الجزائررأي

أي جديد في الانتخابات المحلية الجزائرية؟

 

 

كما كان متوقعًا، لم تحدث نتائج الانتخابات المحلية الجزائرية التي جرت يوم الخميس 23نوفمبر/تشرين الثاني الجاري،أي تغيرات في الخريطة السياسية القائمة في الجزائر، إذ حلّ حزب جبهة التحرير الوطني في المرتبة الأولى بهيمنته على غالبية مقاعد مجالس البلديات ، وحافظ على صدارته في المجالس البلدية ، حيث فاز بالأغلبية في 603 بلدية من مجموع 1541 بلدية ،وبنسبة 30.56 بالمائة، وجاء في المرتبة الثانية حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي حصل على الأغلبية في 451 بلدية.وحققت جبهة المستقبل المفاجأة باحتلالها المرتبة الثالثة وحصلت على الأغلبية في 71 بلدية بنسبة 6.2 بالمائة، وجاءت الحركة الشعبية الجزائرية في المرتبة الرابعة بفوزها في 62 بلدية بنسبة 5.9 بالمائة ،وحركة مجتمع السلم (الإخوان المسلمين )49 بلدية بنسبة 4.92 بالمائة. وهيمنت جبهة القوى الاشتراكية (البربرأو الأمازيغ )على بلديات منطقة القبائل حيث معاقلها الرئيسية ،إذ فازت في 64 بلدية بنسبة 3.61 بالمائة ،و حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية(الحزب الأمازيغي الثاني في الجزائر) في 37 بلدية وحزب فجر جديد 12 وتحالف النهضة والعدالة والبناء على 8 بلديات.أما بخصوص المجالس الشعبية الولائية فقد جاء حزب جبهة التحرير الوطني في المرتبة الأولى بنيله 711 مقعد وبنسبة 35.48 بالمائة، ثم احتل حزب التجمع الوطني الديمقراطي المرتبة الثانية بنحو 527 مقعد بنسبة 20.30 بالمائة .
وفيما بلغ عدد الجزائريين المسجلين في قوائم الهيئة الانتخابية 22.88 مليون جزائري،أحصتهم وزارة الداخلية التي تشرف على تنظيم الانتخابات، فإنّ نسبة المشاركة في هذا الاستحقاق الانتخابي بلغت 46.83 بالمائة في المجالس الشعبية البلدية و44.96 بالمائة بالنسبة للمجالس الشعبية الولائية، بينما بلغت نسبة العزوف في هذه الانتخابات 54في المئة من الناخبين الجزائريين.
ومرّة أخرى،أصبح «حزب المقاطعة »هو الحزب الأول في الجزائر، حسب آراء المحللين الجزائريين، حيث لم يتوجه ما يقارب 13 مليون ناخب إلى مكاتب التصويت للإدلاء بأصواتهم في هذه الانتخابات، وإضافة إلى هذه النسبة، تم إلغاء ما يقارب المليوني ورقة تصويت، بسبب عدم احترام ناخبيها ورقة التصويت، أو وضع رموز أخرى داخل الظرف الانتخابي. فالظاهرة الجديدة التي باتت تسيطر على المشهد السياسي الجزائري ، وباتت تقلق أركان الدولة الجزائرية و بقية الأحزاب السياسية سواء المؤيدة للسلطة أو المعارضة ، تكمن في العزوف الشعبي عن المشاركة الانتخابية، إذأصبحت فئات واسعة من الشعب الجزائري تتعامل تجاه الاستحقاقات الانتخابية بنوع من السلبية القاتلة، واللامبالاة ،ليقينها التام بأن كل مظاهر المشاركة السياسية لم تعد تحقق الأهداف المرجوة ،لاسيما عملية التغيير الحقيقية في البنية السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية للدولة الجزائرية.
و كان الناخبون الجزائريون الرازحون تحت وطأة غلاء المعيشة، يعبرون عن معارضتهم للطبقة السياسية الحاكمة من خلال الصمت ومقاطعة الانتخابات . و كان المحللون الجزائريون يتوقعون أن يكون الامتناع عن التصويت هوالرابح الأكبر في هذه الانتخابات.وكان الشعب الجزائري مشغولاً عن الانتخابات بمصاعب الحياة اليومية،والإضرابات، وبالتضخم الهائل ،ناهيك بالخوف الدائم من تجدد الحرب الأهلية. وبعد السنوات الطويلة من التزوير في الانتخابات، لم يعد الجزائريون يأملون في إصلاح النظام القائم، من هنا حالة اللامبالاة العامة حيال الاستحقاقات الانتخابية.
فالذين اعتادوا العزوف الانتخابي ، هم الغاضبون من سياسات السلطة ،وهم من يحملونها مسؤولية الظروف الصعبة التي يعيشونها بسبب الأزمة الاقتصادية و الاجتماعية ، لذلك فعدم الإدلاء بأصواتهم يعتبر خسارة لأحزاب المعارضة،التي لا تمتلك قواعد شعبية ، وظلت تقتات من كشف عيوب السلطة ومن ممارسات الأحزاب الموالية في البرلمان، حيث يشرع لفرض أعباء ثقيلة على عموم الجزائريين، وتركت الساحة للحزبين الرئيسيين في البلاد :«جبهة التحرير الوطني»،و «التجمع الوطني الديمقراطي »، باعتبارهما أقوى حزبين في الساحة حتى ولو كانا واجهة السلطة. و هذا الوضع يخدم بطبيعة الحال الأحزاب الدائرة في فلك السلطة، لأن من سيصوت في ظل هذه المعطيات، هو الوعاء الانتخابي الذي اعتاد التصويت على أحزاب الموالاة.
ويلمس المراقبون المتابعون للشأن الجزائري تراجع حضور الإسلاميين الذين كانوا يشكلون طرفًا رئيسًا في المعادلة السياسية، وفازوا بأول انتخابا ت محلية في ظل التعددية السياسية في 12يونيو/حزيران 1990،حيث شكل الانتصار التاريخي للجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة حاليًا،إلى حد كبير اقتراعًا ضد نظام الحزب الشمولي الذي فقد مصداقيته أمام الشعب، وتأكيدًا صريحًا على القاعدة الشعبية التي يتمتع بها الإسلام السياسي كحزب جماهيري.
غير أن سنوات الحرب الأهلية الجزائرية، وتنامي التنظيمات الإرهابية منذ النصف الثاني من عقد التسعينيات من القرن الماضي ، وفي مرحلة ما بعد انتفاضات «الربيع العربي»،شكل مصدرًا للخوف لدى السلطة و المجتمع الجزائريين، والأحزاب العلمانية، من أن أطروحات الإسلام السياسي تناقض الأفكار الديمقراطية،حيث يشير الناقدون أن ثمة مبادىء ديمقراطية أساسية مثل المساواة بين كافةالمواطنين، و السماح بالمعارضة،و بناء دولة القانون والمؤسسات، هي مفاهيم غريبة عن الشريعة الإسلامية.وهذا ما جعل الشعب الجزائري أكثر وعيا بالنظر إلى ما لحق به من أزمات، وهو يعي أن الإسلام ملك للجميع ولا يمكنه الآن أن يقتنع ببرامج انتخابية وحملات فارغة تحت غطاء الإسلام، وهذا هو السبب في تراجع واختفاء الإسلاميين من الساحة السياسية.
وفي واقع الجزائر، تفتقد البلاد إلى ثقافة سياسية وديمقراطية في التعاطي و التفاعل مع الاستحقاقات الانتخابية، فالمشاركة لا تعبر عن رضى الشعب وقبوله بها، وانتخابه على هذا الحزب أو ذاك لا يعبر بالضرورة عن ولائه له، ومقاطعته للإنتخابات لا يعني أنها تصب في وعاء المقاطعين، أو أنه غير راض عن الواقع بما فيه.والسبب في ذلك، غياب الصراع التنافسي
بين الأحزاب السياسية من أجل إصلاح الإدارة الجزائرية التي ينخرها الفساد، حيث أن الإدارة لم يعد يهمها أن تبقى إدارة ناجحة، وإنما أضحت تعتبر أن نجاحها يكمن في تمرير العملية الانتخابية وإنجاحها في الدائرة الثانية ولو بنسبة ضئيلة من المصداقية ، وكذلك الطبقة السياسية ليست معنية بنشر الثقافة السياسية الديمقراطية التي تعبر عن توجهاتها في إصلاح الانتخابات والارتقاء بها لتكون معبرة عن الطموحات الشعبية وإرادة الإصلاح الحقيقية،ما يجعل أمل الشعب الجزائري مهدورًا من الانتخابات سواء التشريعية أو المحلية، بما أنّ نتائجها باتت معروفة سلفًا، ومن دون مفاجآت تذكر، و تصب في مصلحة الحزبين الكبيرين (جبهة التحرير الوطني، وحليفه التجمع الوطني الديمقراطي) ،ولن تقود إلى التغيير الديمقراطي الحقيقي، وتحسين الخدمات للمواطنين.

توفيق المديني _ صحيفة العربي الجديد،26نوفمبر2017

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق