تحاليلليبيا

ليبيا: سر التبني السريع لمجلس طبرق لمبادرة سلامة؟  


علي عبداللطيف اللافي

 

عرف مجلس نواب طبرق وبإجماع كل المتابعين بتباطؤه منذ تشكله في 2014، في اتخاذ القرارات وأيضا بالتكاسل عن الاجتماع الذي يخيم على فعالياته وأنشطته وحركته، فما الذي جعله يُسارع للمصادقة على مبادرة سلامة المنظمة للسلطة التنفيذية خلال ما تبقى من المرحلة الانتقالية؟، وماهي تفاصيل مبادرة سلامة المصادق عليها بنعم السريعة على حد عبارة أحد الكتاب الليبيين؟، وما هو الموقف المنتظر للمجلس الأعلى للدولة من هذه المبادرة؟

1- مجلس النواب والتبني السريع للمبادرة

لم يُشكك يوما أي ليبي أو أي متابع أن يتنازل برلمانيو طبرق “عن هذا الرتم المتثاقل والذي أودى بعديد الملفات الليبية الحساسة إلى غياهب الجب حيث لا إنجاز، وإن كان هناك إنجاز فإنه يكون بعد شق الأنفس وكثير الترقب لظروف كثيرة تعزوها رئاسة المجلس أحياناً إلى الأمنية واللوجستية ويتحدث أخرون بأنها ترتكب عن عمد بإيعاز من يتحكم في تلك البقعة الجغرافية وفي مخرجات مؤسساتها وعلى رأسها مجلس النواب أحيانا…”[1]

وطبعا سيبقى السؤال مطروحا حول السبب الرئيسي لاستعجال مجلس النواب في الانعقاد واختفاء كل العراقيل التي تُواجههم في العادة أثناء الانعقاد وقد حدث ذلك عديد المرات، وبقدرة قادر عقدت الجلسة وتمت المصادقة وهو أمر يُخفي عمليا  ترتيبات وخيارات قوى في الداخل الليبي ولدى أطراف إقليمية،  وعمليا كان للجلسة المحددة للمصادقة موعد سابق بيوم واحد ولكن عدم الإذن للطائرة الأممية التي تحمل على متنها 29 نائباً جلهم من المنطقة الشرقية من النزول في أي من المطارات الواقعة في نطاق الجغرافيا الشرقية للبلاد…

ويرى بعض المتابعين أن سرعة انعقاد الجلسة  في موعدها وهو أمر ندر أن حدث منذ سنيتين تقريبا، يعود عمليا لخوف القوى الرئيسية في البرلمان من سيناريو المؤتمر الوطني الجامع الذي لوح ويلوح به المبعوث الأممي الرابع والذي بدا جادا وحازما وعازما مقارنة بأسلافه الثلاث[2]، ويعرف الجميع أن سلامة ومنذ أن رسم خارطته السياسية لحل الأزمة في ليبيا لوح بورقة المؤتمر الوطني وربما وعت الوجوه الرئيسية في طبرق أن إزالة جسمي النواب والدولة وإفراغهما من جميع صلاحياتهما التي اعتمدها الاتفاق السياسي الناجمان عنه بالأساس بالذات بعد تحديد غسان سلامة فبراير القادم موعداً لعقد المؤتمر في صورة عدم قبول مبادرته الحالية، وعمليا لا تمتلك الوجوه الرئيسية في المجلس النيابي أي معطيات أو سيناريوهات لما ستؤدي اليه الأمور حيث سيبقى الغموض التكتيكي قائما وسيتخذ المبعوث الاممي خيارات لن يكون للنواب ومن يقف وراءهم من  قوى سياسية وعسكرية أية خيارات للتصرف وفرض المواقف بل أن بعض القوى الإقليمية قد تتخلى عن مراميها واطروحاتها في حال انعقاد المؤتمر الوطني الجامع للحفاظ عن مصالحها…

وعمليا ما إن أرسل المبعوث الأممي بمبادرته حتى عزم مجلس النواب وعلى غير عادته في سرعة الالتئام والاجتماع ليضعوا رأيهم فيما تحمله فحوى المبادرة وليصوتوا صباح الثلاثاء 21 نوفمبر الحالي بنعم كبيرة، وعمليا تفسر السرعة في الإلتآم والتصويت السريع مرتبطة بـــ:

أ- ميل الكفة سياسيا لصالح المجلس الرئاسي وخاصة قدرة حكومة الوفاق على التجذر واكتساب الخبرة والدعم وفرض الاستقرار في مدن الجهة الغربية…

ب- تراجع أسهم حفتر نتاج مواقف عقيلة صالح، إضافة الى ما حدث في الشرق الليبي على غرار تصدي قعيم وعائلته لمحاولات ازاحتهم من الساحة في بنغازي[3] ….

ت- تبين أن الخيار العسكري ورغم التلويح به أمرا غير وارد بل هو مغامرة غير محمودة شعبيا وستفقد أنصار الكرامة المساندة الإقليمية وسخط القوى الدولية …

كل ذلك حدا بالفاعلين في مجلس طبرق أن الفرصة كبيرة لإبراز أنهم الرقم الأصعب والجهة السياسية الأعلى سلطة في البلاد، خاصة وأن المبادرة قد نصت على انفراد مجلس النواب دون المجلس الأعلى للدولة في اعتماد القائمة المناسبة لتشكيل المجلس الرئاسي والحكومة المقبلة، بينما يقتصر دور المجلس الأعلى للدولة على المشاركة في التزكية والغربلة الأولية فقط دون الإقرار والاعتماد العملي في كل قرارات ما تبقى من المرحلة الانتقالية…

2- أي أفق سياسي بعد التبني المثير للاستفهام؟

لا شك أن مبادرة غسان سلامة تحمل موضوعيا العديد من الأسئلة الاستفهامية خاصة وأنها حوت فعليا إعطاء مجلس النواب (وهو عمليا مصطف مع أحد أطراف الصراع)، مساحة هامة وكبيرة من التسلط وممارسة التوجيه دون راي ملزم للطرف الثاني أي المجلس الأعلى للدولة…

ولا شك ان ما طرحناه سيكون حاضرا لدى بلورة المجلس الأعلى للدولة لرؤيته في جلسته المرتقبة والتي ستزيد حدتها عمليا بل أن متخذي القرار سيستحضرون موضوعيا مسارعة مجلس النواب في التقاط المبادرة وكأنه في حالة تسبيح صوفي بحمد مبادرة اللبناني غسان سلامة…

وعمليا تظل بعض الأسئلة مطروحة:

أ- لماذا أعطى غسان سلامة هذا الحق للمجلس النيابي بالذات؟

ب- هل رأى المبعوث الأممي أحقية مجلس النواب باعتباره السلطة التشريعية في البلد؟

ت- هل وقف غسان سلامة أن مجلس النواب يمثل العرقلة الأساسية للحل بناء على دراسة مرحلة ما بعد اتفاق الصخيرات وكيف تم عرقلة حكومة السراج التوافقية؟

ث- هل راهن المبعوث الأممي على رؤية المجلس الأعلى للدولة والذي سبق أن قدم الكثير من التنازلات الايجابية وانه سيرضى تكتيكيا بهذا التنازل حتى يسير المركب التفاوضي؟

ج – أم أنه جس النبض النهائي والفرصة الأخيرة لمجلس النواب ليبرهن أنه لا يقول لا لمجرد أنها لا، فإن قالها هذه المرة يزال الحرج عن غسان سلامة للتوجه فوراً نحو التالي من خطته وهو المؤتمر الوطني الجامع دون المرور على محطة ثالثة للحوار في تونس؟[4]

الأيام القادمة ستجيب جميع المتابعين للوضع الليبي، على هذه الأسئلة حيث ستتوضح مواقف للمجلس الأعلى للدولة والذي باشر منذ الاثنين دارسة تفاصيل المبادرة ورغم أن ملامح موقفه الأولي توضحت من خلال تأكيد السويحلي خلال اجتماع له في مصراتة السبت الماضي بأن الحل السياسي سيبقى الحل الوحيد والأوحد للازمة الليبية[5]، وهذا لا يعني أن ليس للمجلس الأعلى ملاحظات على المبادرة أو أن قبلوها بها آلي خاصة في ظل قراءة البعض ان المبادرة لا تحمل عمليا أي ارضاء إجرائي له باعتبار أنه طرف أساس من طرفي التفاوض وشريك رسمي لمخرجات الصخيرات ورفيق متواصل إلى أن تنتهي المرحلة الانتقالية برمتها وتعيش ليبيا لحظات شبيهة باتفاق الوحدة في ديسمبر 1952، ويتجه جميع الفاعلين لبناء ليبيا على أساس جمهوري متناسين ألام 42 سنة من الحكم الفردي ومن تجاذبات وصراعات ست سنوات عقبت ثورة فبراير 2011  ….

المصدر: الرأي العام التونسية بتاريخ 23 نوفمبر 2017

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  موقع ليبيا الخبر بتاريخ 21 نوفمبر 2017 ، عبدالمجيد العويتي  “مجلس النواب – ونعم سريعة”

[2]  المصري طارق متري، والاسباني ليون والألماني كوبلر …

[3]  راجع مقال الكاتب في أسبوعية  “الراي العام” التونسية بتاريخ 16 -11- 2017 ص 20، “هل يمكن تجنب الصراع الدامي في الشرق الليبي؟”

[4]  نفس المصدر

[5]  تقرير موقع “المغاربي للدراسات والتحاليل” بتاريخ 18 نوفمبر 2017 ، “السويحلي يشدّد على أن الاتفاق السياسي هو الحلّ الوحيد للخروج من الأزمة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق