ومسار الانتقال الديمقراطي صيغ التعاطي مع البنى الاحتجاجية، تفاعلت بطرائق تقليدية والتجأت إلى “العنف الشرعي” لكتم أنفاسها. إلا أن من مزايا الاحتجاجات المغاربية أنها أفضت إلى “تهوئة” المناخ السياسي، وكشفت عن منحى تاريخي للحرية والديمقراطية أكثر منه مطلبية اجتماعية، وبينت قلقا عميقا، في صلب المجتمع وفي قلب العمل السياسي، فخلف التطلعات المباشرة والمطالب الحينية، تختفي مشكلات بنيوية تستوجب مراجعات شاملة للسياسات العمومية. والتفكير في التصدي للفساد المستشري وإصلاح هزال الديمقراطية، ذلك أن الديمقراطية ليست وصفة سحرية ولكنها عامل جوهري للتنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية، وتمثل الضمانة المميزة ضدّ عدم الاستقرار والتحديات المجتمعية والتهديدات الإرهابية.

وتظهر الوقائع “الحية” والأشكال الجديدة للاحتجاج التي رأت النور في ضوء الانتقال الديمقراطي الشكلي أو الحقيقي، عن تغيير هويتها ونوعية اشتغالها،  ببروز تحالفات سياسية جديدة وبروز شبكات الضغط واللوبيات. ساهمت في خلق ديناميات اجتماعية وسياسية تقطع مع المؤسسات التقليدية، وتنبئ بميلاد أخرى جديدة، وصولا إلى إمكانيات إحداث إصلاحات سياسية جوهرية. ساهمت الاحتجاجات في أشكالها الناعمة والمتوحشة، في انتشال فكرة الانتقال الديمقراطي من التجاهل و التلاعب، وعبرت عن أزمة النموذج الديمقراطي الشكلي، وأدركت تجاعيده، ما لم تحتو  الأبعاد الاجتماعية والتنموية، والإنسانية. لهذا تمت محاولات عديدة لاستيعابها في منظومة المشاركة السياسية، وإخراجها من طابعها الاحتجاجي، ودولنتها و”ترويضها” لكي تصبح جزءا من مؤسسات الدولة وأحد عناوينها. إلا أن الحركات الاحتجاجية تولد من رمادها باستمرار، وتفلت من الضبط السياسي، والمعايير المعتادة، بفتحها مسالك احتجاج جديدة، فتتصاعد وتيرتها وتتسع رقعتها(فاعلون جدد، امتداد جغرافي، تراكم الخبرات) ، وهي ظاهرة إيجابية تدفع في اتجاه تنضيج أو تجذير الانتقال الديمقراطي بالضغط والاحتجاج.

نعتبر أنه لا يوجد تعارض بين الديمقراطية والحركات الاحتجاجية، لأنها ليست  على هامش العمل السياسي،بل شكل من أشكال المشاركة السياسية في النظم الديمقراطية، وتغذيها وتمكنها من تجاوز الضاغطات المؤسسية. فكلما تجددت الحركات الاحتجاجية الديمقراطية،أنتجت صيغا وأساليب مستحدثة، وأنشأت فضاءات حرّة وملائمة للتغيير والجدل والاحتجاج. وهو ما شهدته أيضا عدد من المجتمعات الغربية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، حيث ظهرت حركات احتجاجية تخطت الأطر التقليدية، وتجاوزت الأحزاب المحافظة والمسيحية الديمقراطية والليبرالية، وكذلك تجاوزت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية والشيوعية، وأثرتها بأدوات نضالية مبتكرة، وشكلت تجديداً هاماً للحياة السياسية. نذكر كأمثلة لذلك حركات”الخُضْر” و”أنصار البيئة” و”النسوية” و”الإجهاض”…شاركت باحتجاجاتها في تجديد الخطاب السياسي في الديمقراطيات الأوروبية، والارتقاءبمؤسساتها ونظمها القيمية، من خلال التركيز على قضايا السلام العالمي والبيئة وحقوق المرأة والأقليات.

وهو ما ننتظر حدوثه في الفضاء المغاربي، فمن خلال الاحتجاجات المناطقية والفئوية والشبابية، وتشكيل هياكل نضالية جديدة، تؤكد النضال الاجتماعي المتكامل، و”تأسيس التنسيقيات ” ومجموعات الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية،والخدمات العمومية و”البيئة”…ستضفي نوعا من أنسنة السياسة.ويتدعم هذا المنحى بتطور فاعلية المجتمع المدني وحيويته، وانتشار الجمعيات كإطار فعل مجتمعي فتي،سيخلق نوعا من المنافسة السياسية المفتوحة، وانبثاق شرعيات جديدة. لا يمكننا الإجابة عن ذلك بصفة حاسمة،  تستدعي ضمن النماذج المغاربية، إعادة النظر في صلات فاعلي الحركات الاحتجاجية بالعمل السياسي الحزبي، وعلاقة النضال الثقافي والاجتماعي بأدواته “التقليدية”، لن نصل إلى مشارف التشكيك بجدوى التحزب والتنظم النقابي، كما يرى البعض، إنما نعتبرها ممارسة السياسة بطريقة مغايرة،  ونوعا من تجديد جلد السياسة ذاتها، دون أن يكون تبديلا  للأدوار أو تدويرا للمنافع، أو تقاسما للنفوذ. نراهن على أن تلعب الاحتجاجات المغاربية، على تجاوز منطق المطلبية المحضة والطابع الفئوي، وإدماج الحراك و”هضمه” في أفق إنساني، يحرر الطبقة السياسية من “أثواب” الميكيافيلية. وكذلك تعدّيل العلاقة بين السلطة السياسية والمواطن، فضلا عن فتح سجلات المواطنة،  وعلاقة الحاكم بالمحكوم، فضلا عن مسائل المشاركة والمحاسبة وأساليب التغيير ومناهجه، فلا ديمقراطية دون عدالة اجتماعية، ولا عدالة اجتماعية دون ديمقراطية.

في هذا الإطار، المطلوب من السلطات المغاربية، التعاطي مع الحركات الاحتجاجية بمنهجيات جديدة، وتجنبها استراتيجيات وصم هذه الحركات بأبشع النعوت، وإذكاء نظريات المؤامرة، وهو ما لاحظناه في عديد الاحتجاجات الاجتماعية، (أحداث الرّيف بالمغرب، وأحداث تطاوين بتونس، وأحداث غرداية بالجزائر).لأن الحراك الاجتماعي سيظل أحد ثوابت المشهد المغاربي الحالي، هذا الحراك الذي يُسائل المنظومة السياسية، والديمقراطية الليبرالية التي لا تمثّل الإجابة الحقيقية على جلّ مطالب الحراك الثوري، هذا الحراك الذي سيستمرّ بتواصل أسبابه وإمكانات اندلاعه مرّة أخرى، تلك هي الأزمة الهيكليّة للنظام السياسي والاقتصادي وللنخبة السياسية معًا. وستتواصل الديمقراطية  الديمقراطية السياسية الليبرالية في حالة هشاشة مستمرّة، طالما لم تقع تغييرات حقيقية في الأوضاع الاجتماعية للفئات والجهات المهمّشة، ومراجعة سياسات الدولة أي ما يصطلح عليه بالمنوال التنموي.

ومثلما سعت الحركات الاجتماعية الأوروبية إلى إعادة صياغة التوافق الديمقراطي، ليشمل قضايا المرأة والبيئة وحقوق الأقليات، تهدف نظيراتها في مجتمعاتنا المغاربية إلى صياغة توافق حول عقد اجتماعي جديد مرتكزاته توزيع أكثر عدالة للثورة يواجه ظواهر الفقر والبطالة والتهميش. وإرساء حريات حقيقية، تضمن للمواطنين القدرة على الاهتمام بالشأن العام فرادى وجماعات، واحترام أعمق لحقوق الإنسان يكفل حرية التعبير والنشاط المدني والسياسي. ومن المتوقع أن تتسع عضوية الحركات الاحتجاجية المغاربية لتشمل إسلاميين وليبراليين ويساريين وقوميين، توحدهم قناعة حتمية التوافق على عقد اجتماعي جديد، متخطيةً بذلك الثنائيات الايديولوجية التي حالت طوال العقود الماضية دون ظهور مشاريع وطنية، ومشاريع مغاربية.

خــاتــمـــة:

يمكننا القول إنّ ظاهرة الاحتجاجات الاجتماعية عابرة لمختلف النظم السياسية، فهي موجودة في النظم الديموقراطية وغير الديموقراطية، لكنها في الأولى عادة ما تؤدي إلى تطوير النظام ولفت الانتباه إلى ثغراته وإلى المظالم الاجتماعية، يؤدي إلى تحسين أدائه وأحيانا تجديد نخبته. أما الثانية فإنها تكرس أو تعمق أزماتها، لأنها عادة ما تعجز عن الاستجابة لمطالب المحتجين، يلبي جانبا ويرفض جوانب أخرى، بصورة لا تجعل السلطة تستفيد من الاحتجاجات، من أجل التطور الديموقراطي والانفتاح السياسي. لهذا فإن الاحتجاجات أي كان شكلها، لها أهمية محورية في عملية التغير الاجتماعي وتحقيق المطالب، وعلى اختلاف أنواعها ومسببات حدوثها وانتشارها ونجاحها وفشلها، فإنها ظلت فاعلا رئيسيا في المشهد السياسي والاجتماعي ، وستبقى تشي برغبة الإنسان في ممارسة الاحتجاج ضد اللامساواة والحيف و”الحقرة” والتهميش والعبودية، وغيرها من مظاهر الظلم الاجتماعي. وسيستمر الحراك الاحتجاجي في البلدان المغاربية، قد تخفت وتيرته أو تتضخم حسب السياقات وتفاعلات السلطة السياسية، لذلك،نعتبر أن الاحتجاجات لن تنقطع، وأن المسعى الأساسي في المحافظة على سلميتها، والاتجاه في منحى توافقي، يعيد للمواطن المغاربي اعتباره كمواطن، على المستوى الاجتماعي والسياسي والحقوقي وضمان التوزيع العادل للموارد والحقوق والثروات. إذا ما انتهجت الدّولة استراتيجيات تنمية كما وردت في الدساتير ومحاربة الفساد،ستعطي نفسا جديدا للممارسة السياسية بالبلدان المغاربية وتعيد ثقة المواطن في السياسية والفعل السياسي.

محرز الدّريسي

المصدر:  مركز الدّراسات الاستراتيجيّة والديبلوماسيّة بتاريخ 20 ديسمبر 2017

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق