تونسرأي

الجهاز الذي أتى بــبن علي هو محمية إستعمار لم يخطّط يوما لرؤية عرب يستقلون

 

 

بين 86 و87 كان الصراع على أشدّه بين جناحين من السلطة لخلافة بورقيبة: جناح محمّد مزالي وجناح محمد الصياح. وهو صراع بدأ بعد تراجع صحة بورقيبة وذهاب الهادي نويرة ومجيء مزالي الذي أبدى كثيرا من الطموح. قد يكون كلّ ما تحرّك فيه الإسلاميون من بداية الثمانين وحتى بداية التسعين مرتبطا بمشروع يخصّهم أمّا عمليّا فلقد كان تنسيقهم مع مزالي ورهانهم عليه جليّا. كانت توجهات مزالي عروبية تعريبية وسعي في جذب استثمارات خليجية ورأى في مشاركة الإسلاميين فرصة للاستقواء بهم على شبكات فرنسا ولوبياتها.

أمّا الصياح، الشيوعي المتحول إلى البورقيبية فكان يرى نفسه وارثا جديرا وهو الذي اختصّ في خبّ الزعيم حبا جمّا وحوّل حبّه درسا وتقليدا. كان الصياح يرقب تهاوي مزالي عبر أزمات اجتماعية وصراعات مع اتّحاد الشغل وكان تقديره أنّه وحده يستفيد وأنّه يبلغ المأمول. كان هناك مستوى آخر من السلطة لم يكن ظاهرا ولم يكن جليا. هذا المستوى هو الدولة العميقة التي تمتلك من السلطة القاهرة الفعلية ما يجعلها زاهدة في الواجهات السياسية. هذه السلطة الخفية هي التي أتت ببن علي. لا أتى بحزب ولا بمشروع إصلاح ولا بفكر. صنعته شبكة وأتى به جهاز حسم خلافة بورقيبة بسرعة قياسية.

وعندما إنقلب بن علي وقعت الأجنحة في شكّ وظنّ هذا وذاك أنّ الرّجل من دون عمق سياسة وسيضطرّ لكسب الودّ. الدساترة واليسار والإسلاميون طرقوا بابه وهو أظهر ودّا منافقا للجميع قبل أن يعيد تركيب تيار الدساترة ويتسلّح بيسار خدوم ويدخل في صراع حاسم مع الإسلاميين. لم يكن بن علي صاحب رؤية والجهاز الذي بلّغه السلطة كان يعلم هذا عنه ويقنع به فهكذا يكون عون تنفيذ مثالي. هذا الجهاز أعتى من كلّ ما تحرّكت فيه كلّ سياسة التونسيين وهذا الجهاز كان محيطا بالزعيم والذي كان الظنّ أنه يحيط بالجميع. هذا الجهاز مخترق وبمستويات مخيفة لكل الأحزاب والأضخم منها أولى بالمعروف.

هذا الجهاز متغلغل متمكّن وهو محلّ ثقة متنفذين دوليين. هل سقط هذا الجهاز؟ لا. بل هو من أسقط بن علي. أسقطه لكي لا يسقطه النّاس فلا أحد يحبّ النّاس حاكمين. من أين أتى؟ من مكر المستعمرين. لما رحل الإستعمار عن بلاد العرب ترك بها دولا برأسين: رأس واجهة ورأس كواليس. الواجهة تغني للناس أغنية الإستقلال فينتشون وعندما ينتشون يغفلون عن الكواليس. ليس مسموحا لإنتقالنا الديموقراطي أن يمسّ شعرة واحدة من هذا الجهاز. هو ليس حزبا لرؤيته ينهزم بمواعيد إنتخاب. هو محمية إستعمار لم يخطّط يوما لرؤية عرب يستقلون. هو تفصيل من تفاصيل وعد بلفور!

هذيلي منصر


ملاحظة : العنوان من اختيار الموقع

 


المصدر : الصفحة الخاصة للكاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق