المغربرأي

المشهد الحزبي في المغرب … إلى أين؟

 

 

تنطوي التجربة الحزبية في المغرب على الكثير من التراكمات، وتختزن العديد من المفارقات، ولعل هذا ما يجعلها جديرة بالتفكير والتأمل.

فالمغرب اختار التعددية الحزبية مبكراً، حيث يرجع تاريخ بدايتها إلى عام 1937، حين تأسيس “الحزب الوطني”، الذي سيتحول إلى “حزب الاستقلال” (1944)، وبعده بقليل سيُولد حزب “الشورى والاستقلال” (1946)، لتعرف الخريطة الحزبية منحى تصاعدياً أفضى إلى ما يفوق اليوم 30 حزباً.

كما كرّس المغرب مبدأ التعددية في أول دستور للبلاد عام 1962، حين منع الحزب الوحيد أو الأحادية الحزبية، معتمدا بذلك نهجاً يكاد يكون متفرداً في البلاد العربية. بيد أن الممارسة، وهذه هو الوجه الأول للمفارقة، لم تُسعف التجربة الحزبية في توطين ثقافة التعددية الحزبية السياسية، بقدر ما كرست التعددية العددية، وحافظت عليها، واستعملت كل الوسائل، بما فيها إنهاك الأحزاب وإضعافها، وبث روح الانشقاق بداخلها، ليستمر الاصطفاف الحزبي عددياً ورقمياً وليس سياسياً. ولأن العلاقة تلازمية بين النظام السياسي والمكون الحزبي، فقد ظلت مسيرة الأحزاب مرتهنة في الكثير من كبواتها بمدى انفتاح النظام أو انغلاقه، أي بمدى استعداد السلطة السياسية لاحترام قواعد التنافس، واستقلال الإرادة الحزبية في التعبير عن ذاتها، والأهم، بمدى قبولها مبدأ التعاقب على السلطة بين الأغلبية والمعارضة.

لذلك، يعكس المشهد الحزبي المغربي اليوم مُحصلة هذا التطور الموسوم بكثير من الأعطاب، وتدفع الحياة السياسية أكلاف تاريخ أحزابها. فلو أمعنا النظر في التطورات الحاصلة هذا العام في الأحزاب الثلاثة التي تصدرت نتائج الانتخابات في 4 أيلول/ سبتمبر 2015، و7 تشرين الأول/ أكتوبر 2016، وهي تحديداً أحزاب: “العدالة والتنمية “، و”الأصالة والمعاصرة”، و”الاستقلال”، لخلُصنا إلى نتيجة واحدة، وهي أنها مفتوحة على آفاق غير واضحة بما يكفي، وأن أرصدة قوتها تآكلت داخليا، كما أن منسوب “شرعيتها” الشعبية طاله قدر كبير من التراجع والانكماش.

فحزب الاستقلال، وهو الأقدم تاريخيا، شهد توتراً عميقاً منذ 2012، انتهى بعدم تجديد ولاية أمينه العام في مؤتمره الأخير، وانتخاب أمين عام جديد، هو حفيد مؤسس الحزب وزعيمه السيد “نزار بركة”. ويُنتظر من هذا الحزب تجاوز أزمته، وإعادة الروح إلى جسمه. أما حزب “العدالة والتنمية”، الذي يقود العمل الحكومي للمرة الثانية منذ 2011- 2012، فمن الواضح أنه يعيش توترا داخليا غير صحي، وأن استمراره في السير نحو مؤتمره الثامن يومي 9 و10 كانون الأول/ ديسمبر 2017، بدون معالم واضحة، سيكلفه الكثير، وسيجعله يكرر تجربة نظيره “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”، على الرغم من الفوارق الواضحة بينهما. ولأن السلطة، وممارسة السلطة تحديدا، تُغير عقول أصحابها وأمزجتهم، فقد تحول النقاش داخل هذا الحزب من نقاش حول الأفكار والرؤى والمراجعات البناءة لتجربته في الحكم، إلى ملاسنات وردود فعل حول الأشخاص والزعامات، والتموقع داخل الحكومة ومؤسسات الدولة.. ولا يبدو في حدود الزمن المتبقي للمؤتمر أن في قدرة الحزب تدارك ما يجب تداركه. أما حزب “الأصالة والمعاصرة”، الذي خرجت فكرة إنشائه من عباءة السلطة، وتلقفها أنصارٌ “تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى”، فما يجري بداخله يعجز اللسان عن وصفه.

فإذا أضفنا إلى هذه الكوكبة من الأحزاب، ومسارها الذي يبدو ملتبساً وغامض المعالم، أحزاباً ترهّلت بفعل السلطة ومَكر إغراءاتها، كما هو حال “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”، أو أخرجت من الحكومة من بابها الصغير، كما جرى لحزب “التقدم والاشتراكية” أساساً، وحزب الحركة الشعبية”، فإن المشهد الحزبي في المغرب يطرح أكثر من تساؤل: إلى أين تسير الأحزاب؟ وهل يمكن تصور حياة سياسية سليمة ومستقيمة بدون الفاعل الحزبي؟

ستكون الإجابة طبعا بالنفي، إذ تاريخ الديمقراطية من تاريخ الأحزاب، ونجاح الأولى تُقاس بالثانية، فهما صنوان غير قابلين للتفريق أو التجزئة. لذلك، تحتاج التجربة المغربية كي تتلاءم مع الفكرة الديمقراطية، التي كرسها دستور 2011 اختيارا وثابتا رابعا من ثوابت البلاد، إلى إعادة صياغة مكعبّة: من جانب الدولة في علاقتها بالأحزاب، ومن زاوية الأحزاب في صلتها بهويتها، وفي علاقتها البينية، وفي مستوى ثالث، من حيث علاقة الأحزاب بالدولة والسلطة.

فالمطلوب من الدولة رسم مسافة بينها وبين الأحزاب، بترك المجال الحزبي مستقلاً بذاته؛ لأن الاستقلالية شرط عين وليس شرط كفاية؛ لتحويل التعددية العددية إلى تعددية سياسية حقيقية، قادرة على مراكمة ثقافة المشاركة والتنافس والتعاقب على السلطة.

والمطلوب في الأحزاب تجديد رؤيتها بما يجعل منها أحزاباً خلاقة ومنتجة وفعالة في علاقتها بالشأن العام ومؤسساته، ولن يتأتى ذلك دون تكريس الديمقراطية الداخلية، والتعاقب على المسؤولية، وهجر أوهام الزعامات، بما فيها “الزعامات التاريخية”. والأمر نفسه ينسحب على علاقاتها مع الأحزاب الأخرى، إذ بدون بناء ديمقراطية داخلية، يصعب نسج علاقات ديمقراطية مع الآخرين، بما فيها الدولة.

أما الضلع الثالث لمتطلب التغيير، فيتعلق بعلاقة الأحزاب بالدولة والسلطة، إذ بات واضحا أن عددا متزايدا من النخب الحزبية طاله الفساد بإرادة الدولة أو باستعداده المسبق، وبدون نخبة نزيهة، ونظيفة اليد، وقدوة حسنة، لا يمكن امتلاك إرادة الفعل الحزبي المستقل، كما لا يمكن بناء شرعية الإنجاز في علاقة الحزب بالمواطن.. إنها إعادة الصياغة المكعبة التي يحتاج إليها المشهد الحزبي في المغرب لإعادة التصالح مع السياسة، بحسبها ممارسة للتواصل مع المدينة وناسها.

امحمد مالكي _ عربي 21

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق